كيف تحوّلت "خطة اقتحام" إلى فكرة عامة في خطاب نتنياهو والليكود؟
ورقة تحليلية صادرة عن مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية
تكشف المادة العبرية المعروضة لكل من برغمان وروبـوفيتش عن نمط مركّب من إدارة السردية السياسية بعد أحداث السابع من أكتوبر، ويتمثل ذلك في انتقاء دقيق للوثائق ثم إعادة صياغتها لغوياً وقانونياً، وتوظيفها لاحقاً في مواجهة مراقب الدولة باعتبارها شهادة تبريرية، مع الإيحاء بأن المؤسسة الرقابية قد صادقت عليها. إن جوهر القصة هنا لا يتوقف عند سؤال عما إذا كان نتنياهو قد تلقى معلومات مبكرة عن خطة اقتحام حماس، بل يمتد إلى كيفية إدارة مسؤولية الدولة حين تتحول الوثيقة الاستخبارية إلى مادة دعاية، وتتحول اللغة إلى أداة محو سياسي.
أولاً: ما تقوله الوثائق وما يريد الخطاب السياسي قوله
وفق ما يورده التحقيق، فقد تلقت المنظومة الإسرائيلية منذ عام 2018 على الأقل مواد تتعلق بخطة هجومية واسعة لحماس، وهي التي عُرفت لاحقاً في الخطاب الاستخباري باسم حائط أريحا. والنقطة الحاسمة هي أن الوثيقة التي يصفها التحقيق بوصفها قضية للفحص لم تكن مجرد تقييم عام، بل تضمنت اقتباسات عربية أصلية وبنية أقرب لملامح أمر عمليات أو تصور هجوم، ووصفاً لاقتحام واسع النطاق يتضمن السيطرة على قواعد ومواقع وبلدات في غلاف غزة.
لكن الخطاب السياسي يحاول تثبيت معادلة مريحة مفادها أن التقارير قد وصلت بالفعل لكنها لم تشر إلى خطة قابلة للتنفيذ، وإذا كانت هناك خطة فإنها لم تُعرض عليه، وإن عُرضت فقد كانت مجرد فكرة غير ناضجة. هذه ليست مجرد مناورات لفظية، بل هي هندسة للمسؤولية تهدف لتحويل المعلومة الخطيرة إلى ضجيج استخباري، ومن ثم تحويل الإخفاق في الفعل إلى مجرد إخفاق في الإبلاغ.
ثانياً: قلب المعنى بتعديل الكلمة ومن خطة إلى فكرة
أبرز مثال يقدمه التحقيق هو ما يمكن تسميته فضيحة النحو، حين يصبح السرد السياسي متورطاً في أثره اللغوي. يورد التحقيق أن نتنياهو وحزب الليكود اقتبسوا جملة من وثيقة عام 2018 تقول بصيغة المؤنث التي تتوافق مع كلمة خطة إن تفعيلها الشامل غير مرجح حالياً، ولكن بعد انكشاف أن حائط أريحا قد وصلت بالفعل، أصبح وجود كلمة خطة خطيراً من الناحية السياسية، فتم استبدالها بكلمة فكرة وهي لفظ مذكر، لتتحول الجملة إلى أن تفعيله الشامل غير مرجح.
إن المغزى هنا يتجاوز التدليس التقني، فالخطاب لا يكتفي بتأويل الوثيقة بل يعيد كتابتها داخل علامات الاقتباس نفسها، مما يعني أن الاقتباس الذي يفترض أنه حصانة ضد التلاعب قد تحول إلى مساحة للتلاعب، وهذه علامة على أن الصراع بات على الأرشيف وليس على التفسير فقط.
