خارطة الارتباك في التدخل الأجنبي في القرن الإفريقي

في قراءة معمقة لتعقيدات المشهد في شرق إفريقيا أتاح مركز حضارات للقارئ العربي ترجمةً لدراسة صدرت عن معهد القدس للدراسات والاستراتيجيا في 22 كانون الثاني 2026 للباحثة فيتا أبراهاموف تحت عنوان   "خارطة الارتباك في التدخل الأجنبي في القرن الإفريقي: المصالح وأنماط الفعل لدى اللاعبين المركزيين"، ترسم ملامح التدافع الدولي والإقليمي على هذا النطاق الجغرافي الحيوي.

وتكتسب هذه المادة أهمية استثنائية بالنظر إلى توقيت نشرها؛ حيث تتقاطع مع أزمات الملاحة الدولية في البحر الأحمر وتنامي الانخراط الخارجي في شؤون المنطقة. كما تسلط الضوء على انعكاسات التحولات السياسية وفي مقدمتها الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند وما يمثله هذا المتغير من حجر زاوية في إعادة صياغة التحالفات وترتيب موازين القوى في القرن الإفريقي ومحيطه الاستراتيجي.

تعرض المادة القرن الإفريقي بوصفه إحدى أكثر الساحات الجيوسياسية كثافة في التنافس الدولي خلال العقدين الأخيرين نتيجة موقعه عند تقاطع إفريقيا والشرق الأوسط وطرق التجارة البحرية الدولية وبسبب قربه المباشر من البحر الأحمر ومضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية العالمية. تؤكد الدراسة أن المنطقة لم تعد مجرد هامش جغرافي؛ بل تحولت إلى فضاء استراتيجي تتقاطع فيه مصالح أمنية واقتصادية وسياسية لقوى عالمية وإقليمية وأن هذا التزاحم الخارجي يعيد تشكيل توازنات المنطقة ويزيد من التبعية للخارج، ويرفع مستويات الهشاشة وعدم الاستقرار البنيوي رغم ما يمنحه من أهمية استراتيجية متزايدة.

تقدم المادة قراءة مركبة للحضور الأمريكي في القرن الإفريقي وتربطه أساسًا بمنطق الأمن ومكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية إلى جانب السعي للحفاظ على التفوق الاستراتيجي في مواجهة الصين وروسيا. تبرز الصومال وجيبوتي بوصفهما نقطتي ارتكاز مركزيتين سواء عبر العمليات ضد حركة الشباب أو من خلال القاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي التي تتيح مراقبة حركة السلاح والبضائع والقوى في البحر الأحمر وباب المندب. تشرح المادة أن واشنطن لا تعتمد فقط على القوة العسكرية؛ بل تدمج الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والاستخبارية لبناء شبكات نفوذ طويلة الأمد مع أنظمة محلية بما يشمل التدريب وتبادل المعلومات وبناء آليات تنسيق مشتركة بما يحول القرن الإفريقي إلى جزء من مسرح التنافس بين القوى الكبرى لا مجرد ساحة مكافحة إرهاب.

في المقابل، تعرض الدراسة الدور الصيني بوصفه نموذجًا مختلفًا في أدواته ومنطقه يقوم على الاقتصاد والبنية التحتية والتمويل طويل الأمد ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق. تستثمر الصين بكثافة في الموانئ، النقل، الطاقة، والاتصالات، وتحوّل دولًا مثل إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا إلى عقد ربط بين الداخل الإفريقي وطرق التجارة الدولية. ترى المادة أن هذا النمط يعمق التبعية الاقتصادية للصين ويحوّلها إلى مصدر نفوذ سياسي غير مباشر مدعوم لأول مرة بحضور عسكري خارجي عبر القاعدة الصينية في جيبوتي. يبرز التحليل أن الصين تقدم نفسها بديلا للنموذج الغربي القائم على المساعدات المشروطة ما يمنحها جاذبية سياسية في البيئة الإفريقية.

أما روسيا، فتقدمها المادة بوصفها فاعلا يوظف القرن الإفريقي كمساحة نفوذ منخفضة الكلفة في ظل تراجع علاقاتها مع الغرب بعد الحرب الأوكرانية. تعتمد موسكو على أدوات مثل بيع السلاح، التعاون الأمني، تدريب القوات المحلية، والشركات العسكرية الخاصة، في محاولة لبناء نفوذ سياسي دون استثمارات اقتصادية واسعة. يبرز السودان كحالة مركزية في هذا السياق حيث تسعى روسيا إلى ربط الدعم العسكري بإمكانية الحصول على موطئ قدم بحري في البحر الأحمر بما يمنحها منفذا استراتيجيا بعد تراجع تموضعها في الشرق الأوسط.

