سلاح المقاومة الفلسطينية؛ بين مطلب نزع السلاح، وحق التحرر الوطني.

حضارات

مؤسسة حضارات

ورقة سياسات

مقاربات قانونية وسياسية وسيناريوهات المستقبل

مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية

أولًا: المشكل

طرحت إسرائيل مرة أخرى بدعم من الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الغربية، مطلب نزع سلاح المقاومة الفلسطينية باعتباره شرطا محوريا ومركزيا لأي ترتيبات سياسية أو أمنية في قطاع غزة وفي ما يعرف باليوم التالي للحرب. حيث يعتبر هذا المطلب عند إسرائيل المدخل الرئيسي للاستقرار والسلام.

وفي هذا السياق تطرح هذه الورقة الإشكالية التالية:

هل يعتبر نزع سلاح المقاومة الفلسطينية أمراً ممكناً، ومشروعاً قانونياً وسياسياً ؟ أم أن هذا المطلب وفي ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي يعد محاولة لتحقيق مكاسب سياسية لم تستطع إسرائيل تحقيقها من خلال استعمال قوتها العسكرية أثناء الحرب ؟

وانطلاقاً من هذه الإشكالية تضع الورقة فرضية أساسية مفادها أن قضية سلاح المقاومة ليست قضية شكلية أو تقنية بل تعتبر قضية وجودية تختزل طبيعة الصراع القائم على التحرر الوطني ودحر الاحتلال، وأي معالجة لقضية سلاح المقاومة خارج هذا السياق التحرري تؤدي إلى استمرار الاحتلال وإعادة إنتاجه بأدوات وخطابات جديدة.

ثانيًا: السياق التاريخي

منذ اتفاق أوسلو والرؤية الإسرائيلية ترتكز على نزح سلاح المقاومة في إدارة الصراع، حيث ما تنفك إسرائيل تسعى إلى احتكار استعمال السلاح وتطبيق العنف المنظم في الأراضي الفلسطينية، وما عزز هذه المساعي هو تحول السلطة الفلسطينية إلى جهاز أمني وظيفي. فضلاً عن المحاولات العديدة لتفكيك البنية العسكرية للمقاومة من خلال الحروب المتعاقبة.

وبعد الحرب الوحشية الأخيرة حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، عاد مطلب نزح سلاح المقاومة بصورة أكثر حدة، حيث تسعى إسرائيل إلى نقل نتائج الحرب على طاولة التفاوض، وتحميل فصائل المقاومة مسؤولية جرائمها الوحشية من خلال إعادة تعريف المقاومة باعتبارها مشكلة أمنية تهدد الأمن والاستقرار والسلام وليس باعتبارها حقاً تحررياً لإنهاء الاحتلال.

وفي مقابل كل هذا، يوجد إجماع فلسطيني واسع سواء كان شعبياً أًو سياسياً على رفض مطالب نزع سلاح المقاومة قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سلطة حقيقية وسيادة فعلية.

ثالثًا: الإطار النظري

على مستوى نظريات حركات التحرر الوطني

تعتبر المقاومة المسلحة في مختلف أدبيات حركات التحرر الوطني في العالم مثل الجزائر وفيتنام وجنوب إفريقيا، حق طبيعي وأداة وجودية وليست غاية تستخدم عندما يحرم الشعب من حقه في تقرير مصيره.

على مستوى التأصيل القانوني الدولي

من الثابت في القانون الدولي إقرار حق تقرير المصير، فضلاً عن اعتراف العديد من القرارات الأممية بمشروعية نضال الشعوب الرازحة تحت وطأة الاحتلال. كما أن حروب التحرر الوطني تدرج ضمن النزاعات الدولية في علاقة بتطبيق القانون الإنساني الدولي.

والخلاصة فإن شرعية المقاومة مستمدة من الاحتلال ذاته، لا تنتهي إلا بانتهائه والا تسقط إلا إذا تحولت من أداة تحرر إلى أداة ممارسة عنف عبثي خارج الضوابط الإنسانية.

رابعًا: مصالح الأطراف الرئيسية

يعلم القاصي والداني أن مصالح إسرائيل من طلب نزع سلاح المقاومة هو فرض السلام الأمني دون إنهاء الاحتلال من خلال تفكيك القدرة الردعية الفلسطنية ومنع إعادة بناء قوة عسكرية مقاومة وفي مقابل كل هذا تزيد من قوتها العسكرية فضلاً عن تسليح المستوطنين.

