ملخص
تتناول هذه الورقة وبشكل نقدي الفرضية التي تقول إنه بالإمكان القيام بإسقاط النظام في إيران من خلال ضربة عسكرية جوية أمريكية أو إسرائيلية. وتنطلق الورقة من تحليل مضمون لمصادر غربية وإسرائيلية، وعلى رأسها مقال الجنرال الإسرائيلي المتقاعد يتسحاق بريك، إضافة لتقديرات بعض المؤسسات البحثية الأمريكية البارزة، وذلك من أجل توضيح ما هي الحدود البنيوية للقدرات العسكرية وحدها ومدى عجزها، تاريخيا على إيجاد تحولات سياسية داخلية حقيقية ومستقرة. اعتمدت الدراسة على مقاربة نقدية- تحليلية، ترى أن الخطاب العسكري المتصاعد حول القدرة على “الحسم” هو امتداد لمنطق الهيمنة والتدخل الخارجي الذي أثبت فشله في الكثير من المرات، وتخلص إلى أن السيناريوهات المتداولة تشير إلى تصعيد إقليمي كبير ومدمر وباهظ التكاليف أكثر مما تشير إلى عملية تغيير نظام ناجحة، الأمر الذي يتناقض بشكل واضح مع القوانين الدولية ومبدأ السيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
الكلمات المفتاحية: الهيمنة الأميركية، الردع، القوة الجوية، إيران، إسرائيل، تقرير المصير، الأمن الإقليمي، تغيير الأنظمة، التدخل العسكري.
المقدمة
مع بداية سنة 2026، يعود احتمال أو خيار" الضربة العسكرية" ضد النظام في إيران ليحتل صدارة النقاش السياسي والأمني في العديد من دوائر صنع القرار في أمريكا وإسرائيل وتحديدا ترامب نتانياهو. هذا الخطاب، الذي يتجدد دوريًا، يأتي هذه المرة مقرونًا بادعاءات ومزاعم حول إمكانية توظيف القوة الجوية ليس فقط لتقويض القدرات العسكرية الإيرانية، بل لإحداث انهيار داخلي في بنية النظام نفسه. لا يختلف هذا الطرح، في جوهره ومنطقه، عن السرديات التي سبقت ورافقت التدخلات العسكرية الغربية في أفغانستان والعراق (2003) وليبيا (2011) وحمله الناتو على صربيا-كوسوفو، 1999، حيث جرى تسويق القوة الجوية كأداة سحرية قادرة على إحداث تغيير سياسي سريع، نظيف، ومنخفض الكلفة البشرية والمادية على الطرف المهاجم.
تكمن خطورة هذه السردية في قدرتها على تبسيط واقع شديد التعقيد، وتجاهل سجل حافل من الإخفاقات الاستراتيجية. إن فكرة "القصف حتى الديمقراطية" أو "الضربات الجراحية " التي تفضي إلى تغيير سياسي إيجابي، قد تحولت إلى ما يشبه الأسطورة في الفكر العسكري الغربي، يتم استدعاؤها كلما استعصت الحلول الدبلوماسية وبرزت الحاجة إلى استعراض القوة، هذه الأسطورة تتجاهل عمدًا أن القوة العسكرية، وبخاصة القوة الجوية بطبيعتها "سريعة الزوال" [1]، قادرة على التدمير، ولكنها عاجزة بنيويًا عن البناء أو فرض شرعية سياسية جديدة، إن الإصرار على مثل هكذا أسلوب يثير التساؤل حول مدى عقلانية هذه الأداة وفي خدمتها للمصالح الحقيقية للأمن والاستقرار العالمي، ويضعها في دائرة الاتهام بأنها تخدم برنامج شخصية أو حزبية ضيقة.
تسعى هذه الورقة إلى تفكيك هذه الفرضية الخطيرة، لا من موقع دفاعي أيديولوجي عن النظام الإيراني، بل عبر الانطلاق من “الداخل”؛ أي من تحليل نقدي للاعترافات والتحذيرات الصريحة الصادرة عن عناصر كبيرة عسكريين وباحثين استراتيجيين غربيين وإسرائيليين من الذين يشككون علنًا في جدوى هذا الخيار وفعاليته، سنبين كيف أن الأصوات الأكثر اتزانا داخل المؤسسات العسكرية والبحثية الغربية نفسها تعترف بأن ضربة جوية، مهما كانت شدتها، لن تؤدي إلى انهيار النظام الايراني، بل أنها ستفجر، وبدرجة عالية من المعقولية، حربًا إقليمية واسعة النطاق، وتزيد من معاناة الشعب الإيراني، وتوحد الجبهة الداخلية الإيرانية خلف قيادتها في مواجهة العدوان الخارجي، وتقوض بشكل كامل أي فرصة للتغيير الداخلي السلمي، أو عبر الاحتجاجات الشعبية.
