خامنئي سيجد صعوبة في إقناع المحتجّين بأنه غير مسؤول عن أوضاعهم، والثورة الإسلامية في خطر
صحيفة هآرتس
تسفي برئيل:
إن اختطاف رئيس فنزويلا السابق وتقديمه للمحاكمة وضع إيران على لائحة الأهداف بوصفها الدولة التي قد تكون قيادتها التالية في مسار مشابه. التقارير التكهنية عن “مسار هروب” أُعدّ للمرشد الأعلى علي خامنئي إلى روسيا، وتهديدات دونالد ترامب باستهداف القيادة إذا قامت بقتل متظاهرين، والتوقعات بجولة هجمات إسرائيلية و/أو إسرائيلية–أميركية، وكذلك تقرير نيويورك تايمز الذي أفاد بأن القيادة الإيرانية “دخلت في وضع بقاء” — كل ذلك يقود ظاهريًا إلى استنتاج مفاده أن إيران، بوصفها “جمهورية إسلامية”، تندفع نحو التفكك.
لكن على خلاف فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو، لا يوجد ضد خامنئي لائحة اتهام أميركية جاهزة للتفعيل، ولا رُصدت مكافأة بعشرات ملايين الدولارات لمن يدلي بمعلومات عنه، واسمه غير مدرج في قوائم الإرهاب الدولية. والأهم من ذلك، أنه لا يزال يُعدّ في نظر ترامب شريكًا محتملًا للتفاوض على اتفاق نووي أو اتفاق لتقييد برنامج الصواريخ. خامنئي، بخلاف مادورو، يمتلك أوراق مساومة قد تنقذ نظامه ودولته وتهدئ الاحتجاجات الآخذة في الاتساع.
في يونيو 2003، وبعد نحو ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب على العراق وتصاعد المخاوف في إيران من أن تكون التالية على جدول الغزو، بعث الرئيس محمد خاتمي رسالة “غير رسمية” إلى الرئيس جورج دبليو بوش، عرض فيها أن تتخلى إيران عن تطوير برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات وضمان أمنها والحصول على تكنولوجيا نووية لأغراض سلمية. لم يرد بوش على الرسالة، كما تجاهل رسالة أخرى أرسلها إليه في عام 2006 الرئيس اللاحق محمود أحمدي نجاد، وتضمنت “خريطة طريق” لحل الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران. في الحالتين كان المرشد الأعلى هو خامنئي، الذي صادق على إرسال الرسائل. وبعد خمس سنوات سمح بإدارة مفاوضات الاتفاق النووي، وفي عام 2015 بارك توقيع الاتفاق.
ولا يزال حتى اليوم قائمًا مسار حوار بين الولايات المتحدة وإيران، تُشغّله السعودية وعُمان وقطر وتركيا. وعلى خلاف بوش، الذي أغلق باب الدبلوماسية، لم يُغلق ترامب هذا المسار حتى الآن؛ فإلى جانب تهديداته المتكررة، يحرص على التأكيد أن يده ممدودة للتفاوض، وقد أشار إلى علمه برغبة إيران في التفاوض. السؤال هو ما إذا كان خامنئي مستعدًا لأن يومئ بالموافقة هذه المرة أيضًا، وأن يُفعّل مبدأ “المرونة البطولية” الذي برّر به موافقته على الاتفاق النووي سابقًا، وأن يقدّم تنازلات قد تعيد إحياء المفاوضات مع الولايات المتحدة. تصريحاته حتى الآن لا تدل على نية من هذا القبيل، كما أن مواقفه العلنية تجاه الاحتجاجات تشير إلى قناعة لدى النظام بأنه لا يزال قادرًا على التعامل مع الأزمة عبر خطوات إدارية، تشمل تبديل وزراء، وتعويضات عن الغلاء، وقمعًا مضبوطًا للاحتجاجات.
إن معركة خامنئي ليست فقط مع ما يسميه “الغطرسة الإمبريالية” الغربية عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا، بل هي معركة على شرعية نظام الحكم ذاته وعلى شرعية الثورة الإسلامية، في ظل فشلها في الوفاء بوعودها بتوفير حياة أفضل لمواطني إيران. جهده الأساسي ينصبّ على إثبات أن النظام سليم وأن المبادئ صحيحة. ومن وجهة نظره، فإن ما يُختبر الآن هو قدرته على فصل مسؤوليته عن إرث الثورة وأيديولوجيتها وترجمتها العملية إلى استراتيجية سياسية واقتصادية — وهي أسس لا يجوز التنازل عنها — عن أولئك الذين فشلوا في تطبيقها. إلا أن هذا صراع شاق.
في عام 2009، عندما اندلعت احتجاجات واسعة ضد نتائج الانتخابات التي أُعيد فيها انتخاب محمود أحمدي نجاد، طالب قادة الإصلاحيين الذين أسسوا “الحركة الخضراء” بإلغاء النتائج وتنفيذ إصلاحات اقتصادية واجتماعية. قائد الاحتجاج والمرشح الرئاسي الذي هُزم في الانتخابات المزوّرة، مير حسين موسوي، امتنع بشكل لافت عن مهاجمة المرشد الأعلى أو المطالبة بتغيير نظام الحكم. أما اليوم، فيبدو أن الشرخ يتعمّق وأن “النظام” نفسه بات مهددًا.
