عاموس هرئيل
ترجمة حضارات
أكمل جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأيام الأخيرة معظم استعداداته لاحتمال تنفيذ الولايات المتحدة هجومًا على إيران في الفترة القريبة، سلاح الجو، قيادة الجبهة الداخلية، وحدات الاستخبارات، وأنظمة أخرى وُضعت في حالة تأهب مرتفعة، لكن حالة الغموض ما زالت كبيرة، في إسرائيل يقدّرون أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى هجوم جوي واسع على إيران، على أمل أن يقود ذلك إلى سلسلة أحداث تنتهي بانهيار النظام.
هذا خلفية الجهد الأميركي المتوال لحشد قوات في منطقة الخليج العربي، لكن على الأقل في المستويات المهنية، لا يوجد تأكيد بشأن طبيعة القرار النهائي (ومن الممكن أن يكون ترامب قد كشف تفاصيل أكثر خلال محادثاته مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو)، الدور إسرائيل غير واح في المواجهة، ولا كيف يعتقد ترامب أنه سيتمكن من إحداث تغيير في الحكم بطهران، وهو هدف يصعب للغاية تحقيقه عبر عملية جوية قصيرة.
التقدير الأساسي في كل ما يتعلق بترامب يجب أن ينطلق من أن خطواته صعبة التوقع، متقلبة، وقد تتضمن كما حدث قبل ساعات قليلة من الهجوم الإسرائيلي على إيران في حزيران 2025، إجراءات تضليل وخداع متعمدة. ففي مؤتمر دافوس أمس، قال ترامب إن “الإيرانيين يريدون التفاوض وسنتفاوض”، ومع ذلك، يتكوّن الانطباع بأن النظام في طهران تحدّى الرئيس الأميركي، سواء عبر المجزرة الواسعة بحق المتظاهرين أو من خلال تهديدات صريحة على حياته، وأن ترامب سيجد صعوبة في ضبط النفس تجاه ذلك على المدى الطويل.
يتداول في الإعلام الأميركي في اليومين الماضيين عن تحويل مجموعات مهام بحرية، بينها حاملة الطائرات “لينكولن”، إلى منطقة الخليج؛ وعن وصول طائرات مقاتلة إلى قواعد في الشرق الأوسط؛ وعن تقديم طائرات تزويد بالوقود من الولايات المتحدة إلى أوروبا، أقرب إلى الخليج، ووفق التقارير، طالب ترامب مخططيه العسكريين بـ“خيارات حاسمة” ضد إيران، بينما يتبادل التهديدات مع كبار مسؤولي النظام الإيراني. في إسرائيل، رُفعت حالة التأهب، أما رئيس الأركان إيال زامير، فقد زار قبل يومين قاعدة نيفاتيم الجوية في النقب، – حيث استُلم هذا الأسبوع ثلاثة مقاتلات F-35 (“أدير”) جديدة –، وأعلن زامير أن الجيش مستعد لسيناريوهات مختلفة وجاهز لتطبيق الخبرة العملياتية التي اكتسبها في المواجهة السابقة مع إيران.
وفق تصريحات ترامب العلنية وتفسيرات الصحافة الأميركية، إذا تقرر تنفيذ الهجوم فسيكون قصيرًا نسبيًا، ويُنفَّذ في معظمه من الجو، إلى جانب هجمات سيبرانية محتملة و“عمليات تأثير” هدفها تقويض معنويات النظام، وقد يشمل ذلك سلسلة اغتيالات (ترامب يهدد صراحة باستهداف المرشد الأعلى علي خامنئي)، وضرب قواعد وسلاسل القيادة للقوات التي يستخدمها النظام لقمع الاحتجاجات، الباسيج والحرس الثوري، ويمكن لإسرائيل أن تسهم في الغطاء لهذه الضربات، وهي لا تُخفي رغبتها في العودة إلى استهداف خطوط إنتاج الصواريخ الباليستية الإيرانية التي عادت للعمل المكثف في الأشهر الأخيرة.