نظريا: القوة، الهيمنة، وحق تقرير المصير.
من أجل فهم أكثر عمقا لآليات وحركة النقاش الدائر حول إيران، فلا بد من تأطيره ضمن سياق نظري نقدي يربط بين استخدام القوة العسكرية، منطق الهيمنة في العلاقات الدولية، والمبدأ الأساسي لحق الشعوب في تقرير مصيرها.
الهيمنة من خلال القوة العسكرية
تنطلق هذه الدراسة من الأدبيات النقدية في العلاقات الدولية، التي تتجاوز النظرة الواقعية التقليدية للقوة كمعطى طبيعي ومحايد، وفي هذا الإطار، يُنظر إلى استخدام القوة العسكرية خارج إطار الدفاع الشرعي عن النفس، كما حدده ميثاق الأمم المتحدة، باعتباره وسيلة لفرض الهيمنة والحفاظ على نظام دولي غير متكافئ، وليسلا أداة من اجل تحقيق مصلح العالم في الأمن والاستقرار، حيث يرى روبرت كوكس، بإن القوة لا تُستخدم في فراغ، بل تعمل على تشكيل "النظام العالمي "بما يخدم مصالح الفاعلين المهيمنين [2]، ولذلك، فإن التهديد بضربة عسكرية ضد إيران لا يشكل مجرد خيار تقني من أجل معالجة "تهديد" نووي مزعوم، ولكنه ممارسة سياسية هدفها تأديب دولة يُنظر إليها على أنها "مارقة" وتتحدى الترتيبات الأمنية الإقليمية التي تفرضها الولايات المتحدة وبعبارة أخرى "الهيمنة" الامريكية.
في هذا السياق، فان خطاب "تغيير النظام " يصبح غطاءً أيديولوجيًا لممارسة القوة الغاشمة، وكما اشار "ستيفن والت" في نقده للسياسة الخارجية الأمريكية، فإن “جحيم النيات الحسنة” غالبًا ما يمهد الطريق لتدخلات كارثية تُرتكب باسم نشر الديمقراطية أو حقوق الإنسان، لكنها في الواقع تخدم برامج جيوسياسية أوسع [3]، إن فكرة "امتلاك قوة خارجية " للحق والشرعية في تحديد وتقرير طبيعة نظام الحكم في دولة معينة هذه الفكرة، بحد ذاتها، تعتبر جوهر منطق الهيمنة، وهي تتعارض بشكل مباشر مع "مبدأ السيادة" الذي يشكل حجر الزاوية في القانون الدولي الحديث.
الى أي مدى تستطيع "الضربات الجوية " تغيير الأنظمة؟
على المستوى الاستراتيجي-العسكري، فقد تراكمت الأدبيات التي تشكك في فعالية القوة الجوية كوسيلة حاسمة لتغيير الأنظمة السياسية في الدول، ولعل أبرز من قال بهذا هو روبرت بيب في دراسته "القصف من أجل الفوز"(Bombing to Win)، يخلص بيب، بعد دراسة مستفيضة للحملات الجوية في القرن العشرين، إلى نتيجة واضحة ومفادها بان القوة الجوية فعالة في إضعاف القدرات العسكرية التقليدية للجيش النظامي، ولكن من النادر أن تنجح في إجبار الحكومات على تغيير سياساتها المركزية أو التخلي عن السلطة، ما لم تكن مصحوبة بغزو بري شامل أو انهيار داخلي مسبق ناجم عن عوامل أخرى [4].
السبب في ذلك بنيوي. القصف الجوي، بطبيعته، يضرب من بعيد، إنه يدمر الأهداف المادية لكنه لا يستطيع السيطرة على الأرض، ولا يمكنه تفكيك البنى الاجتماعية والسياسية والأمنية التي تدعم النظام، بل على العكس، غالبًا ما يؤدي القصف إلى ما يُعرف بتأثير "الالتفاف حول العلم" (rally ’ round the flag effect) أو المقولة الشهيرة في إسرائيل "شيكت يوريم" أي "صمتا يطلقون النار"، حيث يتناسى المواطنون خلافاتهم الداخلية ويتحدون في مواجهة العدو الخارجي، إن معاناة المدنيين تحت القصف لا تؤدي بالضرورة لثورة ضد النظام، بل قد تعزز شرعيته الوطنية وبالتالي قدرته على الصمود وتزيد من العداء للمهاجم.
