قلق 'الوكيل الحصري': إسرائيل تخشى 'يُتمها الاستراتيجي' بعد الانسحاب الأمريكي وتستنجد بحلفاء التطبيع"

واي نت

رون بن ييشاي

بعد الانتهاء من فزاعة التموضع الإيراني في سوريا يعود الكيان إلى فزاعة تركيا والإخوان المسلمين، ويوصي قادته الأمنيين بتعزيز التحالف مع الإمارات و التعاون مع ما يسمى بالدول السنية المعتدلة والتجهيز للخيار العسكري....

الجيش الأميركي ينسحب، وتركيا تستغل الوضع – وعلى إسرائيل أن تعيد الاستعداد لمواجهة التهديد.

تقليص القوات الأميركية في الشرق الأوسط يترك في سوريا فراغا سيملؤه جيش أردوغان. بالنسبة لإسرائيل، يشكّل ذلك تهديدا حقيقيا لحرية العمل الجوي في الشمال وعلى الطريق إلى إيران. المؤسسة الأمنية أوصت المستوى السياسي بالتحرك دبلوماسيا منذ الآن، أملا في ألا نصل إلى مواجهة عسكرية. وكذلك: ما علاقة ذلك بالتهديد على الحكم في الأردن؟

الطريقة المفاجئة والقاسية التي أدارت بها إدارة ترامب ظهرها للأكراد في سوريا، ومنحت الضوء الأخضر لرجال الرئيس أحمد الشرع الجهاديين لغزو مناطق الحكم الذاتي في شمال شرق البلاد وارتكاب مجازر بحقهم، تثير قلقا في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. ليس فقط لأن هذا تخَلٍّ غير أخلاقي عن حليف، وليس فقط لأن الأمر قد يحدث لإسرائيل أيضا يوما ما، بل لأن القرار اتُّخذ في واشنطن كنتيجة مباشرة لتأثير حاكم تركيا رجب طيب أردوغان على الرئيس الأميركي: توم باراك، سفير ترامب في تركيا ومبعوثه الشخصي إلى سوريا، كان عرّاب هذا التحرك المشين ومن نفّذه.

من وجهة نظر إسرائيلية، الأهم هو أن البيت الأبيض قرر، بالتوازي مع المعارك الجارية في المنطقة الكردية، سحب جميع قواته من سوريا في وقت قريب جدا. لمن نسي: شرق نهر الفرات كان مقاتلون أميركيون يعملون بفعالية كبيرة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (غالبيتهم أكراد ومعهم بعض العشائر العربية) ضد نحو 3,000 عنصر من داعش، نفذوا عمليات إرهابية وحرب عصابات ضد الأنظمة المحلية والمصالح الأميركية في سوريا والعراق.

ليست هذه المرة الأولى التي يرغب فيها ترامب بسحب قواته من سوريا. حدث ذلك أيضا في ولايته الأولى، وعندها استخدمت إسرائيل نفوذها ونجحت في منع الخطوة جزئيا. اليوم، لم يتبقَّ هناك سوى نحو 900 جندي أميركي، وهذه المرة ترامب مصمم على إعادتهم إلى البلاد.

كان هذا أحد المواضيع المركزية التي طُرحت في اللقاء الأخير بين قائد القيادة المركزية الأميركية (سناتكوم)، و الجنرال براد كوبر، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير. إخراج القوات الأميركية من سوريا يشكّل محطة بارزة في مسار تقليص الوجود العسكري الأميركي في مناطق استراتيجية في الشرق الأوسط، كسياسة رسمية للولايات المتحدة.

منطق الإدارة، كما ورد في وثيقة “استراتيجية الدفاع الوطني” التي نشرها البنتاغون يوم السبت، هو أن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة سيتحملون معا دورا أوسع وأكثر فاعلية في الدفاع عن مصالحهم في مواجهة النوايا العدائية لإيران ووكلائها. وتُعرض إسرائيل في الوثيقة كنموذج يُحتذى به: دولة تعرف كيف تدافع عن نفسها مع ما يُعرَّف بأنه “مساعدة محدودة” من الولايات المتحدة.

لكن في إسرائيل يسود القلق من أن تقليص القوات الأميركية في المنطقة يقوّض قدرات الردع وحرية العمل الجوي المتاحة لها. والأخطر من ذلك أن الفراغ الذي ينشأ نتيجة الانسحاب الأميركي يزعزع الاستقرار الإقليمي، ما يهدد من بين أمور أخرى نظام الحكم في الأردن، ويتيح لعناصر معادية لإسرائيل – من تركيا إلى الميليشيات الشيعية في العراق – الاقتراب من حدودها الشرقية والشمالية.

