قراءة في المفهوم والدلالات
أولاً: بين يدي القراءة:
يلاحظ المتابع للشأن العسكري في الكيان المؤقت، أنه مع تسلم كل قائد جديد لهيئة أركان الجيش، يقوم بوضع خطة جديدة لتطوير وتشغيل القدرات القتالية الموضوعة تحت إمرته؛ في مختلف الصنوف ـــ بر، جو، بحرـــــ والاختصاصات. فرئيس الأركان الثاني والعشرون لجيش العدو، الجنرال كوخافي وضع خطة لخمس سنوات تحت اسم " تنوفا". أما الثالث والعشرون "هاليفي"، فقد وضع خطة تحت عنوان " الاستراتيجية والتخطيط في عصر عدم الوضوح". وها هو آخرهم، الرابع والعشرون، " إيال زامير" يضع خطة لمسار بناء قوات تحت اسم "حوشين"، لتجيب هذه الخطة على تحديات البناء والتشغيل المستقبلية التي ستواجه جيش العدو في سني خدمة هذا الضابط. تأتي هذه الورقة لتقديم قراءة سريعة في هذا المفهوم وبحث دلالاته، وما يمكن أن يُستنبط من توجّهات تشغيلية مستقبلية قد تحكم عمل جيش العدو، بناء على الخطوط العريضة الأولية التي تقدمها هذه الخطة.
ثانياً: المفهوم والمقتضى:
أطلق "إيال زامير" على خطته الخماسية اسم: "حوشين" وهو الرداء الذي كان يرتديه الكاهن الأكبر في الديانة اليهودية، والذي كان يحتوي على 12 حجراً تمثل قبائل بني إسرائيل الإثنتي عشر. حيث جاءت هذه الخطة متضمة لمجموعة من الخلاصات والدروس التي تم الخلوص لها من تقييم جيش العدو لمعاركه على الجبهات السبع التي يقول أنه قاتل، وما زال يقاتل عليها، والتي أفتتحت في غزة، واتسعت لتصل طهران في إيران، وصنعاء في اليمن، وما بينهما من مسارح عمليات، وساحات قتال، من لبنان إلى سوريا، فضلاً عن العراق. بنيت الخطة "حوشين" على ركيزة أساسية، الهدف منها: إعداد الجيش ورفع جاهزيته لخوض حرب مفاجئة. الأمر الذي يتطلب إمتلاك قدرات دفاعية تمكن الجيش من تحصين الحدود، وحماية الجبهة الداخلية، فضلاً عن تمكنه من شن هجومات بمختلف الوسائط والأذرع، بهدف إحباط التهديدات في مهدها، وقبل تبلورها أو خروجها إلى حيز التشغيل. وحيث أن خطط الجيوش توضع بناء على تصور وجود تهديد يجب كبحه، أو مصلحة يجب تحصيلها و/أو حمياتها؛ فإن خطة " حوشين" محل البحث تفترض أن مراكز التهديد ما زالت على ما هي عليه جغرافياً، في غزة، ولبنان، وسوريا، والحدود الشرقية، فضلاً عن ضرورة امتلاك جاهزية قتالية تمكن العدو من القتال في ساحات بعيدة، مثل إيران والعراق واليمن. كما تسلط الخطة الخماسية لـ"زامير" الضوء على ساحتي عمل جديدتين هما: البحر والفضاء، من خلال وضع خطة لنصب عشرات الأقمار الصناعية صغيرة الحجم في الفضاء خدمة للمجهود العسكري، وهو أمرٌ لافت للانتباه، ويمكن استنباط بعضاً من الدلالات منه. كما تسعى الخطة إلى محاولة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، ودمج الروبوتات القتالية في منظومات النار الحالية. كما تركز الخطة أخيراً على رفد سلاح البحرية بمنظومات قتال ونار تمكّن الكيان المؤقت من مواجهة التهديدات في مسرح عمليات البحر، فضلاً عن نقل منصات النار البحرية، السطحية ــ مدمرات، طرادات، سفن قتال ـــ ووسائط العمق من غوصات مأهولة وغير مأهولة، نقلها بالقرب من مسارح العمليات المختلفة.
ثالثاً: الأهداف الكلية من وضع قادة الأركان لخططهم الخماسية:
من المفيد قبل البحث في دلالات خطة "زامير"، أن نتطرق إلى أسباب وأهداف قادة الأركان، من وضع خططهم الخماسية، والتي أصبحت كالعلامة التجارية لكل رئيس هيئة أركان (تطبع) فترة ولايته وتدمغها. حيث يقف خلف هذا الأمر عدة دوافع، ومسببات، من أهمها:
ليس من المتوقع أن يستكمل رئيس هيئة الأركان خلال ولايته تنفيذ كامل خطط عملية تطويره للجيش التي كان وضعها؛ لأسباب سياسية وتعبوية كثيرة، لذلك يتمثل أحد أهداف خطة القائد الجديد القادم، في استكمال ما لم يُستكمل من خطة القائد القديم المُنصرف.