تنتقل المادة إلى تركيا وتعرض تدخلها بوصفه مزيجا بين البعد الأيديولوجي والطموح الإقليمي والأدوات الاقتصادية والعسكرية. تركز على الصومال كنقطة ارتكاز رئيسية من خلال القاعدة العسكرية والاستثمارات في البنية التحتية والمساعدات الإنسانية وبناء النفوذ عبر التعليم والدين. تقدم تركيا نفسها كفاعل يجمع بين القوة الناعمة والقوة الصلبة ويعمل على بناء حضور طويل الأمد في منطقة لا تزال المنافسة الدولية فيها مفتوحة.

تعالج الدراسة الدور السعودي من زاوية الأمن البحري وحماية طرق التجارة والطاقة وتعرضه بوصفه حضورًا قائما على الاستثمار والعلاقات الدبلوماسية والمشاريع الاقتصادية دون اعتماد واسع على الوجود العسكري المباشر. تبرز أن الرياض ترى في القرن الإفريقي عمقا أمنيا لفضائها البحري وساحة توازن نفوذ في مواجهة إيران وتركيا وأحيانا الإمارات ضمن منطق تنافس غير مباشر على النفوذ الإقليمي.

أما الإمارات، فتظهر في المادة كفاعل جيو - اقتصادي واضح المعالم يركز على السيطرة على الموانئ وشبكات التجارة واللوجستيات. تعتمد أبو ظبي مقاربة تجمع بين الاستثمار، النفوذ السياسي، الحضور الأمني المحدود والدبلوماسية الاقتصادية ضمن رؤية تحويل نفسها إلى عقدة تجارية عالمية. تربط الدراسة بين تحركات الإمارات في القرن الإفريقي واستراتيجيتها الأوسع في البحر الأحمر والمحيط الهندي وتعرضها كقوة صاعدة في إدارة الجغرافيا الاقتصادية للممرات البحرية.

تتناول المادة الدور المصري من زاوية الأمن المائي بالدرجة الأولى وتربطه مباشرة بملف سد النهضة الإثيوبي. ترى القاهرة في القرن الإفريقي ساحة حيوية لحماية مصالحها الاستراتيجية في المياه والملاحة والتجارة، وتعمل عبر الدبلوماسية وبناء التحالفات والحضور البحري المحدود والتعاون الأمني مع دول المنطقة من أجل منع العزلة الاستراتيجية والحفاظ على نفوذها في شرق إفريقيا والبحر الأحمر.

تعرض الدراسة الحضور الإيراني بوصفه منخفض الظهور لكنه ممتد زمني قائم على بناء شبكات نفوذ ديني واجتماعي وعلاقات سياسية غير مباشرة ونشاط بحري محدود واستخدام بعض دول القرن الإفريقي كممرات لتهريب السلاح إلى حلفائها في الشرق الأوسط. لا يقوم النفوذ الإيراني على مشاريع بنية تحتية كبرى؛ بل على بناء قواعد تأثير طويلة الأمد بما يخدم استراتيجيتها الإقليمية الأوسع في مواجهة خصومها.

تخصص المادة جزءا مهما لتحليل الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند وتضعه في سياق استراتيجي مرتبط بأمن البحر الأحمر وباب المندب وتهديدات الحوثيين والتهريب الإيراني والإرهاب البحري. ترى أن الخطوة لا تمثل إجراء دبلوماسيا معزولا؛ بل جزءا من إعادة تموضع إسرائيلي في فضاء القرن الإفريقي بهدف بناء عمق استراتيجي جديد وتأسيس شراكات أمنية واستخبارية ولوجستية مع كيان مستقر نسبيا. تربط الدراسة الخطوة أيضا بالتنافس مع تركيا وبسياق توسيع الشراكات الإقليمية وبالبعد الاقتصادي المرتبط بفرص التعاون في مجالات متعددة.

تحلل المادة ردود الفعل الإقليمية والدولية وتبين أنها انقسمت بين رفض صريح من أطراف ترى في الخطوة تهديدا لمصالحها أو لمبدأ وحدة الدول وحذر سياسي من قوى كبرى لا ترغب في تكريس سابقة انفصالية وبراغماتية من أطراف ترى في الاعتراف فرصة لتعزيز مصالحها الاقتصادية والأمنية. تقدم هذا التباين بوصفه انعكاسا لتعقيد البيئة الجيوسياسية في القرن الإفريقي حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع الحسابات الاستراتيجية والمصالح المادية.

في مجملها، تقدم المادة صورة للقرن الإفريقي كفضاء تنافسي متعدد المستويات لا تحكمه قوة واحدة بل شبكة متداخلة من المصالح الدولية والإقليمية حيث تتداخل أدوات القوة الصلبة مع القوة الناعمة والاقتصاد مع الأمن والدبلوماسية مع البنية التحتية. تظهر المنطقة كساحة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي في البحر الأحمر وشرق إفريقيا وتكشف أن التدخل الخارجي لا يعيد فقط توزيع النفوذ؛ بل يعيد إنتاج أنماط جديدة من التبعية والتحالفات المرنة والهشاشة البنيوية ضمن نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية والصراع على الممرات الاستراتيجية أكثر من الصراع على الحدود التقليدية.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025