آليات التهميش وتفكيك خطاب الإبادة الجماعية في السياق الفلسطيني

إسراء محمد عبد الحافظ

كاتبة صحفية وسياسية

المقال الثامن: المجتمع المدني المصري والقضية الفلسطينية: تاريخ من التوتر والانفصام

بقلم/ إسراء عبد الحافظ 

تبدو آليات التهميش واضحة في تحليل خطاب المنظمات المصرية حول غزة، والذي يتراوح بين التركيز على المعاناة الإنسانية وتجنب توصيف الإبادة الجماعية، إذ تتبنى المنظمات المصرية الحقوقية والإعلامية غالباً خطاباً يركز على البعد الإنساني للأزمة في غزة، مع تجنب استخدام مصطلحات قانونية محددة مثل "الإبادة الجماعية" أو "التطهير العرقي".

ويمكن تحليل هذا التوجه عبر عدة محاور، يأتي في مقدمتها هيمنة الخطاب الإنساني، حيث تُقدم المعاناة عبر إطار يركز على ضحايا المدنيين والأطفال والنساء، والدمار الهائل للبنى التحتية والمستشفيات والمدارس، والأزمة الإنسانية المتمثلة في نقص الغذاء والماء والدواء، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني بشكل عام، وذلك كله مع تجنب التوصيفات القانونية المحددة.

وعادةً ما يتم استخدام مصطلحات مثل "جرائم حرب بدلاً من "إبادة جماعية"، و"انتهاكات جسيمة" بدلاً من "جرائم ضد الإنسانية"، و"عنف ممنهج" بدلاً من "تطهير عرقي"، ووراء هذا النهج دوافع متعددة تشمل مراعاة الاعتبارات السياسية الرسمية والعلاقات الدولية، والقيود المفروضة على عمل منظمات المجتمع المدني، والتقليد الإعلامي الذي يفضل "الموضوعية" و"التوازن"، بالإضافة إلى الخوف من اتهامات معاداة السامية أو فقدان المصداقية الدولية.

وتتضح الفجوة أكثر عند إجراء مقارنة بين خطاب منظمات حقوقية محلية ودولية في توصيف أحداث غزة، فالمنظمات المحلية الفلسطينية والإقليمية تستخدم مصطلحات أكثر حدة مثل "المحرقة" أو "الإبادة"، وتربط الأحداث بالسياق التاريخي للصراع والنكبة المستمرة، كما تؤكد على البعد الاستعماري والاحتلالي للأزمة، وتوثّق الانتهاكات بشكل مباشر وشخصي، رغم معاناتها من تحديات تتعلق بالمصداقية الدولية والوصول للجمهور العالمي، أما المنظمات الدولية الرئيسية فمواقفها متفاوتة؛ فالأمم المتحدة تستخدم مصطلحات قانونية بحذر، مع إشارات إلى "مؤشرات إبادة جماعية" أو "خطاب يحض على الكراهية".

في حين تستخدم منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش مصطلحات "جرائم حرب" و"جرائم ضد الإنسانية" بشكل متكرر، مع تحفظ في استخدام "إبادة جماعية"، وتركز اللجنة الدولية للصليب الأحمر على القانون الإنساني الدولي مع تجنب التوصيفات السياسية، ويظل خطاب المنظمات الأكاديمية والمجتمع المدني الغربي منقسماً بين من يؤيد استخدام مصطلح "إبادة جماعية" استناداً لاتفاقية 1948، وآخرون يفضلون مصطلحات مثل "العنف الاستعماري".

ويرتبط تبنّي مصطلحات حقوقية محددة بتأثير مجموعة معقدة من العوامل القانونية والسياسية والتمويلية، فمن العوامل القانونية صعوبة إثبات "نية الإبادة" المطلوبة قانونياً لإثبات جريمة الإبادة الجماعية، والبطء الشديد في آليات المحاكم الدولية، والتحديات الإجرائية في جمع الأدلة في مناطق الحرب، والاختلافات في تفسير اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (1948).

أما العوامل السياسية فتعتمد على التوازنات الجيوسياسية والتحالفات الدولية، والخوف من تأثير التوصيفات على عملية السلام المفترضة، والضغوط الدبلوماسية من دول مؤثرة، واعتبارات العلاقات مع إسرائيل وحلفائها.

وتعمل آليات تهميش متعددة في إطار الخطاب السائد، منها التجريد من السياق التاريخي عبر عرض الأحداث كصراع معاصر دون جذوره الاستعمارية، وإقامة توازن زائف بمعادلة بين قوة احتلال ومقاومة شعب تحت الاحتلال، وتحويل المعاناة الإنسانية إلى مصطلحات قانونية مجردة، وتأطير الصراع كـ"معقد" مما يبرر عدم اتخاذ مواقف واضحة، وربط النقد بمعاداة السامية مما يخلق بيئة خوف من التوصيف الدقيق.