مسؤولون إسرائيليون كبار، بمن فيهم نتنياهو، يتجنبون التصريحات بشأن التوتر، وذلك بتوجيه مباشر من نتنياهو، في هذه المرحلة، تكاد إسرائيل لا تهدد إيران، بخلاف الأشهر التي سبقت الهجوم السابق، في المقابل، هدّد متحدثون إيرانيون بالفعل بضرب إسرائيل وحلفاء آخرين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بغض النظر عن مدى تورطهم المباشر في الخطوات الأميركية.
السؤال المركزي: ما الذي تستطيع الولايات المتحدة فعله فعليًا ليؤدي إلى سقوط النظام، وهو الهدف الظاهر من تهديدات ترامب؟ من المرجح أن مخططي البنتاغون أشاروا إلى صعوبة ذلك أمام ترامب، لكن من المشكوك فيه أن يكون الرئيس يصغي إليهم.
من المنظور الإسرائيلي، تبرز ثلاث مسائل رئيسية إذا كان ترامب مصممًا على الهجوم:
هل ستكون إسرائيل متورطة، عبر تزويد معلومات استخبارية أو حتى تنفيذ ضربات مباشرة، في المرحلة الافتتاحية الأميركية؟
كيف سترد إيران على إسرائيل إذا كان التحرك أميركيًا بحتًا؟
واللغز الأكبر: ما الذي تستطيع الولايات المتحدة فعله حقًا لإسقاط النظام؟
الاحتجاجات الأخيرة في إيران اندلعت في أواخر كانون الأول/ديسمبر، وانتشرت بسرعة من مظاهرات ضد غلاء المعيشة إلى حركة واسعة طالبت بإسقاط فوري للحكم، لكن النظام استطاع قمع الاحتجاجات في غضون أسبوعين، باستخدام أعنف الوسائل التي لم يستخدمها من قبل، أخمد الاحتجاجات خلال ما يزيد قليلًا على أسبوعين، تقديرات الضحايا غير موثوقة تمامًا، لكن أدنى تقدير نُشر يتحدث عن أكثر من 5000 قتيل.
لا أحد يستطيع تقدير مدى فاعلية الخطوات الهجومية بدقة، خاصة أن ترامب يفضّل حلول “الضربة السريعة وتنتهي” على الحملات الطويلة. في حزيران/يونيو، حين هاجمت الولايات المتحدة منشأة فوردو النووية بعد الضربة الإسرائيلية، ادعى ترامب تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، كان ذلك غير صحيح، لكن كان من الصعب دحضه بشكل قاطع. إسقاط نظام مسألة مختلفة تمامًا، وهو ما يعرفه نتنياهو الذي فشل فشلًا كاملًا في إسقاط حكم حماس في قطاع غزة.
في الوقت نفسه، يقود ترامب تحركات معقدة، وأحيانًا متناقضة، في ساحات متعددة (إيران، غزة، غرينلاند، أوكرانيا، الصين–تايوان، وغيرها)، في الخلفية، يخوض صراعًا على مكانة الولايات المتحدة في المنافسة بين القوى العظمى على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا، أمس بدا أنه خفف تهديداته بشأن غرينلاند واستعد لتسوية تمنحه جزءًا فقط مما يريد، فهل سيدفعه هذا إلى نهج أكثر تشددًا تجاه إيران؟ أم أن قناة المفاوضات بين مبعوثه ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ستنتج اتفاقًا نوويًا جديدًا يقيّد طموحات إيران على المدى الطويل؟
في حسابات نتنياهو تتداخل الاعتبارات الأمنية مع دوافع سياسية ومسعى للبقاء الشخصي، منذ أشهر طويلة تبدو خطواته في المنطقة كأنها لعبة بوكر على رهانات عالية ومخاطر جسيمة، تجديد المواجهة مع إيران قد يؤثر على المزاج العام، وتوقيت الانتخابات المقبلة، والقضايا التي ستتصدرها.