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فمصلحتها تتمثل في حماية إسرائيل سياسياً وعسكرياً وخلق استقرار أمني يخدم مصالحها الإقليمية.

وإذا تعلق الأمر بالفصائل الفلسطينة وخاصة المقاومة فإن مصالحها من عدم نزح السلاح تتلخص في الحفاظ على ضمانة وجودية تمنع الاستسلام السياسي.

وفي ما يخص السلطة الفلسطينية فإن مصالحها تتمحور حول استعادة دورها السياسي والأمني ووجود ضغوط دولية تطالبها بالقيام بوظيفة ضبط الأمن.

سادسًا: السيناريوهات المتوقعة

في ضوء المعطيات الراهنة يمكن استحضار اكثر من سيناريو، نذكرهم على النحو التالي:

السيناريو الأول، السيناريو الأقل قابلية للتنفيذ ويتمثل في نزع سلاح المقاومة كشرط مسبق، حيث يعد هذا السيناريو ضعيف لأنه مرفوض شعبيا وفصائليا فضلا عن كونه يهدد بانفجار داخلي كبير. نسبة ترجيح هذا السيناريو لا تتجاوز 10‎%‎

السيناريو الثاني يفترض تحجيم سلاح المقاومة مقابل تهدئة طويلة، وهو سيناريو متوسط نسبة ترجيحه تصل إلى حدود 40‎%‎

سيناريو أخر لا يقل حضورا رغم أنه متوسط الترجيح في حدود 30‎%‎ وهو دمج سلاخ المقاومة ضمن در فلسطينية، حيث يفترض هذا السيناريو قيام دولة فلسطينية مستقلة وتحويل السلاح إلى جيش وطني.

وفي المقابل يبرز سيناريو أخر مغاير، يعتبر متوسطاً من حيث الترجيح إذ أنه في حدود 20‎%‎ ويقوم على فشل التفاوض واستمرار الصراع، حيث استمرار الحصار والعدوان.

سابعًا: التوصيات

يوصي مركز حضارات الفصائل الفلسطينية المقاومة وعلى رأسها حركة المقاومة الفلسطينية حماس بتثبيت الموقف السياسي حيث رفض نزع السلاح كشرط مسبق إلى جانب ربط استخدام السلاح بقرار وطني جامع، إضافة إلى الانفتاح على مشروع الدولة وتبني خطاب سياسي يربط مسارات المقاومة بمسار الدولة والسيادة الوطنية. فضلاً عن العمل على تحقيق الوحدة السياسية والعسكرية، حيث منع الانقسام لما فيه من مخاطر استراتيجية على مآلات القضية الفلسطينية.

كما يوصي مركز حضارات السلطة الفلسطينية برفض الدور الأمني الوظيفي وإعادة تعريف دورها باعتبارها سلطة انتقالية نحو دولة مستقلة. إلى جانب ضرورة فتح حوار وطني شامل حول مستقل القضية الفلسطينية.

وبالنسبة للمجتمع المدني الفلسطيني فإن مركز حضارات يوصي بضرورة بلورة خطاب حقوقي دولي، فضلا عن رفض شيطنة المقاومة مع المطالبة بضبطها أخلاقيا وقانونيا. هذا ومع ضرورة الضغط باتجاه وحدة وطنية فلسطينية.

كل هذه التوصيات تهدف إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة تقوم على إقرار مبدأ احتكار السلاح ودمج فصائل المقاومة في جيش وطني بعقيدة دفاعية. فضلاً عن ضمان الرقابة الدستورية على المؤسسة العسكرية وتحويل السلاح من أداة صراع إلى أداة حماية سيادة.

ثامنًا: الخلاصة العامة

تخلص هذه الورقة إلى أن مسألة نزع سلاح المقاومة قبل إنهاء الاحتلال ليس حلاً للصراع بل هو شكل من أشكال إدامة الصراع. لأن سلاح المقاومة ليس هو أصل المشكل بل هو أحد أعراضها.

والحل العادل يتمثل في إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وتحويل سلاح المقاومة إلى سلاح دولة وطنية موحدة.

ويعد هذا المسار هو المسار الوحيد الذي يحظى بقبول شعبي فلسطيني وبشرعية قانونية وعقلانية سياسية.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025