هل خدعت حماسُ "إسرائيل" بخطةٍ ظاهرُها البناء وباطنُها الهجوم؟

ثمّة سؤالٌ ملحٌّ بإصرار: هل كانت "خطة أريحا" فعلاً تسريباً استخباراتياً حقيقياً تمكّنت إسرائيل من الوصول إليه بقدراتها الاستخباراتية، لكنها فشلت في معرفة مخطط السابع من أكتوبر؟ أم أنها في الأصل خدعةٌ متقنةٌ حيكت بعناية من قبل حماس؛ بهدف تضليل إسرائيل، وإغراقها في مفهوم بأنها مردوعة؟ ثم كيف يمكن لعقلٍ مقاومٍ أن يدير معركته عبر وثائق يُفترض أنها تكشف نواياه وتفاصيل خططه؟

في سرديةٍ تتجاوز حدود ما نعرفه عن الحرب والمفاجأة، تتجلّى براعةُ العقل الفلسطيني في التقاط مكامن الضعف البنيوي داخل المنظومة الإسرائيلية، وإعادة توظيفها بمهارةٍ ضمن خطةٍ متدرجةٍ تراكمية تُبنى بصمتٍ وتتكشّف نتائجها في اللحظة الفاصلة.

تعتمد هذه المادة في جوهرها على مقالين للصحفي الإسرائيلي رونين بيرغمان، كان أحدثهما قد نُشر في صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 14 كانون الأول 2025، والثاني بتاريخ 5 كانون الأول / ديسمبر 2025.

تناول المقال ما عُرف بـ"خطة أريحا" المنسوبة إلى الشهيد رائد سعد، رئيس هيئة أركان العمليات السابق في الجناح العسكري لحركة حماس على اعتبار أنه صاغها، واعتبرها نتاج فكره وتخطيطه. كاشفًا كيف رصد سعد منذ عام 2017 حالة التوتر المتنامية بين القيادة السياسية الإسرائيلية وأذرعها الأمنية، وكيف استثمر حالة الغموض التي تعمّد نتنياهو زرعها في تواصله مع المؤسستين العسكرية والاستخبارية، ليحوّلها إلى عنصرٍ بنيويٍ في رؤية العملياتية مهدت لمشهد السابع من أكتوبر.

تعترف صحيفة يديعوت أحرونوت بأن رائد سعد تمكن بحدةٍ وحنكة من التقاط حالة التخبط التي أحدثها نتنياهو في العلاقة بين السياسي والمَدرَك العسكري، فرأى في هذا الارتباك ثغرةً قابلة للاستثمار لصياغة خطة عملية. في أروقة الجيش الإسرائيلي - حيث كانت الخطة معروفة لدى بعض القيادات - شكك كثيرون في إمكانية تفعيل المبادرة فعليًا. أما سعد، الذي اغتيل في غزة في 13 كانون الأول 2025، فكان الشخصية الأبرز والأكثر تأثيراً في بناء ما عُرف لاحقًا بـجدار أريحا.

منذ 2016 انتقل سعد بمشروعه من هجماتٍ كتائبية متفرقة إلى تصوّر هجومي شامل ومتزامن بقيادة مركزية على مستوى هيئة الأركان. وبالاستناد إلى معلومات حصل عليها من استخبارات حماس، صاغ الفصل الأول من الخطة مع شرح تفصيلي دقته - بحسب ضابط رفيع في قيادة الجنوب - لا تقل عن 95%، واشتمل على آلية تعبئة الجيش على طول غلاف غزة. كما رصد سعد نمط تعامل نتنياهو مع المؤسسة العسكرية، ما أضفى عليه دافعًا إضافيًا لتصفية الحساب.

تضمن إصدار 2017 وصفًا لفرصةٍ اعتبرها سعد جوهرية: "المستوى السياسي لا يحدد أهدافًا واضحة للمستوى العسكري، ففي حالة اندلاع قتال على جبهات متعددة في آنٍ واحد يصبح العدو مرتبكًا". 

وفي نيسان/أبريل 2022، وصلت وحدة 8200 إلى نسخة كانت قد انتقلت لإسرائيل منذ 2018، ووصفتها ضابطة في قيادة الجنوب (الموسومة بالحرف "و") بأنه: "خطة مفصّلة لكسر منظومة دفاع فرقة غزة بهدف تنفيذ غارة بقوة قتالية كبيرة داخل إسرائيل والوصول إلى مدن الخط الأول - أشكلون، سديروت، نتيفوت - لتنفيذ عمليات فدائية".

