حينَ يُعتقَلُ العقلُ الفلسطينيُّ: الأسرى الصحافةُ وإعادةُ هندسةِ الضفّةِ الغربيّةِ

تشهد الحالة الفلسطينية تحوّلًا دراماتيكيًا مرعبًا، لا يُدار من خلف الستار بل يُنفَّذ بوقاحة سياسية كاملة، تقوده الولايات المتحدة عبر بلطجتها الدبلوماسية، وبشراكة فاضحة مع نظام إقليمي عربي وظيفي، وبأدوات تنفيذية مباشرة من حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، مشروع شامل لمسح الهوية الفلسطينية، وتحويل الشعب الفلسطيني بأكمله إلى شعبٍ مطارد، مُستباح، قابل للتصفية، ودفعه إلى العدمية القاتلة التي لا تترك له خيارًا سوى التهجير.  

يجري هذا كله تحت اللافتة الخادعة لما يُسمّى “مشروع السلام” أو “مجلس السلام”، الذي يُعاد إنتاجه على مرحلتين: مجلسٌ لغزّة يُستكمَل به القضاء على ما تبقّى من الوجود، ومجلسٌ للضفّة الغربية يُهمَّش فيه الكيان الفلسطيني، وتُبنى هيمنة إسرائيلية جديدة تُلغي الهوية وتفرغ الأرض من معناها.

وبين هذا الركام من الملفات الكارثية، يبرز ملف الأسرى كأداة قهر قصوى، تحوّل إلى نظام تعذيب وإبادة صامتة يفوق في رعبه صيدنايا وغوانتانامو، حيث لم يعد السجن مكان احتجاز، بل مسلخًا سياسيًا لإعدام الإنسان الفلسطيني على مهل.

في هذه المقالة نسلّط الضوء على واقع الأسرى، ولا سيّما في الضفّة الغربيّة، بوصفه أحد أخطر وجوه العنف المنهجي، حيث تُرتكب انتهاكات فظيعة تجاوزت في قسوتها منطق الإبادة الجماعيّة، وتنذر بكارثة إنسانيّة صامتة.  

الأسرى في سجون الاحتلال والتغييب القسري  

لم تعدْ قضيّةُ الأسرى في السجونِ الإسرائيليّةِ، ولا سيّما أسرى الضفّةِ الغربيّةِ، مجرّدَ ملفٍّ حقوقيٍّ أو إنسانيٍّ يُستدعى تناولُهُ إعلاميًّا للتذكيرِ بهِ، بل غدتْ بنيةً يوميّةً ثابتةً في مشروعٍ أوسعَ لإعادةِ ترتيبِ المنطقةِ، وتفريغِ القضيّةِ الفلسطينيّةِ من عناصرِها الفاعلةِ، لا عبرَ الحربِ الشاملةِ وحدَها، بل من خلالِ الاستنزافِ الهادئِ، والعقابِ الممنهجِ، والهدمِ البطيءِ للإنسانِ قبلَ المكانِ.

لم تعدْ سياسةُ الاعتقالِ في الضفّةِ الغربيّةِ انتهاكًا عابرًا أو إجراءً أمنيًّا خارجًا عن القانونِ، بل تجاوزتْ كلَّ الخطوطِ الحمراءِ لتغدوَ شكلًا مكتملَ الأركانِ من الإبادةِ الجماعيّةِ الصامتةِ؛ إبادةً لا تُمارَسُ بالقصفِ العلنيِّ، بل بالتصفيةِ البطيئةِ في أقبيةِ التعذيبِ، وبالتجويعِ الممنهجِ، وبقتلِ الإنسانِ الفلسطينيِّ وهو حيٌّ، بعيدًا عن الكاميراتِ، وفي ظلامٍ مقصودٍ، حيثُ يُمحى الجسدُ وتُكسَرُ الروحُ ويُغتالُ الوجودُ دونَ ضجيجٍ.

في الضفّةِ الغربيّةِ، لا يُعتقَلُ الفلسطينيُّ لأنَّهُ ارتكبَ فعلًا محدّدًا بالضرورةِ، بل لأنَّهُ يمثّلُ بقاءً فلسطينيًّا ووجودًا على الأرضِ، يُعتقَلُ المفكّرُ لأنَّهُ يفكّرُ، والأستاذُ الجامعيُّ لأنَّهُ يُنتجُ وعيًا، والطبيبُ لأنَّهُ يحفظُ الحياةَ، والمهندسُ لأنَّهُ يبني، والصحفيُّ لأنَّهُ يرى ويكتبُ، والمرأةُ لأنّها تمثّلُ قيمَ المجتمعِ وأخلاقَهُ، هكذا يتحوّلُ الاسمُ ذاتهُ إلى تهمةٍ، والوجودُ الاجتماعيُّ إلى خطرٍ، والهويةُ المعرفيّةُ إلى سببٍ كافٍ للاقتلاعِ.

