محاولة تلميع دولية لإسرائيل رغم استمرار جرائم غزة: تعافٍ دبلوماسي فوق ركام الضحايا

جيروزاليم بوست

ترجمة حضارات


تستعيد "إسرائيل" مكانتها العالمية ببطء مع انحسار موجة التوتر الدبلوماسي.

الشؤون الوطنية: من العزلة إلى التعافي البطيء


يتغير وضع "إسرائيل "الدولي، إذ تنتقل من العزلة إلى التعافي البطيء وغير المتكافئ مع تزايد المشاركة العالمية.

لو أرادت المعارضة تنظيم نقاش في الكنيست حول انهيار مكانة "إسرائيل" الدولية، لكانت اللحظة المثالية هي الصيف الماضي؛ ففي ذلك الوقت سارعت دول عدة للاعتراف بدولة فلسطينية، وغمرت رواية "المجاعة في غزة" وسائل الإعلام العالمية، وهيمنت صور المعاناة في غزة على الصفحات الأولى من لندن إلى لاباز.

في تلك اللحظة من الاضطرابات الدبلوماسية شبه المستمرة، كان من شأن نقاش يعلن عزلة "إسرائيل" وتيهها أن يعكس المزاج السائد.

بدلاً من ذلك، جرت تلك المناقشة -تحت مسمى "مناقشة الأربعين توقيعاً" التي تلزم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالرد- يوم الاثنين، بعد عدة أشهر من انحسار ذروة الأزمة. بدا التوقيت غير مناسب، وكأن السيناريو ينتمي إلى مرحلة أخرى: قبل وقف إطلاق النار الذي توسط فيه ترامب في أكتوبر/تشرين الأول في غزة، وفي الوقت الذي كانت فيه "إسرائيل" تفكر في شن هجوم عسكري شامل على مدينة غزة.

قال نتنياهو في بداية كلمته أمام الكنيست: "موضوع نقاشكم الحاد، أيها المعارضون، هو ما تسمونه انهيار مكانة "إسرائيل" الدولية. يا له من انفصال عن الواقع! يا لها من شعارات بالية ومكررة!"

لو أن هذا النقاش دار في يونيو أو يوليو، عندما بدا أن الوضع الدبلوماسي "لإسرائيل" يتدهور أسبوعاً بعد أسبوع، لكان قد عكس شعوراً عالمياً ملموساً.

ومع ذلك، فقد حدث في ديسمبر، بعد أيام من تصويت اتحاد البث الأوروبي (EBU) بأغلبية ساحقة للسماح "لإسرائيل "بالمشاركة في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، وبعد ساعات من أول زيارة "لإسرائيل" منذ أشهر من قبل المستشار الألماني المنتخب فريدريش ميرز، وعشية مكالمة هاتفية ودية مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وقبل دعوة واشنطن لنتنياهو إلى اجتماعه السادس هذا العام مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

كان النقاش منطقياً في الصيف، لكنه بدا أقل منطقية الآن بكثير، نظراً للتغير الكبير الذي طرأ على المشهد الدبلوماسي – ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى وقف إطلاق النار الذي توسط فيه ترامب.

لا يعني هذا أن التحديات الدبلوماسية التي تواجه "إسرائيل " قد تلاشت، بل على العكس تماماً؛ فالانتقادات لا تزال حادة، والرأي العام في العديد من العواصم الأوروبية ازداد تشدداً، ولا تزال صور غزة تحمل ثقلاً كبيراً في الخارج. لكن ما وصفته المعارضة بالانهيار يبدو، من منظور تطورات هذا الأسبوع، أشبه بعملية تعافٍ بطيئة وغير منتظمة.


مشاركة" إسرائيل" في "يوروفيجن" وزيارتها لألمانيا: مؤشرات على تعافٍ بطيء

في الأيام العشرة الماضية ظهرت بوادر هذا التحول في ساحة غير متوقعة: مسابقة الأغنية الأوروبية، تحت ضغط هائل، قرر الاتحاد الأوروبي للبث إبقاء إسرائيل في منافسة عام 2026.

انسحبت خمس دول –إسبانيا، أيرلندا، سلوفينيا، هولندا، وأيسلندا– احتجاجاً، لكن المؤسسة رفضت تصنيف "إسرائيل "ضمن الدول المنبوذة، ولو فعلت ذلك، لكان القطيعة الرمزية عميقة، وبدلاً من ذلك، أشارت هيئات البث الأوروبية إلى أن حظر "إسرائيل" يُعد تجاوزاً للحدود.

في قارة تشهد احتجاجات شوارعها بشكل روتيني بشعارات معادية" لإسرائيل"، وحيث اتجهت حكومات عديدة نحو الاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية، لم يكن القرار أمراً مفروغاً منه. وقد لعبت ألمانيا دوراً محورياً، موضحةً أنه إذا مُنعت "إسرائيل"، فإنها ستمتنع عن المشاركة أيضاً.