جدار أريحا: معمارُ المفاجأة وخطةُ هجوم متكاملة

تفيد صحيفة يديعوت أحرونوت بأن الخطة تمتد على تسعٍ وثلاثين صفحة مصنفة سري للغاية، أعدّت على مستوى هيئة أركان كتائب القسّام، وتشمل كامل الجبهة والبنية التنظيمية للحركة. تقوم الخطة على عنصر المفاجأة التامة وعلى تعبئةٍ واسعة لقوى الجناح العسكري، تُقدّر بنحو 40 مقاتل تتقدمهم وحدات النخبة، وتتشكل من ثلاث مراحل مترابطة ومتتابعة:

المرحلة الأولى: عبور خط الجبهة باعتباره الهدف الحاسم الذي يفتح مسار التنفيذ.

المرحلة الثانية: تدمير أو تحييد المواقع العسكرية المركزية التابعة لفرقة غزة.

المرحلة الثالثة: التوغّل نحو مدن الخط الأول وتنفيذ عملياتٍ داخلها.

تتضمن الخطة خطة نيران تمهيدية مفصلة، وخريطة لفتح فجوات وبناء قوة هجومية، وحالات جهوزية مُحدَّدة، إضافةً إلى تطويرٍ مستمرّ لوسائل قتالية وتعريف واضح لقوّات الدعم القتالية (مدفعية، مضادات دبابات موجهة، دفاع جوي، قناصة، طائرات مسيّرة هجومية، وحدات هندسية)، إلى جانب عناصر دعمٍ إدارية حيوية (إعلام/دعاية، طب، اتصالات). وتشمل أيضاً برنامج تدريب مخصّص يدرّب الكتائب على مهارات متقدمة من بينها الاحتفاظ بالأسرى. أما النسخة المؤرخة في آب/أغسطس 2021 فافتتحت بآية من سورة المائدة (23) تتعلق بدخول المدينة من بابها: "ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون".

ابتداءً من 2016 تحوّل ما كان في بدايته مجموعات كتائبية محدودة إلى عملية شاملة تهدف إلى حسم فرقة غزة، وتوسعت أهداف الخطة لتتجاوز المواقع العسكرية إلى اقتحام كيبوتسات ومستوطَنات مثل نتيف هعسرا، ناحل عوز، وكيسوفيم، إلى جانب احتلالٍ مؤقت لمواقع استراتيجية ومدن عميقة مثل محطة كهرباء أشكلون، نتيفوت، أوفاكيم، وحتى قاعدة الوحدة 8200 في معسكر أوريم. إصدار أوامر التنفيذ في كانون الأول/ديسمبر 2016 أفرز إعدادات مفصّلة لخطط النيران، وحملة خداع شاملة، واعتماداً منظماً على المسيّرات والقوة البحرية، مع تحديد واضح لمهام فرقة النخبة.

على المستوى التقني شهدت الخطة تحوّلاً بارزاً: إذ انسحب التركيز تدريجياً من الحاجز تحت الأرض إلى اختراقات فوق الأرض، فصارت الأنفاق دوراً تأمينياً قرب السياج بدلاً من مسارات اختراق رئيسية. وثائق شباط/فبراير 2018 لاحظت افتقاداً لاستخدام الأنفاق الهجومية، ما يشير إلى استيعاب حماس لتبدّل بيئة العمل الميداني. وتعتمد المرحلة الأولى من الخطة على اختراقٍ كثيف ومتزامن على طول القطاع، يستدعي تشغيلَ المقاتلين وفرق الهندسة والدفاع الجوي والمضادات والمدفعية والطائرات المسيّرة والمظلات والقوة البحرية في إطار منسّق.

الخطة جاهزة لدى السنوار

بحسب تقرير يديعوت أحرنوت، أعلن سعد في أيلول/سبتمبر 2022 بلوغ الخطة ذروتها واستعدادها للانطلاق. اطّلَع يحيى السنوار على النسخة النهائية وأقرّها، لكن الهجوم لم يُنفَّذ في 2022. الافتراض القائل إن انتقال سعد إلى منصب آخر أضعف من فاعلية الخطة لم يثبت صحته؛ فموقع سعد الجديد لم يكن نتيجة فشلٍ عملياتي بل قرارٌ تحسُّبيٌ تفادياً لردٍّ إسرائيلي مدمر، وفي هذا التقدير كان سعد على صواب.