ثالثاً: معركة مراقب الدولة والقانون كظل سياسي
يدفع التحقيق باتجاه إشكالية قانونية ومؤسساتية، فوثائق مراقب الدولة محظور نشرها جنائياً، والمراقب نفسه كان متشدداً سابقاً في منع النشر، لكنه بدا متساهلاً عندما تعلق الأمر بنتنياهو. وفي التحليل السياسي يفتح هذا الأمر بابين، الأول هو تسييس الرقابة حين تصبح مؤسسة يفترض أنها ضابط إيقاع جزءاً من الإيقاع السياسي نفسه ولو بالصمت، والثاني هو تحصين السردية عبر سلطة رمزية، حيث لا يُطلب من المراقب قول كلمة صحيح، بل يكفي ألا يعترض لكي تُسوَّق الرسالة بأننا أرسلنا للمراقب ومن ثم تتوفر لدينا المصداقية.
رابعاً: كتيبة الكواليس والذاكرة المؤسسية داخل مكتب رئيس الحكومة
هناك عنصر بالغ الدلالة في النص وهو الحديث عن وحدة أو وظيفة كاتب الأسرار في السكرتارية العسكرية، وما يرتبط بها من صندوق نهاية الأسبوع وقوائم ما أُدخل وما أُخرج والخزنة وسجلات الوثائق المطبوعة خصيصاً لرئيس الحكومة. هذه التفاصيل تظهر أن النزاع لم يعد حول هل قرأ نتنياهو، بل هل يمكن إثبات القراءة والوصول، أي أن المعركة انتقلت من السياسة إلى سلسلة الحيازة الخاصة بالوثائق السيادية، ومن المسؤول عن طبعها وإدخالها واستعادتها، وهل تغير فيها شيء أو اختفت أو أُعيد ترتيب الأرشيف. وهذا المستوى خطير لأنه يلامس سؤالاً أكبر حول من يملك ذاكرة الدولة، وهل يمكن لمكتب منتخب أن يعيد صياغتها وفق مقتضيات الانتخابات.
خامساً: الدلالة الأمنية وفهم حماس لإسرائيل
يستشهد التحقيق بملاحظة منسوبة لراعد سعد، رئيس عمليات حماس، مفادها أن تعدد الجبهات يربك إسرائيل، وأن غياب أهداف سياسية واضحة يخلق غموضاً يبطئ الإنجاز العسكري. وبغض النظر عن دقة الاقتباس، فإن الرسالة التحليلية قاسية وتؤكد أن الخصم يراهن على الفجوة بين السياسة والمؤسسة الأمنية وعلى ارتباك صنع القرار، وليس على التفوق المادي فقط. وهنا يقع جوهر المسؤولية، فإذا كانت هناك وثائق تُظهر أن الطرف الآخر يبني خطته على صورة عن آلية القرار الإسرائيلية، فالمطلوب سياسياً ليس إنكار الوثيقة بل إعادة بناء آلية القرار.
وبناءً على ما سبق، لا بد من طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية:
_هل توجد نسخة أصلية منشورة أو مقارنة نصية تثبت بدقة موضع التلاعب بين كلمتي خطة وفكرة في الاقتباس؟
_ما هو نطاق وصول وثيقة عام 2018، وهل كانت ضمن صندوق نهاية الأسبوع فعلاً؟ ومن يشهد على ذلك؟
_ هل أُجريت مراجعة جنائية أو إدارية لسلسلة الحيازة في السكرتارية العسكرية بعد السابع من أكتوبر؟
_ كيف سيتعامل القضاء والمستوى الرقابي مع نشر مواد محظورة قانونياً عندما تصدر عن رأس السلطة؟
خلاصة القول: إن الصراع الداخلي في إسرائيل بعد السابع من أكتوبر ليس فقط على من أخطأ أو لم يخطئ، بل عن كيفية كتابة الخطأ في الأرشيف. إن تحويل خطة اقتحام إلى فكرة عامة ليس أمراً لغوياً فحسب، بل هو محاولة لزحزحة المسؤولية من فشل القيادة إلى سوء فهم النص. وفي الوضع الخاص بين الأمن والسياسة في إسرائيل، فإن العبث بالوثيقة يصبح عبثاً بالدولة نفسها، لأن الدول لا تُحاسب على ما تتذكره، لكنها تُحاسب على ما تعترف به.