تقدم الحالات التاريخية التي سيتم تفصيلها لاحقًا في هذه الورقة، من فيتنام إلى العراق وليبيا، دروسًا واضحة لمن أراد التعلم، حول هذه الحقيقة، ففي كل مرة، كان الوعد بـ "نصر سريع "و"نظيف" عبر الجو يتبدد ليحل محله مستنقع من عدم الاستقرار، والحروب الأهلية، وصعود جماعات أكثر تشددا. إن تجاهل هذه الدروس في الحالة الإيرانية ليس مجرد قصر نظر، بل هو طيش واستخفاف مقصود بالتاريخ وبالمنطق الاستراتيجي نفسه.
منهج تفكيك الخطاب من الداخل
تعتمد هذه الدراسة على منهج "التحليل النقدي للخطاب"، مع التركيز على المصادر الأولية والثانوية الصادرة عن المؤسسات العسكرية والبحثية الغربية والإسرائيلية، الهدف ليس فقط رفض فرضية "إسقاط النظام بالقوة الجوية" فحسب، انما إظهار تهافت هذه النظرية حتى بمعايير اصحابها، إن هذه المنهجية تقوم على عدة أركان:
١-القراءة التفكيكية للمصادر العسكرية: سيتم إجراء قراءة معمقة لمقال الجنرال الإسرائيلي المتقاعد يتسحاق بريك، الذي نُشر في صحيفة “هآرتس” في يناير 2026. هذا المقال يُعد وثيقة مركزية لأنه يمثل نقدًا ذاتيًا صادرًا من شخصية قضت عقودًا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، سيتم تفكيك حججه وإظهار كيف أن منطقه الداخلي يقوض بالكامل سردية "الحسم" التي يروج لها المستوى السياسي.
2- تحليل تقارير مراكز الفكر: سيتم تحليل التقارير والتقديرات الصادرة حديثًا عن مراكز أبحاث استراتيجية وازنة مثل “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS) و"معهد دراسات الأمن القومي" (INSS) في تل أبيب، هذه التقارير، رغم أنها قد تنطلق من فرضيات داعمة للهيمنة الأمريكية، إلا أنها غالبًا ما تحتوي على تحليلات رصينة تكشف عن المخاطر الهائلة والتكاليف الباهظة والتناقضات الكامنة في خيار الضربة العسكرية.
٣-المقارنة التاريخية النقدية: سيتم ربط النقاش الحالي حول إيران بسجل التدخلات العسكرية السابقة، خاصة في العراق وليبيا، سيتم استخدام دراسات وتقارير تقييمية، مثل تلك الصادرة عن "معهد كاتو"، لإبراز الأنماط المتكررة للفشل: من تفكك الدولة، إلى اندلاع الحرب الأهلية، وتدهور حقوق الإنسان، وكلها نتائج تتناقض مع الأهداف المعلنة للتدخل.
من خلال هذه المنهجية، تسعى الدراسة إلى تجاوز الاستقطاب المبسط بين "مع" و"ضد" الضربة، لتقدم تحليلًا أعمق يكشف عن أن "إسقاط الأنظمة بالقوة الجوية" هو وهم، وخطأ في التقدير، إضافة لكونه عرضا لأزمة عميقة في الفكر الاستراتيجي الغربي، الذي لا يزال أسيرًا لمنطق القوة الغاشمة في عالم يتغير ويتعقد.
تحليل خطاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الجنرال بريك نموذجا
في قلب النقاش الدائر في إسرائيل حول ضربة محتملة لإيران، يبرز مقال الجنرال المتقاعد يتسحاق بريك، الذي شغل سابقًا منصب مفوض شكاوى الجنود، كوثيقة استثنائية بالغة الدلالة، أهمية هذا النص لا تنبع فقط من محتواه النقدي الحاد، بل من هوية كاتبه؛ فهو ليس ناشط سلام أو أكاديمي معارض، بل هو شخصية من قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وقد أمضى حياته في خدمة الجيش الاحتلال الإسرائيلي، مقاله، الذي نُشر في صحيفة "هآرتس" تحت عنوان "من أين تأتي الغطرسة للادعاء بأن القصف الإسرائيلي سيسقط نظام إيران؟"، يقدم تفكيكًا قاسيًا ومنهجيًا لأوهام القوة التي يروج لها القادة السياسيون والعسكريون في تل أبيب [5].