تتضمن الخطة تفصيلاً فنياً واضحاً: 54 فريق هندسي لاستحداث 66 ثغرة، وهي أرقام تستوجب مساءلة الخبراء الميدانيين بالجيش الإسرائيلي حول قابليتها للتنفيذ ومدى دقّة معرفة حماس بتراكيب الحاجز. كما ينبغي أن تركز التحقيقات على دور هذا المشروع الكبير كمؤشر على مستوى الاستعداد الاستثنائي، وعلى أسباب عدم ربطه بالميدان في الزمن الحقيقي، وعلى سبب عدم رفع الجهوزية الدفاعية فوراً—بما في ذلك تفعيل نيران فورية على طول الحدود.

فجوة في القراءة والتحليل

رغم توافر نسخٍ من الخطة تعود إلى 2016 - 2018 وتحديثاتٍ في 2021/2022، تمسّكت مستويات قيادية داخل الجيش بالتعامل مع "جدار أريحا" كمرجعية لبناء القوة وليس كمخطط تشغيلي قابل للتنفيذ. في 25 تموز/يوليو 2022 أعدّت استخبارات فرقة غزة وثيقة تقييم تهديد الغارة، وخلصت إلى أن حماس تعتبر هذه الغارة تهديداً استراتيجياً لإمكانية الافتتاح.

ذكر "جدار أريحا" بشكل هامشي، بينما قلّلت حاشية تقريرٍ مركزي من خطورته استنادًا إلى حُجّة استبعاد سعد سابقًا واستبداله. في المقابل، عُرضت خطة نيسان/أبريل 2022 كوثيقة أوليّة وجديدة وغير مسبوقة، على الرغم من كونها امتدادًا لنسخ سابقة. خلال 2022 - 2023 ناقشتها منتديات متعددة داخل فرقة غزة وقيادة الجنوب وشعبة العمليات والشاباك، لكن من جلسةٍ إلى أخرى رسخت لدى كثيرين لدى المشاركين قناعة بأنها مجرد تأطير فكري لرائد سعد ومحمد سنوار، وظهرت أوصاف تناقض جوهر الخطة ومقاصدها الحقيقية.

في تموز/يوليو 2022 تساءل يارون فينكلمان - الذي تولى قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي لاحقًا في 7 أكتوبر - عن مستوى الجهوزية تجاه الأوامر الطارئة وسيناريو قتال على جبهتين، بينما تقوم الخطة أصلاً على عنصر المفاجأة والتحرك خلافاً لروتين العمليات. في تشرين الثاني/نوفمبر نظم إيليعازر تولدانو مؤتمراً لبحث ملامح المعركة المقبلة، وذُكرت الخطة مرةً واحدة بصيغةٍ خاطئةٍ مفادها أنها تفترض أنفاقاً عابرة تخدع أجهزة الكشف، وهو وصف لا يتوافق مع مضمون الخطة.

بناء الحاجز تحت/فوق الأرض أوحى لدى قيادة الجيش بأنه العائق ذكي فأدّى ذلك إلى تخفيض قوى الدفاع. الخطة نفسها تشير إلى أن خنادق مضادات الدبابات قادرة على إيقاف التقدم، لكن على الأرض رأت حماس في الحاجز نقطة ضعف قابلة للاختراق هندسياً وسطحياً، فيما لم تُعِر المنظومة العسكرية الاهتمام الكافي لاحتمال اختراقٍ علوي جماعي. 

نظام "يرى ويطلق" لم يكن قادراً إلا على تشغيل سبطانة واحدة من أصل سبع وبمدى محدود، وعُطّلت فعاليته عند بدء الغارة. كما أن إلغاء بطاريات مدفعية حدودية سابقاً حرم الدفاع من آلية تعطيلٍ كانت ستفيد في مواجهة أمواج الاختراق. 

خاتماً: إذا تبيَّن أن وثيقة "جدار أريحا" قد تسرّبت بالفعل إلى دوائر المؤسسة الإسرائيلية، فمن المرجّح أن حركة حماس وظّفت ذلك التسريب كأداةٍ لخداعٍ استراتيجيٍ ممنهج، إذ عرضت النسخة المسرّبة بطريقةٍ تُوهم بأنها وثيقة نظرية لتطوير القدرات فحسب، وليست خطةً معدّة للتنفيذ. ونتيجة لذلك، تحوّلت المعرفة إلى تصوّر مفاهيمي أثّر في صياغة السياسات التي وجّهت موقف الحكومة الإسرائيلية تجاه غزة.


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025