الحذر من الانجرار إلى الهرطقات السياسية والتسطيح الفكري

د. إبراهيم أبراش

دكتوراة في القانون العام

أقف متردداً ومستفَزاً أمام بعض الوقائع والمؤتمرات والتصريحات التي تصدم لتعارضها مع أبسط بديهيات العمل السياسي والمجتمعي ومع ما يتقبله العقل البشري الذي يتمتع بحد أدنى من الوعي، ويكون الاستفزاز كبيراً عندما تصدر هذه التصرفات والتصريحات عن شخصيات تتولى مواقع قيادية في أحزابها أو عن مؤسسات سياسية ومجتمعية رسمية، ومن الملاحظ أن هكذا تصريحات وتصرفات تتزايد في حالة التراجع والركود السياسي حيث تلجأ بعض القيادات لتصرفات وإصدار تصريحات غير مفهومة ولا مبرر لها وفي أفضل الحالات لا تزيد على المعرفة شيئاً كالقول إن إسرائيل تنتهك القانون الدولي أو تتهرب من عملية التسوية السياسية أو القول بأن صبر المقاومة قد نفد الخ وهي تصريحات هدفها التغطية على حالة العجز والفشل و إثبات الحضور حتى لا ينساهم الشعب وحتى يقولوا إنهم ما زالوا يناضلون وبالتالي يستحقون ما يتمتعون به من امتيازات وأن يستمروا في السلطة، وقد سبق أن تناولنا الموضوع في مقالات سابقة.

مناسبة التطرق لهذا الموضوع أو الإشكال مجدداً هو عتب بعض الأصدقاء لالتزامي الصمت تجاه بعض التصرفات والتصريحات الأخيرة من الأحزاب والقيادات الفلسطينية وآخرها ما يتعلق بحركة حماس مثل  صمتها على تصريحات مرجعية إيرانية كبيرة بأن حركتي حماس والجهاد الإسلامي جزء من جيوش إيرانية وللدفاع عن إيران أو بصيغة أخرى أنها قوات مرتزقة لإيران، وإن كانت الجهاد الإسلامي ردت على ذلك مؤكدة وطنيتها واستقلاليتها فإن حماس التزمت الصمت، أيضاً مؤتمر (وعد الآخرة) الذي انعقد في الثلاثين من الشهر الماضي في غزة بحضور قيادات إسلامية و(يسارية علمانية) وهو مؤتمر هدفه كما تقول الهيئة المنظِمة للمؤتمر:" دراسة واقع فلسطين بعد عملية التحرير ودحر الاحتلال الإسرائيلي منها... ووضع تصورات واضحة لآليات تأمين وتوزيع مقدرات البلاد والاستفادة منها عند عملية التحرير، ووضع تصور لآليات ملاحقة المجرمين الصهاينة عبر العالم، ووضع اليد على مقدراتهم الاقتصادية المنقولة وغير المنقولة" !.

كان مطلوب أن تهتم حركة حماس بكيفية تحقيق الوحدة الوطنية وأن تؤكد أنها حركة تحرر وطني وليست قوات مرتزقة لخدمة أجندة خارجية إخوانية كانت أو إيرانية، وكان من الأولى أن تُعقد مؤتمرات ويتم وضع استراتيجيات وطنية حول كيفية تحرير فلسطين ومتطلبات الوحدة الوطنية لإنجاز هذا الهدف، وعندما تبدأ معركة التحرير وتلوح بشائر النصر يمكن الانشغال بموضوع إدارة الممتلكات في فلسطين المحررة،، إلا إذا كانت حركة حماس تعتقد أنها حسمت أمر تمثيلها للشعب الفلسطيني وانها لوحدها ستحرر فلسطين، ولا أدري كيف لمن لا يستطيعون كسر الحصار عن غزة أو وقف الاستيطان في الضفة أو منع تهويد القدس والاستيلاء على المسجد الأقصى أن يشطوا في تفكيرهم ليحصوا الغنائم بعد التحرير وكيفية إدارتها!!.

كان من الممكن تفهم الأمر لو كانت مؤتمرات وتصريحات قادة حماس محصورة في النطاق الداخلي كجزء من التعبئة الحزبية ولرفع الروح المعنوية لعناصرها وتعظيم قدرات المقاومة، ولكن في زمن الفضاءات المفتوحة وعندما تبث مباشرة مؤتمرات وتصريحات حماس ويشاهدها كل العالم فإن الخشية ان يكون مردود هكذا مؤتمرات وتصرفات وتصريحات سلبيا ليس فقط على حركة حماس بل وعلى القضية الفلسطينية إن لم تكن مثيرة للسخرية.

وفي هذا السياق نحذر من انجرار المثقفين والمفكرين والكُتاب إلى مستنقع سياسة الإلهاء والتسطيح الفكري والترويج للسخافات والهرطقات السياسية على حساب الاهتمام بالقضايا الفكرية والسياسية الجوهرية، ذلك أن مجرد الرد أو التعليق على هكذا هرطقات سياسية فيه مضيعة للوقت بل ويساعد على نشر هكذا أفكار وموضوعات غير واقعية هدفها إلهاء الشعب ودفعه للهرب من الواقع المرير ومتطلبات مواجهته إلى عوالم من الخيال والغيبيات التي لا يسندها نص صريح من الدين ولا يتقبلها العقل السليم.


ابراهيم ابراش

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020