الإقرار الصريح بفشل "الحسم" في الساحات الاصغر
ينطلق بريك من حجة بسيطة ومنطقية، لكنها تنسف سردية النصر البسيط والسهل، فهو يضع مرآة أمام قادة جيش الاحتلال ويسألهم: كيف يمكنكم الادعاء بالقدرة على حسم المعركة مع قوة إقليمية كبرى كإيران، بينما فشلتم في تحقيق حسم كامل ضد خصوم أصغر حجمًا وأقل قدرة على حدودكم المباشرة؟ يشير بريك بشكل مباشر إلى تجربتين حديثتين ومؤلمتين للجيش الإسرائيلي:
"لأكثر من عامين، فشل الجيش الإسرائيلي، بكل سلاحه الجوي المجيد وكل المناورة البرية الشديدة في جيش البرّ، في القضاء التام على حماس في قطاع غزة - وهي منطقة محاصرة، أصغر بما لا يُقاس من مساحة إيران… إذا لم يتحقق حسم في مثل هذا الوضع، من أين يستمد هؤلاء المسؤولون الصلافة والغرور ليزعموا أن هجمات جوية فقط ستتمكن من إسقاط نظام دولة إقليمية؟ [5]
هذا الاعتراف بفشل تحقيق "القضاء التام” على حماس، رغم الحصار والتفوق العسكري الساحق، ينسف من الأساس فكرة إمكانية تحقيق نتيجة مماثلة ضد دولة بحجم إيران وقدراتها، يطبق بريك المنطق نفسه على الجبهة الشمالية مع حزب الله، مؤكدًا أنه على الرغم من “عدد لا يحصى من الغارات، والهجمات المركّزة، والعمليات البرية، لا يزال حزب الله قوة كبيرة ومهدِدة" [5]، السؤال الذي يطرحه بريك ضمنيًا هو سؤال عن حدود وقيود القوة العسكرية عموما في مواجهة فواعل ليست دولة متجذرة في بيئتها الاجتماعية والسياسية، إذا كانت القوة العسكرية الإسرائيلية، بكل تفوقها التكنولوجي، عاجزة عن حسم المعركة في غزة ولبنان، فكيف يمكن أن تكون حاسمة ضد دولة مركزية قوية مثل إيران؟
هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية
ينتقل بريك من تحليل الفشل في ساحات القتال الخارجية إلى نقطة الضعف الأكبر في أي سيناريو حرب مع إيران وهي "هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية"، فهو يحذر من أن القادة الذين يروجون للضربة يتجاهلون عمدًا الثمن الباهظ الذي سيدفعه المجتمع الإسرائيلي، يؤكد بريك أن هجومًا إسرائيليًا على إيران "لن يمرّ دون ردّ"، وهذا الرد لن يكون مجرد رد رمزي، بل:
"سيؤدي إلى إطلاق مئات وربما آلاف الصواريخ باتجاه المراكز السكانية. إنها صواريخ بعضها ينقسم ويناور، وهي تقنيات لا يوجد لها استجابة مُحكمة حتى من أحدث أنظمة الدفاع لدينا، مثل هذه الضربة على منطقة غوش دان أو حيفا ستتسبب بكارثة وطنية على نطاق لم نشهد مثله من قبل". [5]
هذا التحذير يكشف عن أن فكرة "الضربة النظيفة" أو "الحرب من بعيد" هي مجرد اوهام، ففي الواقع فان أي هجوم على إيران سوف يحول الجبهة الداخلية في اسرائيل إلى ساحة حرب حقيقية، مع كل ما يعنيه هذا من خسائر مدنية وغير مدنية، ودمار في البنية التحتية، وشلل اقتصادي واجتماعي، إن إقرار جنرال سابق بمثل هذه الصراحة بأن منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تعتبر مفخرة الصناعة العسكرية، ليست منيعة او حصينة وقادرة على التعامل مع التهديد الصاروخي القادم من إيران، ان هذا الإقرار هو بمثابة نسف للثقة التي يحاول المستوى السياسي زرعها في اوساط الجمهور.
يرى بريك أن الخطاب المتعالي والمتكبر حول إسقاط النظام الإيراني ليس يشكل تعبيرًا عن القوة والثقة، إنما عن "انعدام تام للمسؤولية" و"رهانات خطيرة على نفس وجود دولة إسرائيل"، دعوته للقيادة بأن "تعترف بحدودها "هي دعوة للعودة إلى الواقعية الاستراتيجية والتخلي عن الأوهام الملحمية التي قد تقود إلى تراجيديا تاريخية [5]، إن تحليل بريك، القادم من قلب المؤسسة الصهيونية، يقدم أقوى حجة ضد خيار الضربة العسكرية، لأنه يكشف أنها ليست مجرد خيار سيء، بل هي وصفة لكارثة محققة،وفقا لتعبيرات بريك.
