يديعوت
يوئيل غوسانسكي
ترجمة حضارات
هناك حاجة إلى تغيير جذري في المفاهيم فيما يتعلق بالأردن
يجدر التساؤل عما إذا كان من الصواب الاستمرار في السياسة الحالية كآلية استراتيجية، أم أن الوقت قد حان للمطالبة بالتوازن، لا يهدف هذا إلى قطع العلاقات مع الأردن أو تقويض استقراره، بل إلى وضع توقعات واضحة: لا يمكن أن يقتصر التعاون الاستراتيجي على بُعدي الأمن والبنية التحتية، في حين أن هناك صراعاً مستمراً في البُعد السياسي.
لطالما اتسمت سياسة إسرائيل تجاه الأردن بالتناقض على مر السنين، فمن جهة، هناك تعاون وثيق ويومي في مجالات الأمن والطاقة والبنية التحتية؛ ومن جهة أخرى، ينتهج الأردن سياسة خارجية عدائية وانتقادية، بل وأحيانًا ممنهجة، ضد إسرائيل على الصعيدين الإقليمي والدولي، هذا التناقض ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تصور إسرائيلي راسخ بأن وجود الأردن كدولة عازلة مستقرة يمثل مصلحة عليا لا يمكن المساس بها مهما كلف الأمر، إلا أن هذا التصور، الذي ربما كان له ما يبرره في الماضي، يستدعي إعادة النظر فيه.
تعتمد الأردن بشكل غير عادي على إسرائيل، فقطاع المياه الأردني يعتمد على إمدادات مياه إسرائيلية كبيرة، وقطاع الطاقة يعتمد على الغاز الطبيعي الإسرائيلي، والاستقرار الأمني، سواء على الحدود الشرقية لإسرائيل أو داخل المملكة نفسها، قائم على تعاون استخباراتي وأمني وثيق. وبدون هذه العناصر، ستواجه الأردن أزمة وجودية، هذا ليس مجرد بادرة أردنية تجاه إسرائيل، بل هو مصلحة أردنية واضحة.
إلا أن هذا الاعتماد الأردني على إسرائيل يتوازى مع سياسة أردنية مزدوجة، إذ تتبنى عمّان موقفاً نقدياً لاذعاً تجاه إسرائيل، فتقود مبادرات مناهضة لها في الأمم المتحدة، وتدعم الإجراءات القانونية ضدها، وتتبنى روايات فلسطينية متطرفة، بل وتتجاوز أحياناً الإجماع العربي، ويخلق هذا واقعاً عبثياً تُسهم فيه إسرائيل فعلياً في استقرار نظامٍ يُعارضها سياسياً، بل وتُسهم أحياناً في تقويض شرعيته.
تتمتع الأردن بدعم سياسي واقتصادي وأمني واسع النطاق من واشنطن والعواصم الأوروبية، التي تنظر إليها كركيزة للاستقرار المعتدل في الشرق الأوسط، يوفر هذا الدعم للمملكة شبكة أمان إضافية، مما يسمح لها باتباع سياسة خارجية تصادمية تجاه إسرائيل، لعلمها بدعم الغرب لها، علاوة على ذلك، في كثير من الحالات، تتبنى الدول الأوروبية الموقف الأردني من القضية الفلسطينية، وتقدم له دعماً دبلوماسياً، بينما يُطلب من إسرائيل ضبط النفس باسم الاستقرار الإقليمي. عملياً، يُطلب من إسرائيل دفع ثمن أمني وسياسي واقتصادي للحفاظ على الوضع الراهن.
الخوف من انهيار المملكة
إن الحجة الرئيسية التي تمنع إسرائيل من تقديم مطالب واضحة للأردن هي الخوف من انهيار المملكة، التي تعاني من وضع أمني هش، ووفقًا لهذا الرأي، يُمثل الأردن جدارًا دفاعيًا على الحدود الشرقية لإسرائيل؛ فبدونه، ستُصبح الحدود الطويلة ثغرة أمنية، وستواجه إسرائيل فوضى أمنية مستمرة، إلا أن هذا الرأي يستند إلى قلق استراتيجي أكثر من كونه تحليلًا موضوعيًا، فالأردن يحمي حدوده مع إسرائيل ليس بدافع الكرم، بل لأنه يصب في مصلحته الوجودية أيضًا، إضافةً إلى ذلك، فإن الحدود ليست خالية من المخاطر، وتتزايد ظواهر التهريب والأنشطة الإرهابية التي ترعاها إيران. علاوة على ذلك، فإن قدرات إسرائيل اليوم تختلف تمامًا عن قدراتها في تسعينيات القرن الماضي، وهي قادرة على حماية حدودها الشرقية حتى في سيناريوهات أكثر تعقيدًا، بتكلفة باهظة، ولكن ليس على حساب وجودها.
تحتاج إسرائيل إلى دراسة سياستها بجدية: هل الاستمرار في تقديم الدعم غير المشروط تقريبًا للأردن يخدم مصالحها الوطنية بالفعل، أم أن هناك مجالًا لتحديث القواعد ومطالبة الملك الأردني بتحقيق التوازن بين الخطاب العام والسلوك الدولي والتعاون العملي؟
إلى جانب ذلك، ثمة بُعدٌ تتجاهله إسرائيل عادةً: البنية الديموغرافية والسياسية للأردن، يشكل الفلسطينيون غالبية سكان المملكة، وهم عرضة للقمع السياسي والتهميش، يدير النظام الهاشمي هذا التوتر بتوجيه الانتقادات والغضب نحو إسرائيل، التي تُستخدم كأداة لخلق شرعية داخلية وتشتيت الانتباه عن المشاكل الهيكلية للبلاد، وبتقديمها الاستقرار دون مطالب سياسية مقابلة، تصبح إسرائيل فعلياً شريكاً سلبياً في هذه الآلية.
في ضوء الواقع الإقليمي والضغوط المتزايدة على إسرائيل في الساحة الدولية، من المناسب التساؤل عما إذا كان من الصواب الاستمرار في السياسة الحالية كآلية استراتيجية، أم أن الوقت قد حان للمطالبة بالتوازن، لا يهدف هذا إلى قطع العلاقات مع الأردن أو تقويض استقرارها، بل إلى وضع توقعات واضحة: لا يمكن أن يقتصر التعاون الاستراتيجي على الجوانب الأمنية والبنية التحتية، في حين أن هناك صراعًا مستمرًا في البعد السياسي.
تحتاج إسرائيل إلى مراجعة سياستها بموضوعية: هل يخدم استمرار تقديم الدعم شبه غير المشروط للأردن مصالحها الوطنية فعلاً، أم أن هناك مجالاً لتحديث القواعد ومطالبة الملك الأردني بتحقيق توازن بين الخطاب العام والسلوك الدولي والتعاون العملي؟ هذه ليست دعوة للتصعيد، بل إلى نضج استراتيجي، فالاستقرار الإقليمي ليس قيمة أحادية الجانب، والتحالفات، حتى الهادئة منها، لا يمكن أن تستمر على المدى الطويل دون تبادل المصالح.
الدكتور يوئيل غوزانسكي باحث أول ورئيس برنامج الخليج في معهد الدراسات الاجتماعية بجامعة تل أبيب.