ما يجب على رئيس الوزراء أخذه بالحسبان إذا قرر التدخل هو تهديد الجبهة الداخلية، ففي حزيران الماضي، دافعت عن إسرائيل منظومة اعتراض متعددة الطبقات شملت بطاريات إسرائيلية وأميركية، لكن نهاية الحرب الأخيرة كانت قاتمة. الإيرانيون، بدافع اليأس، توقفوا عن استهداف مواقع عسكرية أو استراتيجية بعد فشل معظم تلك الضربات، وانتقلوا إلى إطلاق وابل صواريخ على مراكز المدن الكبرى على أمل إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.
وصل عدد القتلى الإسرائيليين لـ ٣٠ - أقل من تقديرات المؤسسة الأمنية- لكن الأضرار كانت ملموسة، الآثار النفسية لتلك التجربة حاضرة بوضوح في الأسابيع الأخيرة، مع تصاعد قلق الجمهور من تجدد القصف، وهذا هو الخلفية لادعاء النظام الإيراني المبالغ فيه بأنه انتصر فعليًا في الجولة الأخيرة، وأن إسرائيل هي من طلبت وقف النار.
ضجيج مكتوم
في الأسابيع الأخيرة بدأ ترميم بيوت الأطفال في كيبوتس كفار عزة، التي تضررت خلال المجزرة التي قُتل فيها 64 من سكان الكيبوتس وخُطف 19 (كما قُتل 20 جنديًا خلال المعركة على الكيبوتس، ولاحقًا قُتل 20 جنديًا آخرين)، ورغم زخم البناء والترميم، لا تزال آثار الدمار والقتل واضحة في كل مكان. بعض السكان عادوا، لكن الغالبية ما تزال مشتتة، والعودة المنظمة لن تبدأ قبل الصيف المقبل.
إلى جانب بعض الأمل الذي بعثته جهود الإعمار، برز خلال لقاءات مع سكان الكيبوتس غضبًا عميقًا وشعورًا بالخيانة وفقدانًا للثقة بالجيش كمؤسسة، لا بالمقاتلين أنفسهم، الرسالة المتكررة كانت واضحة: الثقة فُقدت، وترميمها مرهون بالصدق والشفافية والاستعداد لأسوأ السيناريوهات.
بعد يومين من جولة الضباط في الغلاف، دشّن ترامب في دافوس “مجلس السلام” الذي أنشأه، تصريحاته قدّمت لأول مرة صورة عن جهود الإدارة الأميركية لتنظيم “اليوم التالي” في غزة.
الخلاصة: قطار ترامب غادر المحطة، وعلى عكس التنسيق الوثيق مع نتنياهو بشأن إيران، فإن نفوذ رئيس الوزراء في ملف غزة يبدو محدودًا.
ترامب وعد في دافوس بنزع سلاح حماس خلال أسابيع، وهدد بتدميرها إن رفضت، وفي الوقت نفسه، تقرر فتح معبر رفح بمشاركة السلطة الفلسطينية، نتنياهو أعلن انضمام إسرائيل إلى مجلس السلام، ووعد بعدم وجود قوات قطرية أو تركية في غزة، مع أن هذه الدول لا ترغب بإرسال جنود بل مهندسين وأموال، الخشية في غلاف غزة أن تتكامل هذه الخطوات مع تعافي حماس، وإعادة بناء قدراتها العسكرية على مسافة كيلومترات قليلة من البلدات الإسرائيلية.
الخاتمة
رئيس الأركان يختار معاركه، لكن عليه أن يتذكر: هذه هي الحكومة التي طلبت تعيينه، لا العكس. وإلا فقد يجد نفسه وقد تنازل في معركة، لكنه خسر الحرب.