نشر معهد القدس للاستراتيجيات والأمن مقالًا للكاتب هليل فريش بتاريخ 09 كانون الثاني 2026 بعنوان "الميليشيات في غزة تساعد إسرائيل أكثر مما يُعتقد". يطرح المقال مقاربة ترى أن لإسرائيل مصلحة مباشرة في انشغال حركة حماس بالدفاع عن نفسها في مواجهة ميليشيات محلية متعاونة مع إسرائيل، بدل تركيزها على شن هجمات ضد جنود الجيش الإسرائيلي.
يستند الكاتب إلى مؤشرات ميدانية، أبرزها اغتيال محمد زمزم وطبيعة منظومة الحماية التي رافقت رائد سعد، ليخلص إلى أن نشاط هذه الميليشيات يفرض على حماس نمطًا دفاعيًا يستنزف قدراتها الهجومية ويحد من تهديدها العسكري.
يرى الكاتب أن تبنى كثير من المعلقين في وسائل الإعلام الإسرائيلية موقفًا استخفافيًا تجاه الميليشيات التي تقاتل حركة حماس في قطاع غزة. بلغت هذه الانتقادات ذروتها عقب اغتيال ياسر أبو شباب، قائد "القوات الشعبية"، في 4 كانون الأول، في ظروف ما زال الغموض فيها أكبر من الوضوح. ترأس أبو شباب أول تنظيم قوي وفعلي نشأ بين مجموعات مختلفة قامت على أساس المحلية. ردد هؤلاء المعلقون الدعاية الحمساوية، التي مفادها أنه عقب اغتياله استغل كثيرون من صفوف هذه التنظيمات العفو المؤقت الذي أعلنت عنه حماس، وسلّموا أنفسهم لجهاز الأمن العامل تحت وزارة الداخلية والأمن الوطني الخاضعة لسيطرة حماس، وبذلك أسهموا في تفكك الميليشيات وتعزيز حكم حماس في غرب غزة إلى ما بعد الخط الأصفر.
غير أن حدثين وقعا منذ اغتيال أبو شباب يثيران الشك في هذا التفسير. الحدث الأول، وهو الأهم تمثل في تصفية محمد زمزم في 14 كانون الأول في مخيم المغازي وسط قطاع غزة. شغل زمزم رتبة مقدم في جهاز الأمن وعمل منسقًا أمنيًا لمنطقة وسط غزة وهو منصب رفيع نسبيًا في المنظومة الأمنية للتنظيم. جرى اغتيال زمزم من كمين ويُرجح أن جهات محلية هي التي نصبته إذ يرى بعضهم أن العملية نفذتها قوة إسرائيلية خاصة إلا أن هذا الاحتمال ضعيف جدًا، أعلنت حماس بعد الهجوم أنها اعتقلت أحد المنفذين. من المعقول الافتراض أنه لو كان المنفذ جنديًا في الجيش الإسرائيلي أي أسيرًا لكان لذلك صدى جماهيري واسع. يبدو بالتالي، أن الحديث يدور عن كمين مخطط له من قبل عملاء محليين أو من عناصر إحدى الميليشيات.
يمكن النظر في هذا السياق أيضًا إلى اغتيال رائد سعد، الرئيس السابق لهيئة العمليات في حماس والذي كان وفق مصادر أمنية إسرائيلية الرجل الثاني في الهرم العسكري للحركة خلال السنة الأخيرة منذ اغتيال السنوار والضيف بعد عز الدين الحداد. صحيح أنه اغتيل مع ثلاثة من رفاقه بصاروخ أطلقته طائرة مسيّرة تابعة لسلاح الجو على السيارة التي كانوا يستقلونها في 13 كانون الأول 2025 وأن اغتياله لا يرتبط مباشرة بالميليشيات كونه عملية إسرائيلية خالصة إلا أن تحليل التسجيل الذي بثته الطائرة المسيّرة ونشره الجيش الإسرائيلي يُظهر أن مفهوم الحماية الذي اعتمدته القافلة الصغيرة التي كان يستقلها صُمم لتأمينها من محاولة اغتيال برية على الأرجح من قبل من الداخل وليس لمواجهة احتمال هجوم جوي إسرائيلي.
هذا مفهوم حماية معقول في ظل سريان وقف إطلاق النار مع إسرائيل في مقابل كون تهديد الميليشيات قائمًا وفعليًا. تحركت سيارة سعد ضمن موكب ضم ما لا يقل عن ثلاث مركبات وكان على سطح الشاحنة التي سبقت سيارته حارسان على الأقل. شوهد هؤلاء بوضوح وهم يقفزون من الشاحنة بفعل شدة إصابة الصاروخ لسيارة سعد التي كانت خلفهم. يسهل الموكب عملية التعرف على المركبة كما أن السير الجماعي يزيد حجم الضرر. كان لدى سعد ورفاقه ما يبرر خشيتهم من الجيش الإسرائيلي في ضوء نشاطه العسكري في غزة الذي تغطيه مواقع إعلام حماس وتردده باستمرار غير أن سبب خرقهم القواعد البسيطة للتعامل مع الجيش الإسرائيلي قد يكون ناجمًا عن التهديد الداخلي أي تهديد نشاط الميليشيات المتعاونة. يتطلب التهديد الناتج عن كمين السير ضمن موكب في سيارة محملة بحراس شخصيين. لا يوجد من يفهم هذه القواعد الاحترازية مثل قائد مخضرم مثل رائد سعد الذي يدرك التحول بين وسائل الحماية من سلاح الجو وقواعد الأمن في مواجهة تهديد داخلي. في نهاية المطاف، كان هدفًا للجيش الإسرائيلي منذ عام 2003 ونجا مرات عديدة قبل تصفيته.
في صراع لا يوجد ولا يمكن أن يوجد له أفق سياسي إذ من الواضح أن حماس ستبقى في المستقبل القريب، بل والمتوسط العامل الفلسطيني الأقوى في غزة والمتمسكة بالكامل بهدف تصفية "الكيان الصهيوني"، تبرز أهمية كبرى لإدخالها في وضع دفاعي. كلما انشغل كيان عنيف بالدفاع أكثر امتلك موارد أقل للهجوم وتعريض عدوه للخطر وفي حالتنا تعريض جنودنا للخطر يمكن للميليشياتالمتعاونة أن تكون وسيلة فعالة لتحقيق هذا الهدف التكتيكي المهم.
لا ينبغي لنا أن نكرر خطأ كثيرين في المؤسسة والإعلام الذين نددوا في الماضي بتشغيل روابط القرى ضد قوات منظمة التحرير الفلسطينية في الضفة الغربية في أواخر السبعينيات والثمانينيات، ووصموها بالـكويزلينغ ما أضر بمكانتها وفعاليتها. لا يُفترض بالميليشيات أن تكون بشائر سلام بل أداة إضافية لإضعاف حماس تمامًا كما أضعفتها الحرب. يمكن الاستدلال على ضعفها من حقيقة أن اغتيال شخصية رفيعة مثل سعد لم يسفر عن أي رد من جانب حماس وخصوصًا في مجال إطلاق الصواريخ.
لإسرائيل مصلحة في أن تنشغل حماس بالدفاع عن نفسها في مواجهة ميليشياتالمتعاونة على حساب شن هجمات ضد جنود الجيش الإسرائيلي. ويبدو أن تصفية زمزم وخصائص منظومة الحماية التي رافقت رائد سعد تدل على أن الميليشيات تسهم في تحقيق هذا الهدف.