من "إسقاط النظام إلى إدارة المخاطر، التقديرات الأميركية والغربية
لا يقتصر التشكيك في جدوى ضربة عسكرية على الأصوات النقدية داخل إسرائيل، بل يمتد إلى قلب المؤسسات البحثية والاستراتيجية في واشنطن، فعلى الرغم من الخطاب التصعيدي الذي يتبناه بعض السياسيين، تُظهر القراءة المتأنية للتحليلات الصادرة عن مراكز الفكر الأمريكية الأكثر توازنا تحولًا واضحًا في المقاربة: من الحلم بتغيير سريع للنظام إلى إدراك واقعي للمخاطر الكبيرة والتحول نحو منطق "إدارة المخاطر" و"الاحتواء" بدلاً من "الحسم".
محدودية القوة الجوية في تحقيق أهداف سياسية
يقدم تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، وهو أحد أبرز مراكز الفكر في واشنطن، تقييمًا متزنًا يقر بحدود القوة الجوية، يؤكد التحليل أن التاريخ العسكري حافل بالأمثلة التي تظهر أن "القوة الجوية وحدها أثبتت أنها أداة غير مثالية لفرض سلوك معين" [1]، ويشير التقرير إلى سجل طويل من التدخلات الجوية، من لاوس إلى ليبيا والعراق، التي فشلت في تحقيق أهدافها السياسية النهائية، حتى في الحالات التي أدت فيها الضربات إلى إضعاف قدرات عسكرية، فإنها لم تنجح في فرض تغيير سياسي مستدام أو منع الأنظمة من الاستمرار في سياساتها.
يطرح التقرير فكرة مثيرة للاهتمام، وهي أن الضربات الجوية قد تكون فعالة فقط إذا كان النظام المستهدف على حافة الانهيار بالفعل، في هذه الحالة، يمكن أن تكون الضربة بمثابة "دفعة" أخيرة تسرّع السقوط، ومع ذلك، يحذر التقرير من أن هذا السيناريو محفوف بالمخاطر وغير مضمون على الإطلاق. والأهم من ذلك، أنه يطرح السؤال الحاسم: "ماذا يأتي بعد ذلك؟"، القوة الجوية، بطبيعتها، لا تقدم إجابة لهذا السؤال. إنها تترك فراغًا في السلطة قد تملؤه الفوضى والحرب الأهلية، وهو ما حدث بالفعل في ليبيا بعد تدخل الناتو عام 2011، وترى الدراسة أنه في الحالة الإيرانية فقد ترتفع احتمالات نجاح الضربات الجوية في إسقاط النظام في حالة واحدة مركزية وهي: نجاح هذه الضربات في القضاء على القيادة الإيرانية وتحديدا مرشد الثورة علي خامنئي، كشخصية مركزية تعتبر حجر الزاوية في النظام الإيراني.
سيناريوهات التصعيد وغياب الإجماع
يكشف تحليل معهد دراسات الأمن القومي (INSS) وهو المؤسسة البحثية الأشهر في دولة الاحتلال الإسرائيلي، والذي يتابع عن كثب المواقف الأمريكية، عن غياب إجماع حقيقي في واشنطن حول طبيعة الضربة وشكلها. يطرح المعهد عدة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين "ضربة رمزية" تهدف فقط إلى حفظ ماء الوجه، و"ضربة تهدف إلى تقويض النظام "تستهدف الحرس الثوري والباسيج، و"ضربات مكثفة" ضد أهداف عسكرية [6]، هذا التعدد في السيناريوهات يعكس في حد ذاته حالة من التخبط وعدم اليقين حول الهدف الحقيقي للعملية والنتائج المرجوة منها، وقد يكون هذا هو السبب المركزي للتأخير الضربة.