بعد يومين فقط، وصل ميرز إلى "إسرائيل" في بادرة دبلوماسية لافتة. قبل أشهر قليلة فرضت ألمانيا حظراً على بعض الأسلحة المتجهة إلى غزة، ما أثار قلقاً بالغاً في القدس، لكن الحظر أعقبه نشر منظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية "آرو 3" على الأراضي الألمانية.

قال نتنياهو خلال مؤتمره الصحفي مع ميرز: "لطالما عملت ألمانيا من أجل الدفاع عن "إسرائيل"، لكن" إسرائيل"، الدولة اليهودية، وبعد ثمانين عاماً من المحرقة، تعمل الآن من أجل الدفاع عن ألمانيا".

لم يتظاهر ميرز بأن الخلافات مع القدس قد زالت، بل تحدث بصراحة عن "معضلة" الموازنة بين حق "إسرائيل" في الدفاع عن النفس والتزام ألمانيا بالكرامة الإنسانية وسيادة القانون. لكنه أكد أن حظر الأسلحة كان ظرفاً مؤقتاً، وليس مبدأً دائماً.


تحسن حظ "إسرائيل "في أمريكا اللاتينية: استعادة العلاقات مع بوليفيا

في واشنطن، وقع وزير الخارجية جدعون ساعر ونظيره البوليفي فرناندو أرامايو بياناً يستأنف العلاقات رسمياً بعد انقطاع دام 16 عاماً.

الشرخ الذي غذته الميول اليسارية المتطرفة منذ عهد إيفو موراليس بدا عصياً على الإصلاح، لكن فوز المرشح الوسطي رودريغو باز بالرئاسة في أكتوبر فتح الباب أمام المصالحة.

قال ساعر في حفل التوقيع: "اليوم ننهي فصلاً طويلاً وغير ضروري من الانفصال بين بلدينا".

بوليفيا قد تكون الأولى، لكن ربما لن تكون الأخيرة. انتخابات مرتقبة في تشيلي والبرازيل وكولومبيا قد تعيد تشكيل العلاقات الثنائية.

في تشيلي، يتقدم المرشح اليميني خوسيه أنطونيو كاست على مرشحة اليسار جانيت خارا، وسط توقعات بتراجع الموقف المناهض "لإسرائيل" الذي اتخذه الرئيس غابرييل بوريتش.

هذا يبرز هشاشة الدبلوماسية الإسرائيلية في أمريكا اللاتينية واعتمادها الكبير على القادة الأفراد؛ فالأرجنتين اليوم تُعد من أقرب الحلفاء، ليس لعوامل هيكلية، بل لأن رئيسها خافيير ميلي ملتزم شخصياً بهذه الشراكة.

الهند: ثقل موازن في المشهد الدولي

غرد رئيس الوزراء الهندي مودي –باللغتين الإنجليزية والعبرية– بعد حديثه مع نتنياهو: "تحدثت مع صديقي رئيس الوزراء نتنياهو، استعرضنا التقدم المحرز في الشراكة الاستراتيجية بين الهند وإسرائيل، واتفقنا على تعزيز تعاوننا، كما أكدنا مجدداً التزامنا المشترك بعدم التسامح مطلقاً مع الإرهاب".

استشهد نتنياهو بالمكالمة في خطابه أمام الكنيست كدليل على أن الأفق الدبلوماسي لإسرائيل ليس قاتماً كما يُصوَّر، وأكد أنه سيلتقي مودي قريباً.

الحقيقة حول العزلة الدولية "لإسرائيل" في زمن الحرب

لم يقتنع منتقدو نتنياهو؛ فهم يرون أن كل هذه التطورات لا تمحو التآكل الأوسع لمكانة "إسرائيل في العالم أو حدة الانتقادات من الحلفاء والخصوم على حد سواء، وهم محقون؛ فالتحديات القانونية في لاهاي، والاحتجاجات الأوروبية، وجهود نزع الشرعية، والرأي العام العالمي المتشكك في العمليات العسكرية الإسرائيلية لا تزال قائمة.

لكن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد "انهيار"؛ فقد أظهر هذا الأسبوع أن العزلة الدولية ليست موحدة ولا حتمية.

في بعض الساحات –ألمانيا والهند وأجزاء من أمريكا اللاتينية– تحافظ "إسرائيل" على مواقعها وتبدأ باستعادة الأراضي المفقودة، وفي ساحات أخرى –مثل "يوروفيجن"– يتصدى الحلفاء لمحاولات استبعادها.

لم يعد المد الدبلوماسي الذي أثارته الحرب يرتفع بشكل جامح؛ بل بدأ في عدة أماكن، وإن ببطء، بالانحسار.

إذا كان الصيف موسم القلق، فإن هذه اللحظة هي لحظة إعادة تقييم. التعافي ليس استعادة كاملة، بل هو أبطأ وأكثر دقة وهشاشة، لكنه قد بدأ.

ولأول مرة منذ شهور، استطاعت "إسرائيل "أن تنظر إلى المشهد العالمي وترى أكثر من مجرد انتكاسات، رأت نقاط ارتكاز –بعضها صغير، وبعضها رمزي، وبعضها استراتيجي– تنطلق منها في إعادة البناء.


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025