إسرائيل اعتقدت أن بإمكانها شراء الهدوء من حمـ ــاس

هآرتس - تسيفي بارئيل
ترجمة حضارات

إسرائيل اعتقدت أن بإمكانها شراء الهدوء من حمـ ــاس
حمـــاس أوضحت: قانون القدس هو قانون غزة

قتل عدد من الشخصيات البارزة في حمـــاس على يد الجيش الإسرائيلي، بمن فيهم مسؤولون مثل قائد الوحدة الإلكترونية ومشروع تحسين الصواريخ، ولواء غزة، ورئيس قسم التطوير والمشاريع، ورئيس قسم المهندسين، والرئيس قسم المخابرات العسكرية الفنية والمعدات الصناعية.

ليست للمرة الأولى على أن حـ ــماس ليست "منظمة كيكيوني" كما وصفها بعض المعلقين، إنه جيش منظم وهرمي ومخصص للميزانية، حيث يكون فيه الأشخاص ذوو التعليم المهني المناسب والذين يعرفون كيفية إدارة البنية التحتية اللازمة للبقاء والهجوم.

وفوقها توجد قيادة سياسية ومدنية منتخبة لها فروع نشطة في دول مثل لبنان وتركيا وقطر وحتى المملكة العربية السعودية، كما أن لديها مجلس شورى يملي المبادئ الاستراتيجية في إدارة مدنية تكون مسؤولة عن الإدارة اليومية للأنظمة الحيوية بما في ذلك التعليم والصحة والتجارة والكهرباء وإمدادات المياه، إنها منظمة تنجح في معظم الأحيان في وقف التمرد المدني أو تخريب المنظمات المتنافسة، من أجل بناء احتكارها على القوة العسكرية، وهي تدرك أيضًا محدودية قوتها العسكرية وتدير حروبها وفقًا لذلك.

بعد عقد ونصف من السيطرة على غزة، نصبت حمـــاس نفسها كمنافس للسلطة الفلسطينية وكهيئة سياسية يمكنها وضع قواعد اللعبة الفلسطينية، عدلت حمـــ اس ميثاقها الأساسي ليناسب إمكانية إجراء مفاوضات سياسية، واتخذت قرارًا بالترشح في المجلس التشريعي والرئاسة، وبالتالي مهدت الطريق للسيطرة على جميع الأراضي الفلسطينية. مثل هذا التنظيم لا ينهار بسبب مقتل كبار المسؤولين؛ لأن لديهم بديل.

أصبح ضعف حمــــاس العسكري في مواجهة "إسرائيل" ميزة سياسية، إن موقفه الأيديولوجي، والذي بموجبه لا يعترف "بإسرائيل" ولا يرغب في إجراء أي مفاوضات سياسية معها، أصبح استراتيجية فعالة ترتكز بشكل مريح على الاستراتيجية الإسرائيلية التي تبنت الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة والضفة الغربية وبين السلطة الفلسطينية وحمـــ اس، بالنسبة "لإسرائيل"، هذا فصل ضروري يهدف إلى ترسيخ قرارها بمعارضة أي اتفاق سلام مع السلطة الفلسطينية، بحجة أنها لا تمثل الشعب الفلسطيني بأكمله، ولا سيما أنها غير قادرة على كبح جماح حمــ اس.

وتقول "إسرائيل" إنه لا جدوى من إجراء مفاوضات سياسية مع جزء من القيادة الفلسطينية، بينما الجزء الآخر، الذي يسيطر على غزة، يواصل الأعمال الهجومية، ولا يعترف "بإسرائيل" أو باتفاقات أوسلو، وهو مدعوم من إيران ومتصل بشكل جيد بحزب الله.

لم تكن حمــ اس لتتوقع دعما أقوى لترسيخ مكانتها كدعم يمكن أن يملي أفعال السلطة الفلسطينية أو أي محاولة للتوسط بين "إسرائيل" والفلسطينيين.

تناقض داخلي
إلى جانب المواجهات المتبادلة مع "إسرائيل"، والحصار اللاإنساني الذي تفرضه "إسرائيل" على قطاع غزة منذ عام 2006، والفقر المروع الذي أحدثه هذا الحصار، انقلب على مرتكبيه، وبدلاً من الانتفاضة المدنية ضد حمـــ اس، تطورت مظاهرات العودة إلى السياج الحدودي في غزة. وبدلاً من الاستسلام، تم فرض ضغوط دولية وعربية على "إسرائيل". 

في نهاية العملية، يتم تشكيل المحور الثلاثي الذي تشارك فيه مصر وإسرائيل وحمــ اس. كان الهدف التكتيكي للمحور تحقيق سلام أمني مقابل مساعدات اقتصادية وفتح معبر رفح وتحويل مئات الملايين من الدولارات من خزائن قطر إلى خزائن حمـــ اس.