الأهم من ذلك، أن التحليل يقر بأن أي ضربة أمريكية ستواجه برد إيراني محتمل، مما يفتح الباب أمام دوامة من التصعيد يصعب السيطرة عليها، تتضمن سيناريوهات الرد الإيراني المحتملة، بحسب المعهد، هجمات على القواعد الأمريكية في الخليج، أو هجوم مباشر على إسرائيل، أو حتى محاولة إغلاق مضيق هرمز، وهو ما من شأنه أن يحدث صدمة للاقتصاد العالمي [6]، هذا الإقرار بأن الرد الإيراني لن يكون رمزيًا ينفي تمامًا فرضية "الضربة النظيفة" ويؤكد أن أي عمل عسكري سيكون له تكلفة باهظة على كافة المستويات، دوليا وإقليما.
تاريخيا: تغيير الأنظمة يؤدي إلى الفوضى
تقدم الأدبيات البحثية، مثل دراسة معهد كاتو حول فشل عمليات تغيير الأنظمة، دروسًا تاريخية قاسية تدعم الموقف الحذر، حيث تظهر الدراسة أن النتيجة الأكثر تكرارًا للتدخلات العسكرية التي تهدف إلى تغيير الأنظمة لا تكون في العادة: الديمقراطية والاستقرار، بل "زيادة احتمالية الحرب الأهلية" [7]، وتشير الدراسة إلى أنه "فيما يقرب من 40 في المئة من حالات تغيير النظام السري التي تم تنفيذها خلال الحرب الباردة، اندلعت حرب أهلية في غضون 10 سنوات من العملية" [7].
تفسر الدراسة هذه النتيجة بأن التدخل الخارجي يضعف مؤسسات الدولة القائمة ويخلق فراغًا في السلطة، مما يسمح للجماعات المتمردة بالنمو، كما أن القادة الذين يتم تنصيبهم من قبل قوة خارجية يفتقرون إلى الشرعية في عيون شعبهم، مما يؤجج المقاومة والعنف، حالات العراق وأفغانستان وليبيا هي أمثلة حديثة وواضحة على هذه العملية، حيث أدت التدخلات التي وعدت بالتحرير إلى تفكك الدولة، وصعود العنف، وأزمات إنسانية كبرى.
إن هذا التحول في الخطاب الغربي، من اليقين المبالغ فيه بالقوة إلى الاعتراف بالمخاطر والتعقيدات، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأدوات العسكرية التقليدية لم تعد قادرة على تحقيق نتائج سياسية قابلة للاستدامة في القرن الحادي والعشرين، إن وهم "إسقاط النظام" من الجو يصطدم بحقيقة أن الأنظمة السياسية الحديثة، حتى الاستبدادية منها، هي بنى اجتماعية وفكرية معقدة وعميقة ولا يمكن تفكيكها بقوة القنابل والسلاح.
حدود القوة ومنطق التدخل؟
يكشف التحليل السابق، سواء من خلال النقد الذاتي داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أو التقييمات الحذرة في واشنطن، عن إشكالية أساسية تتجاوز المسائل التقنية والتكتيكية، فالسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت القنابل قادرة على تدمير أهداف معينة، بل ما إذا كانت القوة العسكرية قادرة على إنتاج نتائج سياسية إيجابية ومستدامة، وهنا، يقدم التاريخ دروسًا واضحة لا يمكن تجاوزها.
من فيتنام إلى ليبيا، سجل الفشل الحافل.
إن وهم تحقيق النصر السريع والنظيف من خلال القوة الجوية ليس جديدًا، لقد كان هذا الوهم هو المحرك لبعض أكبر الإخفاقات الاستراتيجية في التاريخ الحديث، تقدم الحملة الجوية الأمريكية في فيتنام، المعروفة باسم "عملية الرعد المتدحرج" بين الأعوام 1965 و1968، مثالًا واضحا على الرغم من إلقاء ملايين الأطنان من القنابل، فشلت الولايات المتحدة في كسر إرادة فيتنام الشمالية أو وقف دعمها للثوار في الجنوب، وبدلاً من ذلك، أدت الحملة إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين والأبرياء وعززت المقاومة الوطنية الفيتنامية.
في العقود الأخيرة، تكرر هذا النمط بصورة أشد، ففي عام 2003، تم تبرير غزو العراق بوعود "الصدمة والرعب" (Shock and Awe)، وهي حملة جوية كان من المفترض أن تؤدي إلى انهيار سريع لنظام صدام حسين، وبالفعل، انهار النظام، لكن ما تلا ذلك لم يكن الديمقراطية التي وعد بها المحافظون الجدد، بل كان عقدًا من الفوضى، والحرب الأهلية الطائفية، وصعود تنظيم القاعدة ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لقد دمرت القوة الجوية الدولة العراقية، لكنها لم تستطع بناء دولة جديدة شرعية ومستقرة.
