مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية
تغريدة مايك بومبيو (وزير خارجية أمريكا السابق) ليست خبرا، عابرا بل أنها مؤشر معقد وخطير على تداخل القضايا السياسية والأمنية والنفسية في إدارة الصراع مع إيران، في تكشف عن تحولات في لغة الردع، وفي الحرب الإدراكية، التي يتم شنها ضد إيران، ويمكن تفكيك هذا التعقيد على النحو التالي
أولا: تطبيع الإختراق، أو تطبيع علني للرمز الاستخباراتي:
فهي إشارة واضحة من مايك بومبيو إلى جواسيس الموساد الإسرائيلي، وقد جاءت في سياق تهنئة المتظاهرين في شوارع طهران، الأمر الذي يظهر ما كان في الظل إلى العلن، وهذا لا يحمل اعترافا عملياتيا فقط بمسؤولية أمريكا وإسرائيل عن تشجيع التظاهرات في إيران، بل يحمل رسائل عدة من أهمها:
أولا رسالة نفسية للشعب الإيراني، وأيضا للنظام، بوجود اختراق خارجي كبير، وأن الاحتجاجات ليست معزولة عن الخارج، لماذا فعل هذا هل هي حماقة؟ أم استهانة وتكبر؟ أم خطأ استخباراتي سيحاسب عليه؟
ثانيا هي رسالة لتوسيع مساحة الردع الإدراكي ورفع لتكلفة القمع سلوك النظام، وكأن الاحتجاجات محمية من الخارج.
ثالثا: هي تجاوز أو كسر محظور في الخطاب الأمريكي، وهو كشف الأدوار الاستخباراتية علنا وبصراحة (وقاحة).
كما يظهر الأمر انسجاما كبيرا بين واشنطن و إسرائيل في ما يتعلق بالاحتجاجات الإيرانية، وذلك على الرغم من أن الرجل لا يشغل منصبا رسميا، إلا أنه يتمتع بشبكة علاقات ومعارف واسعة فهو صوت جمهوري وازن.
التغريدة قد تكون اختبار أو بالون اختبار لحدود الخطاب الأمريكي الممكن أن يتم تبنيه رسميا.
كما تشير إلى تناغم ضمني مع شخصية وخطاب الرئيس ترامب، تهديدات، و تصريحات غريبة في بعض الأحيان.
لماذا قال إسرائيل ولم يقل جواسيس أمريكا؟ إسرائيل تستخدم كأداة ردع رمزية من خلال ذكرها بالإسم، كما أن المساعد يعمل بلا قيود داخلية كما هو الحال لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية، أضف إلى ذلك تاريخ الموساد بهذا الشأن
هل تم توظيف الاحتجاجات قف الضغط استراتيجية؟ على الأرجح نعم لأن الخطاب لا يهدف فقط لدعم الاحتجاجات، بل من أجل استثمارها
من خلال ضبط الداخل الإيراني بالصراع دولة وإقليم أكثر اتساع لا باعتباره شأن إيرانيا داخليا بحتا، والإشارة إلى أن أي تصعيد داخلي قد يؤدي لتصعيد خارجي سياسيا وآنيا، إضافة لرفع سقف التوقعات من المتظاهرين الإيرانيين، مما يشجعهم للمزيد من الإنفجار.
هل يمكن أن يأتي هذا الأمر بنتائج عكسية؟ من المحتمل بدرجة معقولة، الشعب الإيراني شعب حر، وجزء كبير منه حتى ممن يعارضون النظام الحالي يرفضون التدخلات الخارجية، وتحديدا الأمريكية الإسرائيلية.
هذا الخطاب يمنح النظام الإيراني ذريعة لإضعاف الاحتجاجات أو حتى تخوين المحتجين وربطها بالتدخل الأجنبي، إضافة لتبرير تصعيد القبضة الحديدية تحت عنوان الأمن القومي الإيراني، وبدرجة اقل قد يفتح الباب أمام هجمات إيرانية، غير مسلحة ضد مصالح أمريكية.
على الأرجح أن بومبيو أخذ بالحسبان هذه التداعيات. لكنه لم يعبأ، على الأرجح.
الخلاصة هي أن تغريدة مايك بومبيو تحوٌل من سياسة الغموض إلى سياسة الإشارة العالمية، ليس في الشارع الإيراني وحده بل أيضا أمريكا، كما أن الاحتجاجات هي جزء من معركة كبرى على مستقبل إيران ومكانتها الدولية، وهي حرب نفسية ضد النظام الإيراني.