توصل الثلاثة إلى اتفاق في تشرين الأول (أكتوبر) 2018 تضمن ثلاث مراحل: 

  • وقف إطلاق نار متبادل (دون الانتقاص من حق الفلسطينيين في التظاهر بهدوء حتى نصف كيلومتر من السياج). 
  • المساعدة في بناء محطة كهرباء تعمل بالغاز.
  • استمرار تمويل مساعدات ومساعدات للأسر المحتاجة في قطر.
  • إعادة تأهيل أنقاض غزة، بقيمة حوالي 600 مليون دولار.
  • إمداد خط أنابيب الأكسجين إلى غزة، قبل ثلاثة أشهر، تمت الموافقة على القانون الذي يسمح للحكومة بالخصم من أموال الضرائب التي تأتي للفلسطينيين المبالغ التي تدفعها للأسرى الأمنيين أو لعائلاتهم.

    وبدا أن ميزان الردع العسكري ضد حمـــ اس يمكن استبداله بمعادلة مدنية اشترت الهدوء في "إسرائيل"، هنا أيضًا، وُضعت فرضية عمل جديدة على الجانب الإسرائيلي، والتي بموجبها لا مصلحة لحمــ اس في إحداث مواجهة عسكرية جديدة؛ لأنها قد تفقد إنجازاتها الاقتصادية وتقوض قدرتها على السيطرة على مواطنيها. 

وقد عانى هذا الافتراض من التستر الداخلي؛ لأنه إذا كانت حـــ ماس منظمة "إرهابية" لا تتأثر بإلحاق الضرر أو قتل المدنيين في غزة كما تدعي "إسرائيل"، فلماذا توقف المواجهة مع الجيش الإسرائيلي التي تشكل أساسًا أيديولوجيًا مؤسسيًا؟ إذا كانت المنظمة بحاجة إلى الهدوء والتنمية الاقتصادية من أجل البقاء، فلماذا لا تفتح أبواب الاقتصاد بالكامل وترفع الحصار وتسمح ببناء البنية التحتية، وبالتالي زيادة هوامش الأمن بشكل كبير ضد التفجيرات العنيفة؟

الجواب سياسي، ويكمن في العلاقة العكسية بين توسيع القاعدة الاقتصادية في غزة والانتقاد العلني في "إسرائيل"، والتي من شأنها أن ترى مثل هذه الخطوة على أنها "استسلام لحمـــ اس" و "تنازل للإرهاب" خاصة عندما لا تكون أحزاب الوسط فقط بل اليمين ايضا، اتهم نتنياهو بتمويل حمـــ اس وهي الحقائب المليئة بالدولارات التي تدخلها قطر، لكن ليس التناقض الداخلي هو الذي عطّل كفاءة المعادلة نفس "الهدوء من أجل المال"، الذي استندت إليه تقييمات الوضع للجيش الإسرائيلي ورجال المخابرات، أغفل عنصرًا حيويًا وغير قابل للحل، وفي "إسرائيل"، تم تجاهل السياق الواسع والوطني والسياسي الذي تعمل فيه حمـــ اس.

  1. الأول هو الإنذار الذي أصدرته حمـــاس هذا الأسبوع والذي ينص على أنه "حتى الساعة السادسة مساءً" يجب على الشرطة سحب قواتها من الحرم القدسي وإطلاق سراح المعتقلين.
  2. الثاني هو تنفيذ هذا الإنذار، كلاهما لم يحطم افتراض العمل المقبول فحسب، بل "ذهلوا منها"، والأهم من ذلك أنه أوضح أن الفصل بين غزة والضفة الغربية، وخاصة بين القدس وحمـــ اس، موجود فقط في نظر "إسرائيل". 

وبحسب ردود الفعل المذهلة في "إسرائيل"، بدت مفاجأة من جسامة المفاجآت التي هزت أجهزة المخابرات العالمية عندما انهار الاتحاد السوفيتي، عندما اندلعت ثورات "الربيع العربي" أو في "إسرائيل"، عندما اندلعت ثورات "الربيع العربي" اندلعت الانتفاضات.

فرصة فريدة

في كل هذه الحالات، تحطمت الرغبات القلبية التي كانت متجذرة في المفاهيم التي تم تعريفها بالواقع الأبدي، وفي كل منها كانت هناك علامات إرشادية ساطعة سبقت ظهورها، وكأن حقيقة أن حمـــاس منظمة وطنية ودينية في آن واحد، وليس أقل من ذلك، منظمة سياسية في خضم حملة انتخابية كانت تنوي الفوز فيها، قد تم نسيانها، حتى قرر محمود عباس في أبريل تأجيل الانتخابات؛ لأن "إسرائيل" لا تسمح باجرائها بالقدس. 

حاولت حمـــاس الضغط العربي على عباس لتغيير قراره. توجهت إلى قطر وتركيا، اللتين تعجزا عن التأثير في مواقفهما السياسية؛ بسبب علاقاتهما المعقدة مع "إسرائيل"، وحاولت أيضًا تنشيط مصر، لكنهما أدركا أن قصة الانتخابات ضاعت.