تعاظم نفوذ تركيا وقطر على البيت الأبيض، وهو ما يثير قلق قادة الأمن والسياسة في إسرائيل، هو نتيجة حوار حميمي ومصالح تجارية مشتركة بين قادتهما وترامب والمقرّبين منه. هذا النفوذ يجبر الحكومة والجيش الإسرائيلي على الخضوع لما يفرضه ترامب عليهم في قضايا أمنية تتعلق بسوريا وغزة بالرغم من رفضها.

في مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي يشيرون إلى أنه بدل المحور الشيعي الذي ضعف، يتشكل في مواجهة إسرائيل محور جديد: المحور السني بقيادة قطر وتركيا، وبمشاركة صامتة من باكستان وربما دول أخرى في المنطقة، وجميعها تميل إلى أيديولوجيا الإخوان المسلمين (وفي الجيش الإسرائيلي يطلقون عليه محور الإخوان المسلمين). في هذه المرحلة لا يشكّل تهديدا مباشرا وفوريا لإسرائيل، لكن خطاب أردوغان وحاكم قطر تميم بن حمد آل ثاني يشكّل مؤشرا واضحا على خطورته.

تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وهو يواصل التعاظم. في هذه المرحلة لا توجد إشارة تدل على أنه قد يتحول إلى عدو عسكري، لكن إسرائيل تحاول صدّ محاولات تموضعه في سوريا وقطاع غزة. أما قطر، فستواصل حرب الوعي والتأثير السياسي التي تضر بشدة بصورة إسرائيل ومكانتها الدولية، خصوصا في الولايات المتحدة.

القلق في المملكة الأردنية

تساعد عدة حقائق على فهم ما يجري على الأرض في سياق اتجاهين يقلقان صُنّاع القرار في إسرائيل: سحب القوات الأميركية من المنطقة، وتقارب ترامب مع قادة محور الإخوان المسلمين:

يوجد حاليا في العراق نحو 3,000 جندي أميركي – معظمهم خبراء ومستشارون – موزعين على عدة قواعد، بينها في الإقليم الكردي شمال البلاد. ووفق اتفاق مع الحكومة العراقية، ستسحب الولايات المتحدة معظمهم حتى نهاية أيلول/سبتمبر. بعد ذلك سيبقى جنود أميركيون تقريبا فقط في المنطقة الكردية شمال العراق.

في سوريا، كما ذُكر، ما زال يتمركز نحو 900 جندي أميركي. ومع مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (غالبيتهم أكراد)، وبمساندة جوية من طائرات التحالف، حاربوا تنظيم داعش بنجاح كبير على مدى ثماني سنوات، وكانوا عاملا حاسما في طرده من سوريا والعراق.

الآن، ومع نية البيت الأبيض إعادتهم إلى الولايات المتحدة، يشجّع الأميركيون الأكراد على الخضوع لمطالب أحمد الشرع بتسليم أسلحتهم، والاندماج في جيشه، والعيش تحت حكمه. لكن الأكراد يخشون، وبحق، مثل هذا الترتيب، لأن الجهاديين السنّة يحتقرونهم ويرونهم كفارا تجب إبادتهم، كما فعلوا بالدروز والعلويين. الفظائع التي ارتكبها رجال النظام في الإقليم الكردي في الأيام الأخيرة أثبتت ذلك.

مشكلة أخرى تتعلق بنحو 9,000 عنصر من داعش كانوا معتقلين في معسكرات الأكراد شرق الفرات، ولم يشاركوا في حرب العصابات التي يديرها التنظيم في جنوب شرق سوريا والعراق. إلا أنه خلال المعارك بين الأكراد والنظام، تمكن بعض السجناء من الفرار. هؤلاء جهاديون، تماما كعناصر جيش الشرع.

في القيادة المركزية الأميركية يخشون أن يقوم النظام السوري، رغم تعهده بمحاربة داعش، بالإفراج عن بقية السجناء أيضا، ليعودوا إلى تنفيذ الهجمات والقتال. في إسرائيل يخشون أن يجد جزء على الأقل من هؤلاء الآلاف طريقه إلى جنوب سوريا وإلى مقربة من حدود الجولان. ومن هناك، المسار معروف.

في هذه الأثناء وافقت الحكومة العراقية الشيعية على طلب الأميركيين استيعاب سجناء داعش من سوريا في منشآت اعتقال لديها، لأنها تدرك أنه إذا لم تفعل وخرجوا أحرارا، فسيكون المواطنون العراقيون، ولا سيما الشيعة، في خطر. الأميركيون بدأوا قبل أسبوع نقل سجناء داعش من سوريا إلى معسكرات اعتقال وفّرتها الحكومة العراقية، ولا تزال العملية مستمرة.

الملك عبد الله. الانسحاب الأميركي يعرّض الأردن لتهديدات جهادية من الخارج والداخل.