في مطلع ديسمبر، وقبل نحو ثلاثة أسابيع من اندلاع الاحتجاجات الواسعة في إيران، ألقى وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف خطابًا صادمًا أثار عاصفة من الجدل. قال في منتدى الدوحة: “لقد دعمنا القضايا العربية أكثر مما دعمها العرب أنفسهم. دعمنا فلسطين أكثر مما دعمتها أي دولة عربية. أقول بوضوح: خلال 45 عامًا من متابعتي للسياسة الخارجية الإيرانية، فإن تلك الجماعات التي تُسمّى ‘وكلاءنا’ لم تطلق رصاصة واحدة دفاعًا عن مصالحنا. لقد قاتلت من أجل مصالحها، ونحن دعمناها، وإيران دفعت الثمن. عانينا من حصار وعزلة، وفي النهاية لم تُطلق رصاصة واحدة للدفاع عنا… من حقنا أن نشعر بالاشمئزاز”.
تصريحات ظريف، الذي شغل منصب وزير الخارجية في عهد الرئيس حسن روحاني وكان من مهندسي الاتفاق النووي الموقع عام 2015، ثم شغل لفترة قصيرة منصب نائب الرئيس مسعود بزشكيان، لم تكن موجهة إلى ضيوف المنتدى الدولي، بل أصابت مباشرة صلب القيادة الإيرانية، واستهدفت الحرس الثوري وخامنئي نفسه. انتقاده لدعم إيران لتلك الأذرع في لبنان والعراق واليمن وحماس ليس جديدًا، لكنه يعكس مزاجًا عامًا تعاظم خلال العام الماضي على خلفية الأزمة الاقتصادية العميقة التي أصبحت الدافع الرئيسي للاحتجاجات. تمويل الميليشيات في العراق وحزب الله في لبنان غذّى مقالات نقدية متزايدة في وسائل إعلام محسوبة على “التيار الإصلاحي”، وظهرت هذه الانتقادات في التظاهرات الأخيرة إلى جانب الشعارات المطالبة بإنقاذ إيران من أزمتها الاقتصادية.
إن الربط الذي يقوم به المواطنون الإيرانيون، ومؤثرو شبكات التواصل، وسياسيون معارضون، بين سعر الخبز ونقص المياه والغاز من جهة، وبين السياسة الخارجية والاستراتيجية الأمنية من جهة أخرى، هو مكمن التهديد لمكانة النظام. فبينما يعترف النظام بصعوبة معيشة المواطنين وعجزهم عن تأمين الغذاء والعمل اللائق وشراء المسكن، ويطالب الحكومة “بالاستماع إلى أصواتهم”، فإنه يسعى في الوقت نفسه إلى إبعاد استراتيجيته السياسية والعسكرية عن منصة المحاسبة الشعبية. ووفق رؤية القيادة العليا، فإن للأزمة الاقتصادية والمعاناة المدنية مسؤولًا يمكن تحميله — الحكومة والرئيس — من دون المساس بالمرشد الأعلى. أما فشل السياسة الخارجية والاستراتيجية الوطنية فهو من صلاحيات المرشد الأعلى وحده، الذي تُعدّ أذرعه التنفيذية مستشاريه الذين يعيّنهم والحرس الثوري.
هذه جدار فصل شكلي، إذ إن مبدأ “ولاية الفقيه” الذي تقوم عليه الجمهورية الإسلامية، كما صاغه الخميني، يجعل المرشد الأعلى الفقيه الأعلى والسياسي الأعلى في آن، والمسؤول عن كل ما يجري في الدولة. لكن هذا الجدار خدم النظام جيدًا طوال سنواته، إذ شكّل مانع صواعق كلما خرج الجمهور إلى الشوارع. يُسمح للجمهور بانتقاد الحكومة والرئيس — رغم أنهما يُنتخبان بإذن المرشد الأعلى — لكن ليس بانتقاد المرشد نفسه.
غير أن الرئيس بزشكيان لا يمتلك صلاحيات اتخاذ القرارات التي يمكن أن تُخرج إيران من أزمتها. فقرار خامنئي بتجميد المفاوضات مع الولايات المتحدة، والإصرار على تخصيب اليورانيوم داخل إيران، والاستمرار في تمويل ودعم “الأذرع” كجزء من استراتيجية وطنية، هو ما يعرقل حاليًا فرص بلورة حل.
وعندما يربط الجمهور بين فشل تلك الاستراتيجية، التي تجسّد رؤية الثورة الإسلامية، وبين وضعه البائس، فإن ليس فقط قيادة النظام تدخل “وضع البقاء”، كما نقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين إيرانيين، بل إن استمرار وجود الدولة نفسها كـ“جمهورية إسلامية” تنافس على مكانتها في الشرق الأوسط وخارجه يصبح مهددًا. خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا، والذي بدأ بالفعل فحص مسألة خلافته، سيُطلب منه الآن أن يقرّر: هل يحمي الأيديولوجيا أم الدولة.