تعتبر حالة ليبيا في عام 2011 هي المثال الأكثر صلة. فقد تم تبرير التدخل الجوي لحلف الناتو بأهداف إنسانية، وهي "حماية المدنيين" في بنغازي، لكن سرعان ما تحول التدخل إلى عملية لتغيير النظام، وبلغ ذروته بمقتل الرئيس معمر القذافي، فماذا كانت النتيجة؟ انهيار كامل للدولة الليبية، وانتشار الأسلحة في جميع أنحاء المنطقة، وتحول البلاد إلى ساحة حرب بالوكالة بين الميليشيات المتناحرة، وكما تشير دراسة معهد كاتو، فإن التدخلات التي تهدف إلى تغيير النظام غالبًا ما تؤدي إلى "تدهور حالة حقوق الإنسان" و"مستويات أعلى من الإرهاب المحلي" [7]، ليبيا اليوم هي شاهد حي على أن القصف يمكن أن يطيح بديكتاتور، لكنه لا يستطيع أن يحل محله نظامًا أفضل.
الأسئلة الأخلاقية والسياسية
إن هذا السجل الحافل بالفشل يطرح العديد من الأسئلة السياسية والأخلاقية العميقة والتي تتجاوز النقاش الاستراتيجي:
-1 من يملك شرعية تغيير الأنظمة؟ في ظل القانون الدولي المعاصر، فإن مبدأ السيادة الوطنية هو الأساس، لا تملك أي دولة، مهما كانت قوية، الحق في تحديد طبيعة نظام الحكم في دولة أخرى، إن الادعاء بامتلاك هذا الحق هو عودة إلى منطق الإمبراطوريات والاستعمار، وهو يقوض أسس النظام الدولي القائم على ميثاق الأمم المتحدة., ويبدو بأن الرئيس ترامب وتحديدا بعد اختطاف الرئيس مادورو، فنزويلا، يسير بهذا الاتجاه الخاطئ.
-2 هل تُنتج القوة العسكرية ديمقراطية حقيقية وعادلة أم فوضى وعنف؟ التاريخ يظهر، بان الديمقراطية، أو التغيير الإيجابي في نظام الحكم لا يمكن أن يتم فرضه عبر المدافع أو من خلال قنابل تسقط من ارتفاع 30 ألف قدم. إن بناء المؤسسات الديمقراطية هو عملية داخلية معقدة وطويلة، تتطلب توافقًا مجتمعيًا ومشاركة شعبية. وأكثر من ذلك فإن التدخل الخارجي، وخاصة العسكري الغليظ، غالبًا ما يقطع هذه العملية يشوش عليها ويؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يدمر النسيج الاجتماعي ويفاقم الانقسامات.
-3 لماذا يُحرَم شعب كالإيرانيين من حق تقرير مصيرهم؟ إن الخطاب الذي يبرر التدخل بذريعة "مساعدة الشعب الإيراني” هو خطاب متعالٍ و وصائي، سخيف ومكشوف، فهو يفترض بان الشعب الإيراني، بتاريخه السياسي والثقافي العريق، عاجز عن تحديد مستقبله بنفسه، وأنه بحاجة إلى "منقذ" من الخارج، وفي هذه الحالة الرئيس ترامب، إن هذا المنطق المرفوض لا يتجاهل قدرة الإيرانيين على النضال من أجل حقوقهم فحسب، بل يستخدم معاناتهم كذريعة لتحقيق أهداف جيوسياسية، في الحقيقة أن أي تغيير جدي ومفيد ومستدام في إيران يجب أن ينبع من الداخل، من خلال إرادة الشعب الإيراني نفسه، لا من خلال أسلحة ومدافع أجنبية.
تعيد الإجابة على هذه الأسئلة النقاش إلى طبيعته الجوهرية وهي: الصراع التناقض الجوهري بين منطقين: بين منطق الهيمنة والتدخل بإشكاله الخشنة والناعمة، والذي يرى في القوة العسكرية حلاً لكل المشاكل، وبين منطق السيادة وحق الشعوب في تقرير المصير، والذي يؤمن بقدرة الشعوب على صنع مستقبلها، ليست الضربة المتوقعة ضد إيران مجرد عملية عسكرية بحتة، بل هي اختبار حقيقي لهذين المنطقين المتناقضين.