القيادة العليا في سانتكوم غير راضية عن التوجّه الذي يفرضه البيت الأبيض، ومطلب سحب الجنود الأميركيين من سوريا يقيّد قدرتها على العمل وجمع المعلومات الاستخبارية في الشرق الأوسط. صحيح أن للأميركيين ما زال قاعدة تضم مئات الجنود على الحدود السورية–العراقية في منطقة التنف، لكن من المحتمل جدا أن يضطروا إلى إلغائها أيضا، ما لن يعرّض سوريا والعراق فقط لعمليات جهادية، شيعية أو سنّية، بل سيهدد أيضا بشكل كبير مكانة النظام في الأردن.

علمت واي نت أن البنتاغون يدرس تقليص الوجود أو الانسحاب الكامل أيضا من قواعد في الأردن. هذا الأمر يثير قلقا كبيرا في عمّان وكذلك في إسرائيل، لأنه يعرّض المملكة لميليشيات شيعية عراقية تموضعت على حدودها، ويخلق خطرا على النظام من جانب عناصر جهادية وتنظيمات الإخوان المسلمين الناشطة داخل الأردن وفي جنوب سوريا.

لكن المشكلة الرئيسية التي تقلق إسرائيل حاليا هي تمدد تركيا ومحاولاتها تثبيت وجود عسكري في سوريا. هذه النيو-إمبريالية، التي تسعى إلى تحويل سوريا إلى دولة تابعة أو محمية تخدم مصالح أردوغان، لا تهدف فقط إلى تحقيق أرباح اقتصادية من إعادة الإعمار بأموال سعودية، بل أيضا إلى منح الجيش التركي قدرة على نشر منظومات رادار ودفاع جوي وقواعد أمامية بالقرب من اسرائيل، ما سيقيّد بشدة حرية عملها الجوي في أجواء سوريا والعراق.

حرية العمل الجوي هذه هي الأصل الاستراتيجي الأهم تقريبا لإسرائيل في مواجهة إيران وتهديدات أخرى. فوق سوريا والعراق تمر المسارات الجوية التي أتاحت لطائرات سلاح الجو العمل بحرية في الحرب الأخيرة في غرب ووسط وجنوب إيران. هذه الحرية ضرورية لمنع تعاظم القدرات ونوايا الهجوم مستقبلا لدى جهات معادية تنشط في سوريا والعراق ولبنان.

في مثل هذا الوضع ستقف إسرائيل أمام معضلة استراتيجية صعبة: هل تتحرك بقوة ضد محاولات التمركز التركي، حتى لو كان ذلك على حساب احتكاك عسكري مباشر مع دولة عضو في الناتو وذات علاقات وثيقة مع واشنطن، أم تفضّل ضبط النفس وتسمح بتآكل خطير في أهم أصولها الاستراتيجية؟

الخوف في المؤسسة الأمنية هو أن هذا المسار لن يحدث في يوم واحد، بل تدريجيا؛ “تقطير” من خطوات تركية صغيرة، كل واحدة منها على حدة لا تبرر ردا حادا، لكن تراكمها سيخلق خلال أشهر أو سنوات واقعا جديدا، تصبح فيه أجواء سوريا والعراق غير مفتوحة أمام إسرائيل.

يضاف إلى ذلك أن واشنطن، في ظل إدارة ترامب، تُظهر استعدادا أقل بكثير للدخول في مواجهات أو استثمار موارد عسكرية في الشرق الأوسط، وتركّز أكثر على الصين وأوكرانيا والساحة الداخلية في الولايات المتحدة. في مثل هذا الوضع، قد تجد إسرائيل نفسها شبه وحيدة في معركة الحفاظ على حرية عملها الجوي في الشمال.

ومن هنا تنبع التوصية المركزية لأجهزة الأمن إلى المستوى السياسي: عدم الانتظار حتى تترسخ الحقيقة الجديدة، بل التحرك من الآن عبر ثلاثة مسارات. الأول هو المسار السياسي تجاه واشنطن: رئيس الوزراء نتنياهو يستطيع، بل يجب عليه، تفعيل كل نفوذه المباشر على ترامب وعلى المنظمات اليهودية الأميركية مثل إيباك، التي يمكنها العمل داخل الكونغرس لخلق ثقل موازن للتأثير القطري–التركي.

المسار الثاني: على الجيش الإسرائيلي تعزيز منظومة الدفاع على الحدود مع سوريا والأردن بكل الوسائل. أما المسار الثالث فهو تعزيز التحالف مع دولة الإمارات وتوسيع التعاون مع السعودية ودول سنية معتدلة أخرى.

وعند الضرورة، قد يكون من اللازم التحرك عسكريا أيضا، لوضع خطوط حمراء واضحة أمام تركيا ومنعها من تحويل سوريا إلى ساحة نفوذ عسكري مباشر لها. على أي حال، القلق ليس خطة عمل. المهمة الاستراتيجية، وربما الأهم، التي تواجه إسرائيل الآن هي الاعتراف بالواقع الجديد الذي يتشكل شرقا وشمالا، والاستعداد له بشكل صحيح وسريع.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025