قراءة حضارات في مقال جانان غانيش المنشور في Financial Times – كانون الثاني/يناير 2026
ليس أمرا جديداً في تاريخ أمريكا أن تتقاطع السلطة مع المال، أو أن تمتد السياسة من الداخل إلى الخارج بقوة السلاح. الجديد والصادم في آن واحد ، هو أن هذا التداخل لم يصبح بحاجة إلى أقنعةٍ أيديولوجية أو شعارات كبيرة. هذا ما يلمسه مقال جانان غانيش في فايننشال تايمز جوهريا ، وهو يتتبع تحوّل الرئيس ترامب من “ظاهرة شعبوية خارجة عن النسق” إلى رئيس يبدو، في سلوكه ومخرجاته ، أقرب بكثير إلى نموذج الرئيس الجمهوري الأميركي التقليدي.
يبدأ المقال من مفارقة ثقافية لافتة: مشهد من فيلم المواطن كين، حيث يقرر مالك الصحيفة إشعال حرب لأنه يملك المنبر والقوة. هذه المفارقة، كما يقرأها الكاتب، ليست مجرد استعارة سينمائية، بل وصفٌ دقيق لبنيةٍ أميركية راسخة: نفوذ اقتصادي داخلي يقابله نزوع دائم إلى المغامرة العسكرية خارج الحدود. وهي ذات البنية التي وعد ترامب، في حملته عام 2016، بكسرها، حين قدّم نفسه عدواً لـ”المستنقع”، ومناهضاً لتدخلات الخارج، ومتحرراً من قبضة الشركات الكبرى
ويبدو جليا أن السنوات قد فعلت أفعلها، فوفقا للمقال، . ترامب، في ولايته الثانية، لم يكتفِ بالتراجع عن تلك الوعود، بل سار في الاتجاه المعاكس تماماً: غارات، تهديدات، اعتقالات، وصفقات نفط، وتماهٍ شبه كامل بين مصالح الدولة الأميركية ومصالح وادي السيليكون وشركات الطاقة. لم تعد الشركات لاعباً ضاغطاً من الخارج، بل صارت تُقدَّم بوصفها “تجسيداً للشعب الأميركي” نفسه، وأي مساس بها يُصوَّر كأنه اعتداء على الأمة.
يرى مركز حضارات: لا تكمن أهمية هذا التحول في كونه “خيانة لروح الشعبوية” فحسب، بل في كونه لحظة كاشفة . فترامب لم يخرج عن القاعدة الأميركية، بل عاد إليها بلا مواربة ودون أي أقنعة. لم يعد مضطراً للحديث عن “العالم الحر” أو “القيم الليبرالية”، كما فعل أسلافه، بل بات يمارس الهيمنة ، وبكل وقاحة وعنجهية بلغة الصفقة: القوة مقابل الموارد، الحماية مقابل الولاء، والسوق مقابل الصمت، هكذا دون خجل.
وإذا كان الكاتب يصف هذا التحول بأنه “عودة جزئية إلى الوسط الجمهوري”، فإن القراءة العربية، والإسلامية ترى فيه أمراً أعمق: استمرارية النموذج الأميركي بغض النظر عن الوجوه. فالتدخل الخارجي ليس نزوة شخصية، بل وظيفة بنيوية في اقتصاد سياسي قائم على التوسع، وضمان التفوق، وإعادة تشكيل الأطراف الأضعف وفق منطق المصالح لا الحقوق.
الأخطر، كما يلمّح المقال بذكاء، هو ما يحدث داخل القاعدة الشعبية نفسها. فلم تعد الأفكار هي الرابط، بل الانتماء / الولاء. السياسة تحوّلت إلى ما يشبه تشجيع فريق رياضي: تختاره مرة، ثم تدافع عنه مهما فعل وتحت كل الظروف، بالمناسبة قد يشبه هذا القبلية في العالم العربي،. التناقضات لا تُحاسَب، والانقلابات في المواقف لا تُسائل، لأن “الحركة” باتت غاية بحد ذاتها. وهنا، تحديداً، تكمن المعضلة الكبرى لأي رهان على تصحيح داخلي سريع في السياسة الأميركية.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فيحمل هذا التحول مزيدا من القلق. فـ”ترامب الجمهوري العادي” يعني عملياً إدارة أكثر صراحة في انحيازها لإسرائيل، وأكثر استعداداً لاستخدام منطق الضغط والصفقات بدلاً من القانون الدولي والحقوق. ويعني أيضاً أن فلسطين ستظل تُدفع إلى هامش المشهد، لا باعتبارها قضية تحرر، بل كملف أمني أو إنساني أو اقتصادي قابل للإدارة، وهنا مكمن الخطر.
في محصلة القراءة، لا يرى مركز حضارات في مقال فايننشال تايمز نقدا شخصيا مجردا "للذات الترامبية" ، بل تشخيصاً غير مقصود لمرحلة كاملة: مرحلة تتعرّى فيها السياسة الأميركية من أوهامها الأخلاقية، وتظهر على حقيقتها كقوةٍ صلبة، تغيّر لغتها لكنها لا تغيّر وجهتها. وربما لهذا السبب تحديداً، سيكون على شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، ألا تبني حساباتها على تغيّر الأشخاص، بل على فهم البنية، ومراكمة أدوات المواجهة معها، سياسياً وقانونياً وسردياً.