ثم أصبحت القدس التعويض المثالي لها. التطورات العنيفة في الشيخ جراح والمسجد الاقصى في نهاية شهر رمضان أعطتها فرصة فريدة للتطور.

في وقت من الأوقات استولت على قلب الساحة وحققت إنجازًا سياسيًا حيث أصبحت مرة أخرى العنوان الوحيد الذي يمكن أن يشعل النار في المنطقة، ثم تطفئها في ظل ظروف هي أوجدتها.

حمـ ـاس حققت بالفعل صورة للنصر عندما خلق هوية بينه وبين القدس، حيث سخر من منطق عباس "القومي" الذي وضع القدس كشرط صارم لإجراء الانتخابات، وعملت على إحياء التضامن العربي ضد " إسرائيل"، بما في ذلك من جانب دول مثل مصر والسعودية والأردن وحتى الإمارات العربية المتحدة، لم يكن لديهم خيار سوى إدانة سياستها في القدس رغم اشمئزازهم من حمـــاس.

على الصعيد الوطني، شهدت الأحداث في القدس أن إنشاء سفارة أمريكية في المدينة والاعتراف بها عاصمة "لإسرائيل"، لم يكن لهما القدرة على إلغاء النضال الوطني الفلسطيني وحل وجوده، لكن إذا كان الأردن والسلطة الفلسطينية، حتى التطورات الأخيرة، هما اللذان قاتلا من أجل وضعهما في الأماكن المقدسة، في نزاع عربي بين مؤيدي ترامب ومعارضيه لصفقة القرن، فقد تمكنت حمــــ اس من توضيح أن القدس كغزة، وهكذا بينما تكافح "إسرائيل" لتحقيق صورة انتصار عسكري، وانهيار أبراج، وتدمير مقرات، وتصفية كبار المسؤولين، خسرت معركة القدس، عندما انضمت المدينة إلى دائرة الردع لحمـــاس. هذه ليست حلقة أخرى في سلسلة الاشتباكات الدورية بين حمــــ اس و"إسرائيل"، نهايتها معروفة ومتوقعة.

السؤال الأمريكي
وهناك تكملة من المهم أن ندرس في هذا السياق رد الإدارة الأمريكية، التي لم تصوغ بعد سياسة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولم تعين حتى سفيراً "لإسرائيل". 

وفقًا لسلوك جو بايدن في المائة يوم الأولى من ولايته، من الواضح أنه ينوي الابتعاد عن ساحات الصراع الساخنة مثل أفغانستان وسوريا، والتركيز على العلاقات مع الصين وروسيا، وعدم لمس الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كل ما فعله حتى الآن، وهو قليل جدًا، هو إعادة المساعدة للفلسطينيين واستئناف الاتصالات بين وزارة الخارجية وممثلي الفلسطينيين.

لكنه لا يستطيع أن يتجاهل التطورات في القدس التي مارست ضغوطا عليه من داخل الكونجرس. البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية في 7 مايو كان حادًا وحسن النية.

وبينما طالبت الطرفين بالعمل بحزم لتهدئة التوتر، شبهت الهجوم على الشرطة الإسرائيلية بأفعال المستوطنين "دفع الثمن"، وأدانتهم كلاهما، أصبع الاتهام المباشر "لإسرائيل" في قضية الشيخ جراح. "كما قلنا دائما، من الضروري منع الإجراءات التي تزيد من التوتر وتبقينا خارج السلام. وتشمل هذه إخلاء المدنيين من منازلهم في القدس الشرقية ونشاط المستوطنين وهدم المنازل والعمليات الارهابية ".

كانت "إسرائيل" غاضبة من مجرد المقارنة بين أفعالها وأفعال الفلسطينيين، وخاصة من لهجة الإدانة الواضحة في الصياغة، على الرغم من التزام واشنطن بمبدأ حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها ومواطنيها، فإن درجة الدعم المتوقع أن تحصل عليها لاستمرار نشاطها العسكري في غزة لم تعد مضمونة كما كانت في عهد ترامب.

لا ينوي بايدن صياغة "صفقة القرن" الخاصة به ومن المشكوك فيه ما إذا كان سيبدأ حملة تخطي لدفع المفاوضات مع الفلسطينيين.

لقد تعلم الدرس جيداً من فترة عمله مع أوباما، ومن تجربة الرؤساء الآخرين الذين حاولوا السباحة في المياه العكرة للمنطقة، لكن إذا امتد نموذج حقوق الإنسان الذي تطبقه بالفعل تجاه المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا نحو "إسرائيل" والضفة الغربية، فقد تحتاج "إسرائيل" إلى تعريف جديد لمصطلح "الرد الصهـــيوني المناسب".


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020