تركيا وأوروبا ، ملامح مرحلة جديدة في توازنات القوة الصاروخية .

حضارات

مؤسسة حضارات

تحليل 
وهم 80 ألف مُسيّرة وحقيقة “هجوم الأسراب”: ماذا يعني ذلك لإسرائيل وتركيا ومعادلات الردع الإقليمي؟

يتزايد في الخطاب الأمني الإسرائيلي والغربي الحديث عن ،حرب أسراب المسيّرات، بوصفها الخطر الأرخص والأكثر إزعاجًا للمنظومات التقليدية. وتستدعي التجربة الأوكرانية  كما عرضتها مقالة “الكابتن” في كالكاليست  إعادة التفكير في سؤالين: هل ادعاء إيران تجهيز 80 ألف مُسيّرة واقعي؟ وما الذي يعنيه سيناريو “الأسراب” عمليًا لإسرائيل وتركيا والمنطقة؟

أولًا: تفكيك ادعاء 80 ألف مُسيّرة .

الرقم الضخم يؤدي وظيفتين: وظيفة ردعية-نفسية ووظيفة تسويقية-سياسية داخلية. من الناحية التقنية، إنتاج “مسيّرات انتحارية” بسيطة (على غرار عائلة شاهِد) يمكن أن يكون واسع النطاق لأن كلفتها منخفضة مقارنة بالصواريخ، وسلاسل توريدها أكثر مرونة، ويمكن تفكيك الإنتاج إلى ورش ومكوّنات متناثرة. لكن تحويل “مخزون ضخم” إلى قدرة عملياتية مؤثرة يتطلب أكثر من الأعداد:

الجاهزية اللوجستية: التخزين الآمن، الصيانة، البطاريات/الوقود، ونقل المسيّرات إلى منصات إطلاق أو إلى وكلاء.

التحكم والاتصال والملاحة: حتى المسيّرات “الانتحارية” تحتاج ملاحة دقيقة ومناعة نسبية أمام التشويش.

المنظومة التشغيلية: التخطيط للمسارات، توزيع الموجات، اختيار الأهداف، وقياس نتائج الضربة، وكل ذلك تحت ضغط الدفاعات المضادة.

قابلية التعويض: هل تستطيع إيران تعويض خسائر الموجات بسرعة؟ هذا هو معيار القوة الحقيقي، لا حجم المخزون المُعلن.

لذا، قد يكون الرقم مبالغًا فيه، لكن الأخطر ليس صحته الحسابية بل الرسالة: إيران تقول إنها تستطيع “الإغراق العددي” وإطالة الاستنزاف بتكلفة منخفضة.

ثانيًا: ماذا يعني “هجوم أسراب” عمليًا؟

_الأسراب ليست مجرد كثرة. إنها استراتيجية لاختراق الدفاع عبر ثلاثة عناصر:

-التشتيت: توزيع الأهداف على مسارات وارتفاعات متعددة لتشتيت الرادارات والاعتراضات.

_الإرهاق: استنزاف الصواريخ الاعتراضية المكلفة، وإجبار الخصم على تشغيل منظوماته لساعات/أيام.

-التراكم: حتى لو تم اعتراض 80%، فإن 20% المتبقية – إذا كانت من أصل مئات أو آلاف – قد تُحدث أضرارًا كبيرة، خصوصًا ضد بنى تحتية حساسة.

وهنا جوهر الدرس الأوكراني: النجاح لا ينتج عن سلاح سحري، بل عن طبقات كشف واعتراض وإدارة مدنية للأزمة.

ثالثًا: الدلالات لإسرائيل

إسرائيل تمتلك مزايا نوعية: إنذار مبكر، شبكات رادار متقدمة، مقاتلات، منظومات اعتراض متعددة الطبقات، وتجارب تشغيلية ضد مسيّرات من الشمال وغزة. لكن تحدي الأسراب يكمن في اقتصاد الحرب: إسقاط مُسيّرة رخيصة بصاروخ غالي، على مدى زمني طويل، يفتح باب الاستنزاف. كما أن “التهديد القريب” (من حزب الله مثلًا) قد يقلّص وقت الإنذار ويجعل الدفاع أكثر ضغطًا. لذلك يصبح السؤال الإسرائيلي ليس “هل نستطيع الاعتراض؟” بل “هل نستطيع الاستمرار بالاعتراض طويلًا وبكلفة مقبولة؟”.

