مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية
كشفت صور أقمار صناعية جديدة_ قام معهد العلوم والأمن الدولي بتحليلها_ بأن إيران تقوم بتنفيذ أعمال تحصين واسعة في موقع «تالِيكان-2» داخل مجمّع بارشين العسكري، وهو موقع ارتبط تاريخياً بالشق العسكري من البرنامج النووي الإيراني. هذه الخطوة لا تبدو أعمال صيانة أو إعادة إعمار فحسب، بل تحمل العديد من الدلالات السياسية والأمنية العميقة.
ما الذي يفعله الإيرانيون في الموقع؟
وفقا للصور، تعمل إيران على صبّ كتل خرسانية ثقيلة فوق المنشأة المركزية، أشبه بـ«قبة واقية»، مع استعدادات لردم الموقع بطبقات ترابية إضافية. والهدف هو جعل هذه المنشأة أكثر قدرة على الصمود في وجه أي ضربات جوية مستقبلية. ومن اللافت للنظر أيضاً رصد جسم معدني أسطواني ضخم داخل المبنى، يُرجَّح أن يكون مرتبطاً بتجارب على متفجرات شديدة القوة.
لماذا هذا يقلق الغرب؟
القلق لا يتعلّق بالبناء بحد ذاته، بل بما يُراد حمايته داخل هذا الغلاف الخرساني. تاريخ بارشين مرتبط بتجارب على متفجرات متقدمة تُستخدم عادة في تصميم الرؤوس النووية. صحيح أن هذه التجارب لا تعني بالضرورة وجود قنبلة نووية جاهزة، لكنها تُعدّ من المراحل الحسّاسة التي لا تقوم بها عادة إلا الدول الساعية للاحتفاظ بخيار عسكري نووي.
رسالة" التوقيت".؟
يأتي هذا التحصين بعد تقارير عن استهداف الموقع في عام 2024، ما يشير بأن طهران استخلصت درساً مهما: فبدلاً من نقل الأنشطة أو إيقافها، قررت تحصينها ورفع كلفة استهدافها. بهذه الطريقة، تحاول إيران أن تقول لخصومها إن أي ضربة جديدة ستكون أصعب، وأكثر تعقيداً، وربما أقل جدوى.
ما هي الرسالة للإقليم والعالم ؟
من الناحية الأكاديمية، التحصين رسالة تحدي وصمود: البرنامج يمكنه التعافي والاستمرار رغم الضغوط. أمنياً، هو محاولة لخلق غموض محسوب؛ فكلما زادت سماكة الخرسانة وعمق الدفن، صَعُبَ التأكد مما يجري في الداخل. هذا الغموض يمنح طهران هامش مناورة أكبر، سواء في التفاوض أو في الردع.
ماذا يعني هذا بالنسبة للمرحلة المقبلة؟
بالمدى القريب ، لا يعني ذلك أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية على وشك إعلان امتلاك سلاح نووي. لكنه يعني بانها تحافظ على المسارات مفتوحة، وتستثمر في حماية البنية التحتية المرتبطة به. أما على المدى البعيد، فإن تحصين بارشين يرفع سقف التوتر بالنسبة لأمريكا، لأنه يضع خصوم إيران أمام خيارات أصعب: إما القبول بالأمر الواقع، أو البحث عن أدوات ضغط غير عسكرية،أو الدخول في تصعيد تكون كلفته أعلى.
خلاصة القول:
ما يجري في بارشين ليس أمرا تقنيا بحث، بل انه خطوة سياسية وأمنية محسوبة. الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تعلن شيئاً، لكنها تبني بصمت، وتُحصّن ما تعتبره أصولاً استراتيجية. وفي منطقتنا ، غالباً ما تكون الخرسانة السميكة رسالة بحد ذاتها.