بين صمت "مار إيه لاغو" وضجيج غزة: قراءة في كواليس زيارة نتنياهو لترامب

حضارات

مؤسسة حضارات

مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية

لم تكن زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى الولايات المتحدة، وتحديداً لقاؤه بدونالد ترامب في منتجع "مار-إيه-لاغو"، مجرد محطة بروتوكولية عابرة، رغم شح التصريحات الرسمية وغياب البيانات الختامية العريضة. إن المتأمل في القراءات التي قدمتها الصحافة العبرية، ولا سيما صحيفة "هآرتس"، يدرك أننا أمام "هدوء تكتيكي" مدروس بعناية، يهدف إلى تمرير تفاهمات حساسة بعيداً عن صخب الجدل السياسي الداخلي في إسرائيل.

السياسة في "المسكوت عنه" يخطئ من يظن أن غياب القرارات المعلنة يعكس فشلاً في الزيارة؛ فالحقيقة أن الجانبين سعيا بوعي إلى إخراج اللقاء في إطار من التناغم الشخصي لإرسال رسالة طمأنة للداخل الإسرائيلي. الجوهر هنا هو "تزييت محركات" الانتقال لما يوصف بـ "المرحلة الثانية" في قطاع غزة، وضمان أن يظهر أي تنازل قادم من طرف نتنياهو كخطوة منسقة مع حليف قوي وليس إملاءً أميركياً صدامياً. هذا الغطاء السياسي يمنح نتنياهو المساحة اللازمة للمناورة قبل اتخاذ قرارات قد تهز أركان ائتلافه اليمني، خاصة في ملفات شائكة مثل إعادة فتح معبر رفح أو شكل الإدارة المدنية للقطاع.

غزة.. معضلة الإدارة وتجنب المسؤولية خلف الأبواب المغلقة، دار النقاش الحقيقي حول "من سيمسك بمفاتيح غزة؟". الرؤية الإسرائيلية التي تتبلور الآن تهرب من المسؤولية المباشرة (الإدارة المدنية) نحو نموذج "هجين" يشرك أطرافاً إقليمية وفلسطينية وحتى تركية في الشق الأمني والشرطي. لكن هذا التوجه لا يخلو من قلق بنيوي عميق؛ فإسرائيل تخشى أن يتحول "الإعمار السريع" إلى فرصة لترميم قوة المقاومة، مما يجعلها تتصرف بمنطق "إدارة المخاطر" بدلاً من البحث عن حل سياسي شامل.

تحولات معبر رفح: من المنع إلى التنظيم ثمة إشارات واضحة إلى أن الضغط الأميركي بدأ يثمر في زحزحة الموقف الإسرائيلي المتصلب تجاه معبر رفح. الانتقال من "المنع المطلق" إلى القبول بـ "التنظيم القسري" ليس مجرد إجراء فني، بل هو اعتراف بأن المعبر سيتحول إلى أداة سياسية لإطلاق المرحلة الثانية من خطة "اليوم التالي". هذا الملف تحديداً مرشح لأن يكون صاعق تفجير داخل الحكومة الإسرائيلية، أكثر منه نقطة خلاف مع واشنطن.

الاستثمار الشخصي.. نتنياهو تحت مظلة ترامب لا يمكن فصل السياسي عن الشخصي في هذه الزيارة؛ فنتنياهو يدرك أن مستقبله مرتبط بقدرته على تسويق نفسه كـ "رجل ترامب في المنطقة". إن الحديث عن العفو، أو منح "جائزة إسرائيل"، وحتى ترتيب زيارة رسمية لترامب للمشاركة في مراسم وطنية، كلها أدوات لتعزيز شرعية نتنياهو المتآكلة داخلياً، وربط مصيره بالدعم الأميركي المطلق، تحسباً لأي انتخابات مبكرة قد تلوح في الأفق.

خلاصة الموقف من منظور "مركز حضارات" إن هذه القراءة تقودنا إلى استنتاجات مقلقة؛ فالزيارة لم تكن "فارغة"، بل كانت مصممة لخفض تكلفة القرارات القادمة على كاهل نتنياهو. الصمت الإعلامي هو الستار الذي تمرر خلفه التحولات الكبرى بهدوء. والأخطر في هذا المسار هو التعامل مع قطاع غزة كملف "إدارة أمنية ومقاولات إدارية"، مع تغييب كامل للفلسطينيين كفاعل سياسي صاحب حق.

نحن أمام محاولة لتثبيت وقائع استراتيجية جديدة تحت غطاء "الإعمار والتهدئة"، دون ملامسة جذور الصراع، مما يعني أن "المرحلة الثانية" قد لا تكون طريقاً للحل، بل هي إعادة ترتيب لأدوات السيطرة والاحتلال بوجوه وصيغ جديدة.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025