رابعًا: الدلالات لتركيا والمنطقة

تركيا هنا في موقعين معًا: هدف محتمل في حال توسعت حرب إقليمية، وفاعل يمتلك صناعة مسيّرات كبيرة وخبرة تشغيلية. هجوم الأسراب في الإقليم يعني:

انتقال الردع من ضربة حاسمة إلى استنزاف طويل .

ارتفاع قيمة حماية البنى التحتية (الكهرباء، الاتصالات، المطارات، الموانئ، المصافي).

زيادة الاعتماد على الدفاع المدني وإدارة الطوارئ كجزء من الردع، لا كملحق بعد وقوع الضربة.

وفي بيئة شرق المتوسط والشرق الأوسط، حيث تتقاطع مسارات الصراع، قد تتحول المسيّرات إلى “لغة مشتركة” بين الدول واللاعبين غير الدوليين، بما يرفع مخاطر سوء التقدير والتصعيد المتدرج.

مصفوفة خيارات دفاعية (استخبارية – تكنولوجية – مدنية)
1) استخبارية

_إنذار مبكر متعدد المصادر: دمج استخبارات بشرية/إشارات/صور لمراقبة التحضير للموجات قبل الإطلاق.

-ضرب سلاسل الإمداد: التركيز على المكوّنات الحساسة (ملاحة، محركات، متفجرات، منصات إطلاق).

-قراءة نوايا الموجات: هل الهدف بنى تحتية؟ قواعد؟ مدن؟ فهم النمط يقلّل كلفة الاعتراض.

2) تكنولوجية

طبقات كشف صامتة/مكمّلة: مثل الكشف الصوتي أو الكهروبصري لتخفيف الاعتماد على بث الرادارات وحدها.

اعتراض منخفض الكلفة: تطوير/اقتناء مسيّرات اعتراضية ورشاشات موجّهة وأنظمة تشويش محسوبة، لتقليل استنزاف الصواريخ.

حماية البنى التحتية: تقسية الشبكات، تكرار المسارات (redundancy)، عزل الأعطال، وإصلاح سريع.

إدارة الذخيرة الاعتراضية: سياسة استخدام ذكية ،ما الذي يُعترض بصاروخ؟ وما الذي يُترك ليسقط في مناطق غير حساسة؟

3) مدنية

شبكات إنذار محلية سريعة: بروتوكولات إنذار للمناطق المعرضة لهجمات منخفضة الارتفاع وقصيرة الإنذار.

تعزيز المرونة المجتمعية: خطط استمرار الخدمات، توزيع مولدات/بدائل، ومناورات دورية.

مشاركة مدنية مُنضبطة: قنوات بلاغات للمواطنين عن مسارات المسيّرات (مع ضبط أمني لمنع الفوضى والتضليل).

‏والخلاصة التي يتوصل لها مركز حضارات هي أن رقم 80,000 قديكون من باب الدعاية ولكنه يشير إلى حقيقة أخطر وهي أن المسيرات تعيد تعريف الردع على اعتبار أنه قدرة على الاستنزاف الطويل. بالنسبة لإسرائيل فهي تمتلك تفوقا نوعيا ولكن من الممكن أن يتعرض هذا التفوق لإمتحان"اقتصاد الاعتراض". أما تركيا، وبصفتها قوة كبيرة وصاعدة في مجال المسيرات وأيضا مجاورة لمسرح تصعيد محتمل، فإنها تحتاج إلى دمج الدفاع الجوي مع مرونة البناء التحتية وإدارة المجتمع للأزمة. إن السؤال المتعلق في"حروب الأسراب"ليس: من يمتلك التكنولوجيا الأعلى؟ ولكن"من يمتلك الطبقات الأكثر، والكلفة الأقل، وكذا القدرة الأطول على الصبرو الصمود؟.

ا

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025