من أهم دوافع تجديد الخطط العسكرية ومحركات وضعها؛ ما يُستخلص من دروس وعبر من الحروب والمعارك الحقيقية، فضلاً عن المناوارت التدريبية؛ التعبوية منها والركنية، لذلك تأتي الخطط الجديدة، لدمج ما استخلص من هذه العبر، والدروس، وما تولد عنها من مفاهيم جديدة، في خطط تطوير وتشغيل القدرات التي يضعها رئيس الأركان المستلم المهمة جديداً.
يطلق على بناء القدرات القتالية ومراكمتها مصطلح "مسار"، ما يوحي بوجود حالة حركة، وعدم ثبات أثناء حيازة ومراكمة هذه القدرات، هذه الحركية (اقرأ المرونة) سببها عوامل عدة، من أهمها، تغير وتغيير التهديد والمخاطر الناتجة عنه. ومن أهم طرق التعرف على التغييرات التي طرأت على التهديدات التي تواجه الدولة والوحدات السياسية؛ دخولها في أزمات؛ طبيعية من خلق الخالق سبحانه، أو صناعية، من نتاج البشر، ومن أهم هذه الأزمات وأخطرها؛ الحروب والمعارك والاحتكاكات الخشنة مع الأعداء والخصموم، فضلاً عن المنافسين، والتي تقتضي بعد انتهاءها، دراستها واستخلاص عبر ودورس منها، تنعكس حكماً على تطوير القدرات ومسار بناءها، الأمر الذي يظهر في عملية التخطيط التي يقوم بها القادة، ومتصدي التخطيط في الجيوش وهم: ضباط هيئة الأركان المشتركة، وقادة الصنوف لذلك الجيش وتلك الدولة.
الحروب هي مختبر القوات الرئيسي والحقيقي الذي يكشف عن نقاط ضعف وقوة تلك الجيوش، فضلاً عن مكامن الضرر فيها، لذلك تعمد الدول إلى تغيير خطط بناءها لقدراتها، بناء على ما تكشف لها أثناء الحروب والمعارك من ضعف وقصور في مصادر قدرتها الحالية، والذي نتج حكماً بسبب خلل في المسار السابق لبناءها للقوات الذي عُمل بمقتضاه، واهتدي بهديه.
وهو أمر مهم تقوم به الجيوش والمنظومات العسكرية، بشكل دوري، فهي ــ الجيوش ــ عندما ترصد تغيراً في مهمتها، تعمد إلى امتلاك ما يناسب من قدرات، لتتمكن من القيام بما ألقي على عاتقها من مهمات، وحيث أن الأسلحة كأدوات وأجهزة منفردة، لا يمكن أن تنعكس قدراتها على قوة الجيش أو الدولة، ما لم يتم دمجها ضمن منظومات نار ذات هدف قتالي محدد، يمكنها من ترك الأثر المطلوب في المعارك والاشتباكات، لذلك تأتي الخطط الجديدة والمتجددة، لدمج ما تمت حيازته من أسلحة وأدوات وتجهيزات، ضمن منظومات النار الكلية للقوات المسلحة.
وهذا من نافلة القول، ومع أن الحكم استمرار، والجديد يكمل ما بدأه القديم؛ إلّا أن هذا لا يعني أن الجديد سوف يحيى في (عباءة) من سبقه، لذلك يحرص القادم الجديد للقيادة، على ترك بصمته على القوات التي يريد أن يشغلها وفقاً لما لديه من علوم ومعارف وخبرات وتصورات، وهي بصمة ليست عفوية ولا عشوائية، وإنما يحكمها فهم القائد الجديد لمجملة ما قيل سباقاً من نقاط، خاصة ما طرأ من تغيير وتغير على التهديد، و/ أو المهمة المطلوب تنفيذها.
رابعاً: الدلالات:
يمكن استخلاص جملة من الدلالات مما ورد في خطة "حوشين" من خطوط عريضة وتدابير قيادية، من أهمها ما يأتي:
هذه بعضاً من الدلالات التي يمكن استنباطها مما نشر حتى الآن حول خطة " حوشين"، الأمر الذي يتطلب مزيداً من المتابعة، والمراقبة، والرصد، والتحليل من أصحاب الاختصاص والكار، ليبنى على الشيء مقتضاه. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.