الخاتمة: تخلص هذه الدراسة إلى أن العودة المتكررة لخيار الضربة العسكرية ضد إيران ليست تعبيرًا عن القوة والثقة، بل على العكس من ذلك، فهي أحد أهم أعراض الأزمة العميقة التي تواجها أمريكا في طريقها للهيمنة التقليدية على العالم، فهي تستخدم التهديد بالقوة الغاشمة كحل الاخير واعتراف ضمني بالإفلاس الإستراتيجي بعد ان فشلت الحرب الناعمة والعقوبات الاقتصادية والضغوطات الدبلوماسية في تحقيق أهداف الهيمنة.
تنبع خطورة التوهم بإمكانية إسقاط الأنظمة بضربات الجوية من تجاهل الطبيعة المركبة للمجتمعات الإنسانية والمعاني، وللسياسة في العصر الحديث، القنابل قد تدمر المباني والمنشآت، ولكنها لا تستطيع أن تدمر الأفكار والمعاني والأيديولوجيات، عدا النسيج والولاءات الاجتماعية، إن أصرار الرئيس الأمريكي ترامب على القيام بضرب عسكرية ضد إيران يهدد بضرب مصالح المنطقة والعالم.
لا يمكن تجاهل التجربة الفلسطينية مع الاحتلال العسكري الإسرائيلي عن هذا النقاش، المنطق الذي يقف خلفه تدمير الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بحجة الأمن والاستقرار هو نفسه المنطق الذي يهدد إيران بتدمير بحجة منع الانتشار النووي، ففي الحالتين يستخدم منطق القنابل لسحق مبادئ السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتعزيز منطق الهيمنة والسيطرة بالقوة الغاشمة.
الهوامش
[1]: Swope, Chris. “Would Air Strikes Against Iran Work?” Center for Strategic and International Studies (CSIS), January 13, 2026. https://www.csis.org/analysis/would-air-strikes-against-iran-work.
[2]: Cox, Robert W. “Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory.” Millennium: Journal of International Studies 10, no. 2 (1981): 126–55.
[3]: Walt, Stephen M. The Hell of Good Intentions: America’s Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2018.
[4]: Pape, Robert A. Bombing to Win: Air Power and Coercion in War. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1996.
[5]: بريك، يتسحاق. “من أين يأتي هذا الغرور في الادعاء بأن القصف ‘الإسرائيلي’ سيُسقط إيران”. موقع العهد الإخباري، 19 يناير 2026. https://alahednews.news/article.php?id=92684.
[6]: Ben Sasson-Gordis, Ayelet, Joseph R. Weinberg, Sarah Shine, and Danny Citrinowicz. “Strategic Assessment: Scenarios for US Intervention in the Unrest in Iran and Possible Iranian Responses.” The Institute for National Security Studies (INSS), January 19, 2026. https://www.inss.org.il/publication/iran-usa-protests/.
[7]: Denison, Benjamin. “The More Things Change, the More They Stay the Same: The Failure of Regime-Change Operations.” Cato Institute, January 6, 2020. https://www.cato.org/policy-analysis/more-things-change-more-they-stay-same-failure-regime-change-operations.
قائمة المراجع
Ben Sasson-Gordis, Ayelet, Joseph R. Weinberg, Sarah Shine, and Danny Citrinowicz. “Strategic Assessment: Scenarios for US Intervention in the Unrest in Iran and Possible Iranian Responses.” The Institute for National Security Studies (INSS), January 19, 2026. https://www.inss.org.il/publication/iran-usa-protests/.
Biddle, Stephen. Military Power: Explaining Victory and Defeat in Modern Battle. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004.
Cox, Robert W. “Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory.” Millennium: Journal of International Studies 10, no. 2 (1981): 126–55.
Denison, Benjamin. “The More Things Change, the More They Stay the Same: The Failure of Regime-Change Operations.” Cato Institute, January 6, 2020. https://www.cato.org/policy-analysis/more-things-change-more-they-stay-same-failure-regime-change-operations.
Pape, Robert A. Bombing to Win: Air Power and Coercion in War. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1996.
Pape, Robert A. Cutting the Fuse: The Explosion of Global Suicide Terrorism and How to Stop It. Chicago: University of Chicago Press, 2010.
Swope, Chris. “Would Air Strikes Against Iran Work?” Center for Strategic and International Studies (CSIS), January 13, 2026. https://www.csis.org/analysis/would-air-strikes-against-iran-work.
Walt, Stephen M. The Hell of Good Intentions: America’s Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2018.
بريك، يتسحاق. “من أين يأتي هذا الغرور في الادعاء بأن القصف ‘الإسرائيلي’ سيُسقط إيران”. موقع العهد الإخباري، 19 يناير 2026. https://alahednews.news/article.php?id=92684.