نتنياهو ائتلاف منتفخ واستحقاقات

نتنياهو ائتلاف منتفخ واستحقاقات







أيام معدودة مضت على تشكيل الائتلاف الإسرائيلي الحاكم الجديد، والصورة ستنجلي أكثر عما سيتمخض عنه ذلك التحالف المنتفخ، ليس استخفافا بالمراوغة والخداع الذي ابداه نتنياهو، وإنما إشارة لحجم ما يتسم به من اللاأخلاقية السياسية مع اعضاء ائتلافه، فقد اظهر لهم تنازلاً عن مواقع سيادية بالحكومة لصالح الوحدة، وفي الواقع أفرغ جزءًا مهمًا من المهام التنفيذية لهذه المواقع من مضمونها.

تراجعٌ عن الكثير من الوعود، ابعادٌ لمتقدمين وتقديمٌ لمتأخرين، سلوكٌ سياسيٌ انتهازيٌ متناقض في ظل خطاب صهيوني قوميٍ متطرف، انتفاخٌ في المناصب وأزمة اقتصادية بلغت ذروتها، ذلك غيضٌ من فيض ما أوصلت إليه ميكافيلية نتنياهو الذي ما فتئ يضع نصب عينيه أن لا يتزحزح عن عرشه، وهو يسمع من حوله من المنتفعين يهتفون ( بيبيملك اسرائيل) في إشارة لدعم استمرار استيلائه على كرسي الحكم لكل سنة.

الفارق بين الائتلاف المتشكل اخيرًا وبين الائتلافات الواسعة السابقة التي شهدتها الدولة العبرية عند بعض الأزمات أن الخطوط العريضة لسياسات هذه الحكومة غير واضحة المعالم كما الائتلافات السابقة، بل إن الائتلاف الذي يفترض أن يكون ثابتًا في طرحه السياسي يبدو أعضاءه غير قادرين على الاجابة المقنعة عن الاسئلة الكبرى التي ستواجههم، فالارتباك السياسي لهذا الائتلاف يخفي كواليس وسياقات لا يستطيع الإعلام الإسرائيلي تناولها بالتحليل الواسع في بعض الجوانب بسبب الرقابة الأمنية التي تحول دون ذلك.

تاريخيًا كان من أشهر الائتلافات الواسعة في الدولة العبرية ما حصل في ثمانينيات القرن الماضي بين بيرس شامير لأسباب معروفة وسياسات عريضة لم تخفى على أحد، حين كانت الأزمة الاقتصادية تقتضي التوحد لمطالبة الولايات المتحدة بالدعم السخي. 

اما الأزمة الأمنية والسياسية مع بدايات القرن الحالي فقد دفعت بشارون أن يشكل ائتلافاً واسعاً بهدفٍ معلن هو تصعيد العدوان واحتلال المدن في مواجهة انتفاضة الاقصى، ثم الانسحاب من غزة وهو ما أدى لإنهاء اتفاق اوسلو عملياً من جانب اسرائيل، أما نتنياهو الذي عاد للحكم عام 2009 لم يستطع أن يحافظ على الائتلاف الواسع بعد حرب غزة 2014 وظلت حكومته منذ 2015 مبنية على ائتلافٍ يمينيٍّ ضيق، احتاج في سبيل الحفاظ عليه كل اساليب الحنكة ليبقى ممسكاً بزمام الحكم حتى انسحب (أفيغادور ليبرمان) زعيم حزب اسرائيل بيتنا لتدخل الدولة في حالة من الجمود استمرت ما يقارب سنة ونصف.

لقد جاء الوصول للائتلاف الحالي بعد ثلاث جولات من الانتخابات في ذروة الأزمة الشخصية التي يمر بها نتنياهو واستحقاق لحظة الحسم لاتخاذ قرارات سياسية وأمنية، فنتنياهو تنتظره ثلاث استحقاقاتٍ رئيسة إضافة للتحدي الاقتصادي وما تخلفه أزمة الكورونا.

- الاستحقاق الأول: هو أمرٌ شخصي لكن انعكاسه سياسي، وهو مواجهة مصيره أمام القضاء واستمراره في السعي في الافلات من المحاكمات بالفساد والبحث عن الحصانة بكل السبل.

- الاستحقاق الثاني: مسألة ضم الأغوار والمستوطنات والأراضي المحيطة بها في الضفة تماشيا مع ما أطلقه من الوعودلجمهور اليمين المتطرف، فإذا أقدم نتنياهو على ذلك فإنه يحتاج من يتحمل معه تبعات القرار ومخاطره الأمنية والسياسية، وإن تراجع خوفاً من ذلك أو أجّل فإنه يحتاج ان يلقي اللوم على شركائه في الائتلاف ليظل محافظاً على صورته اليمينية القومية.

- الاستحقاق الثالث: مصير الجنود الاسرائيليين لدى المقاومة حيث يرى محللون أن المقاومة ستكون مصرةً على إنجاز صفقة تبادل في الفترة القادمة وما يعنيه ذلك من دفع ثمن كبير والإفراج عن المئات من الأسرى الفلسطينيين، الأمر الذي ظل يتهرب منه نتنياهو لست سنوات، فهو لا يستطيع بمفرده تحمل مسؤوليته، لذا كان معنياً باشراك رؤساء أركان الجيش السابقين جانتز واشكنازيليتحملوا تبعات هذا الاستحقاق.

ملفات ثلاث معقدة تواجهنتنياهو إضافة لملف الشمال ومدى تأثير تعاظم قوة حزب الله ومن خلفه التمركز الايرانيَ وموضوع حصار غزة وما يعنيه ذلك من ضغط أمني على الكيان قد يتفجر في أي لحظة، كلها أمور تحتاج من نتنياهو أن يحيك في الغرف المغلقة مع من يثق بهم في حزبه وائتلافه السياسات الأكثر تناسبًا مع مصالحه والصورة التي يرغب أن يورثها عن نفسه؛ لذلك كان مضطرًا أن يخالف نتائج الانتخابات الداخلية لحزبه ويبعد بعض المتقدمين لصالح أسماء في المقاعد الخلفية تأتمر بأمره ولا يخشى معارضتها، وهكذا يظل نتنياهو ممسكًا بخيوط اللعبة ويكون جاهزًا لكل قرار ولعكسه بنفس الوقت، ليتيح لنفسه أن يكون مستعدًا لكل المتناقضات  التي تتلاءم مع مراوغاته بالاتكاء على الائتلاف الذي سيكون خاتمًا بيده.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020