يعرض د. يوسي منشرُوف، الباحث الزميل في معهد «مشغاف» للأمن القومي، أدوات إيران المختلفة والمنطق الذي يحكم عملية اتخاذ القرار في طهران في سيناريو مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة – وبالتالي أيضًا مع إسرائيل.
في ظل قيام الولايات المتحدة بتعزيز حضورها العسكري في الشرق الأوسط وتشديد رسائلها تجاه طهران، يدور في إيران نقاش علني ومكثّف حول طبيعة الرد المحتمل على هجوم أميركي. تهديدات صريحة، تلميحات إلى ضربة استباقية، وسيناريوهات قصوى تتكرر في تصريحات كبار مسؤولي النظام ووسائل إعلام محسوبة على المؤسسة الأمنية.
على هذه الخلفية، يصبح تحليل أنماط التفكير والقدرات الإيرانية أمرًا حاسمًا لفهم حدود التصعيد والحذر لدى طهران، وكذلك لفهم الكيفية التي ينبغي أن تستعد بها إسرائيل والولايات المتحدة. د. يوسي منشرُوف يرسم الصورة الأوسع، عارضًا «صندوق الأدوات» الإيراني والمنطق الذي يوجّه اتخاذ القرار في طهران في حال اندلاع مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة – ومعها إسرائيل.
بحسب منشرُوف، وبالتوازي مع الاستعدادات العسكرية الأميركية، تشهد وسائل الإعلام الإيرانية نقاشًا واسعًا حول طبيعة الرد المتوقع من إيران. وفي هذا السياق، صرّح مؤخرًا قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي ونائبه علي فدوي – كلٌّ على حدة – بأن قواتهم في «ذروة الجاهزية» لتنفيذ ردٍّ ساحق.
ولا يقتصر النقاش على التهديدات الردعية؛ إذ طرح مسؤولون بارزون في النظام أيضًا احتمال توجيه ضربة استباقية. فقد أعلن «المجلس الأعلى للدفاع» في إيران أن طهران غير ملزمة بانتظار هجوم يُشن ضدها، وأكّد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو عضو في المجلس الأعلى للأمن القومي، أن هذا الخيار قيد البحث. وصرّح قاليباف بأنه في حال وقوع هجوم أميركي، ستستهدف إيران قواعد أميركية وسفنًا في المنطقة، كما ستهاجم إسرائيل. وأضاف وزير الدفاع الإيراني ناصر زاده تحذيرًا مفاده أن أي دولة إقليمية تساعد في الهجوم على إيران ستُعدّ هدفًا للرد.
بلغ هذا النقاش ذروته في موقع «دفاع برس» الإخباري، المقرّب من القوات المسلحة الإيرانية، الذي نشر في يناير تحليلًا عرض أربعة سيناريوهات محتملة لرد إيراني على هجوم أميركي:
هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة ضد إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة، وعلى رأسها قاعدة العديد في قطر، إنجرليك في تركيا، الشيخ عيسى في البحرين، والظفرة في الإمارات.
هجمات صاروخية ومسيّرات تتركّز على إسرائيل فقط.
إغلاق مضيق هرمز وتنفيذ هجوم واسع ضد القوات الأميركية.
ردّ مشترك لإيران و«محور المقاومة» ضد إسرائيل والقوات الأميركية.
ويرى منشرُوف أن عنصرًا بارزًا في السيناريو الأخير هو احتمال تنفيذ اجتياح بري لإسرائيل – وهو طرح عاد للظهور في الخطاب الإيراني خلال الأشهر الأخيرة بمبادرة من مهدي محمدي، المحلل الأمني والمستشار المقرب من قاليباف. ويشدّد منشرُوف على أنه رغم تكرار التهديد بإغلاق مضيق هرمز، فإن احتمال تنفيذه فعليًا منخفض. فرغم أن المضيق يُعد أداة ضغط استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس استهلاك النفط العالمي، إلا أن خطوة كهذه ستُلحق الضرر بإيران نفسها أساسًا، إذ إن نحو 85% من النفط المصدَّر عبر المضيق مرتبط بشركائها الرئيسيين، الصين والهند.
إلى جانب الوسائل العسكرية العلنية، تمتلك إيران أيضًا قدرات سرّية. فعلى مدى السنوات الماضية، كُشفت شبكات عملاء إيرانية في إسرائيل حاولت الوصول إلى شخصيات رفيعة، من بينها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت، عالم إسرائيلي بارز، ومسؤولون آخرون. وفي سيناريو حرب، يقدّر منشرُوف أن الدافع الإيراني لتفعيل هذه القدرات وفرض «ثمن أقصى» على إسرائيل قد يزداد.
بالتوازي، طوّرت إيران وحزب الله في السابق ما يُعرف بـ«خيار الوطن» – أي تفعيل خلايا نائمة داخل الولايات المتحدة. وقد كشفت تحقيقات الـFBI عن محاولات لجمع معلومات استخبارية حول أهداف حساسة، منها مطار JFK، شخصيات إسرائيلية في نيويورك، ومعالم بارزة مثل جسر جورج واشنطن، مبنى إمباير ستيت، تمثال الحرية، ونُصب واشنطن التذكاري. ولمّح مسؤولون إيرانيون في السنوات الأخيرة إلى أن هذه القدرة لا تزال قائمة، لكن استخدامها سيُعدّ خطوة قصوى نظرًا لخطر تعميق التدخل الأميركي.
ويُظهر تحليل أنماط السلوك الإيرانية في الماضي أنه حتى في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لا يُتوقع أن تتصرف طهران باندفاع. فهي تميل إلى ردٍّ تدريجي، محسوب ومتعدد الساحات، يعتمد أساسًا على قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، التي تُعد أداة ردع مركزية ووسيلة للتحكم بمستوى التصعيد.
ومع ذلك، كلما ازداد حجم الضرر الذي يلحق بالنظام وطالت أمد المواجهة، سترتفع الدافعية لتوسيع «سلة الأدوات»، بما في ذلك تفعيل الوكلاء في ساحات إضافية، تنفيذ عمليات إرهابية نوعية، وحتى استخدام قدرات نائمة في الساحة الأميركية، رغم المخاطر الكبيرة المترتبة على ذلك.
بالنسبة لإسرائيل، يعني ذلك أن اختبار الجاهزية لا يقتصر على الدفاع ضد الصواريخ فحسب، بل يتطلب فهمًا عميقًا لأنماط العمل الإيرانية: متى يكون التهديد أداة ردع، ومتى يكون تمهيدًا نفسيًا، ومتى قد يتحول إلى واقع. وفي هذا الحيّز من عدم اليقين، ستُطلب من صانعي القرار في القدس وواشنطن موازنة دقيقة بين الحزم وضبط النفس، مع إدراك أساسي بأن كل خطوة – أو الامتناع عنها – قد تُطلق سلسلة ردود أوسع بكثير من الساحة المحلية.