يمثل تفكيك خطاب الإبادة الجماعية في السياق الفلسطيني حالة دراسية لكيفية تشكيل العوامل السياسية والتمويلية والقانونية للخطاب الحقوقي الدولي، فبينما تتبنى المنظمات المحلية خطاباً أكثر جرأة يعكس المعاناة المباشرة والتاريخ الطويل للصراع، تبقى المنظمات الدولية مقيدة باعتبارات تتجاوز الواقع الميداني، وهذا التفاوت يخلق فجوة بين التجربة المعاشة للفلسطينيين والتمثيل الدولي لمعاناتهم، مما يساهم في استمرار آليات التهميش ويؤخر الاستجابة الدولية الفعالة، ويتطلب تجاوز هذا الواقع إعادة النظر في هياكل صناعة الخطاب الحقوقي الدولي وآليات صنع المصطلحات، التي غالباً ما تخدم القوى المهيمنة أكثر مما تخدم الضحايا.

أما على صعيد تجاوز القيود، فقد ظهرت أشكال مقاومة بديلة في السياق المصري الفلسطيني، ففي إطار المبادرات الشعبية غير المؤسسية، شهدت الساحة المصرية تحولاً نوعياً في أشكال التضامن مع القضية الفلسطينية، خاصة بعد العدوان على غزة 2023-2024، حيث ظهرت عدة مبادرات منها حملات المقاطعة التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي مع غياب تام للتنظيم المؤسسي الرسمي، واعتمدت على خطاب أخلاقي يركز على المسؤولية الفردية، وأدوات رقمية لتوثيق المنتجات البديلة، وشبكات تنسيق غير رسمية بين النشطاء.

كما تجاوزت التبرعات الشعبية القنوات الرسمية عبر صناديق خيرية محلية في المساجد والأزهر الشريف لدعم غزة، ومبادرات طبية لتجميع المستلزمات الطبية، وحملات تبرعات عينية تنظمها مجموعات شبابية واللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني. وأصبح الفضاء الرقمي ساحة رئيسية للتضامن رغم القيود، من خلال كسر حظر المحتوى الفلسطيني عبر تقنيات متعددة، وإنشاء منصات بديلة لنشر الأخبار غير الخاضعة للرقابة، وحملات توثيق الانتهاكات عبر مقاطع الفيديو الموثقة.

ولعب دور النقابات المهنية والأطر النقابية المستقلة دوراً وإن كان محدوداً، فقد شهدت نقابات كالمحامين والأطباء والمهندسين تحولات مهمة حيث أصدرت بيانات تضامنية رغم القيود القانونية، ونظمت تبرعات مهنية متخصصة مثل كفالة الأيتام والدعم الطبي، وواجهت ضغوطاً أمنية لمنع تحويلها لمنصات سياسية، كما استغلت المؤسسات المستقلة الناشئة الفضاءات القانونية الضيقة للتعبير عن المواقف، حيث استخدمت الخطاب الحقوقي الدولي كدرع واقٍ، وأنشأت شبكات تضامن عابرة للحدود مع نظيراتها الفلسطينية.

وعبرت التحالفات غير التقليدية عن سيولة في المشهد النضالي، مثل تحالف الحقوقيين والفنانين، حيث استخدم الفنانون أعمالهم كوسيلة تضامن غير مباشرة عبر معارض أعمال والجرافيتي والأغاني وتحالفوا مع نشطاء حقوقيين لتوثيق الانتهاكات، وبرز التقاطع بين القضايا المحلية والفلسطينية، حيث ربط نشطاء حقوق السجناء بين معتقليهم ومعتقلين فلسطينيين، واستخدموا قضية المعتقلين المصريين المناصرين لفلسطين كقضية جسر، وظهر خطاب المقاومة المشتركة ضد أنظمة القمع المتشابهة، وتوسعت شبكات التضامن العابرة للحدود عبر تحالفات غير رسمية مع حركات التضامن العالمية مثل حملة (BDS) وأسطول الحرية العالمي لكسر الحصار، وتبادل الخبرات التقنية في مواجهة الرقابة الإلكترونية، واستخدام المنابر الدولية الموازية كمؤتمرات خارج مصر.

للتذكير، هذا هو المقال الثامن من سلسلة "المجتمع المدني المصري والقضية الفلسطينية"، المقال القادم: السيناريوهات المستقبلية واستعادة الدور الريادي.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025