السجنُ بوصفِهِ أداةَ هندسةٍ مجتمعيّةٍ

أمّا السجونُ فلم تعدْ أماكنَ احتجازٍ مؤقّتٍ، بل تحوّلتْ إلى مدافنَ للأحياءِ، تُمارَسُ فيها سياسةُ القتلِ البطيءِ، لا بالجسدِ وحدَهُ، بل بالروحِ، والذاكرةِ، والقدرةِ على الاستمرارِ. شهاداتُ الصحفيّينَ والأكاديميّينَ وأصحابِ الأقلامِ الذين تعرّضوا للاعتقالِ في الضفّةِ الغربيّةِ تكشفُ حقيقةً صادمةً: المعتقلُ يخرجُ محطّمًا، مستنزفًا، وقد جرى تفريغُهُ من طاقتِهِ الإنسانيّةِ، وكأنّ الهدفَ ليس الإفراجَ عنهُ، بل إعادتهُ إلى المجتمعِ ككائنٍ مكسورٍ، عاجزٍ، أو صامتٍ.

الاعتقالُ هنا ليس أداةَ ردعٍ، بل وسيلةَ إقصاءٍ وإخفاءٍ وتغييبٍ حتّى الموتِ، ضمنَ مشروعٍ متكاملٍ لإعادةِ هندسةِ الضفّةِ الغربيّةِ، ليس فقط جغرافيًّا، بل بشريًّا وثقافيًّا، إنّها محاولةٌ لخلقِ مجتمعٍ بلا أطبّاءَ، بلا علماءَ، بلا صحفيّينَ، بلا نساءٍ فاعلاتٍ، بلا نخبةٍ قادرةٍ على الفعلِ أو المقاومةِ أو حتّى السؤالِ.

حينَ تُعتقَلُ الحقيقةُ: الصحفيُّ الفلسطينيُّ بينَ المهنةِ والعقابِ

تمثّلُ حالةُ الصحفيِّ الفلسطينيِّ في الضفّةِ الغربيّةِ ذروةَ هذا الاستهدافِ، فالصحفيُّ لا يُلاحَقُ لأنَّهُ يحملُ بندقيّةً، بل لأنَّهُ يحملُ الحقيقةَ، يُوقَفُ لأنَّهُ يوثّقُ، ويُعتقَلُ لأنَّهُ يكتبُ الواقعَ كما هو، ويُكسَرُ لأنَّهُ يرفضُ أن يكونَ شاهدَ زورٍ.

السؤالُ هنا لا يتعلّقُ فقط بـ: لماذا يُوقَفُ الصحفيُّ الفلسطينيُّ؟ بل: لماذا يُعاقَبُ حتّى بعدَ الإفراجِ عنهُ؟

فالاعتقالُ ليس نهايةَ العقوبةِ، بل بدايتَها، استدعاءاتٌ لا تنتهي، تهديدٌ دائمٌ، منعٌ من السفرِ، تضييقٌ اقتصاديٌّ، وملاحقةٌ نفسيّةٌ تُحوّلُ حياةَ الصحفيِّ إلى سجنٍ مفتوحٍ، الهدفُ واضحٌ: كسرُ الإرادةِ، وتحويلُ الصحافةِ من فعلِ مقاومةٍ معرفيّةٍ إلى عبءٍ وجوديٍّ.

نماذجُ عديدةٌ تجسّدُ هذا الواقعَ، من بينها الأديبُ الفلسطينيُّ وليدُ الهودلي، والصحفيُّ الفلسطينيُّ سامرُ خويرة، والفنّانُ الفلسطينيُّ عبدُالسلامِ عود، ومن قبلِهم ومن بعدِهم المئاتُ، وغيرُهم من أصحابِ الكلمةِ الذين تحوّلوا إلى أهدافٍ دائمةٍ، لأنّهم اختاروا أن يكونوا شهودًا لا متواطئينَ.

أينَ المؤسّساتُ الحقوقيّةُ؟ وأينَ الحصانةُ الصحفيّةُ؟

في مقابلِ هذا الانتهاكِ المنهجيِّ، يبدو الدورُ الدوليُّ، لا سيّما المؤسّساتُ الحقوقيّةُ، عاجزًا أو متواطئًا بالصمتِ، تُكتبُ التقاريرُ، وتُصدرُ البياناتُ، لكنّ آلةَ القمعِ تواصلُ عملَها بلا كلفةٍ حقيقيّةٍ، أمّا ما يُسمّى بالمجتمعِ الدوليِّ ومجالسِ “السلامِ”، فقد تحوّلتْ إلى فضاءاتٍ لغويّةٍ فارغةٍ، تُستخدَمُ لإدارةِ الصراعِ لا لحلِّهِ، ولشرعنةِ الجريمةِ لا لمحاسبتِها.

في الضفّةِ الغربيّةِ، لا وجودَ لحصانةٍ صحفيّةٍ حقيقيّةٍ. البطاقةُ الصحفيّةُ لا تحمي صاحبَها، والقانونُ الدوليُّ لا يُفعَّلُ، وحرّيّةُ التعبيرِ تُداسُ يوميًّا عندَ الحواجزِ وفي الزنازينِ.

السلطةُ الفلسطينيّةُ: التهميشُ بدلَ الإقصاءِ

حتّى اللحظةِ، لم يُتّخذْ قرارٌ رسميٌّ بإقصاءِ السلطةِ الوطنيّةِ الفلسطينيّةِ، لكنّ القرارَ الأخطرَ قد اتُّخذَ فعليًّا: تهميشُها، وتحويلُها إلى كيانٍ وظيفيٍّ محدودِ الدورِ، محصورٍ في إطارِ التنسيقِ الأمنيِّ، وملاحقةِ المقاومةِ، دونَ قدرةٍ حقيقيّةٍ على حمايةِ الإنسانِ الفلسطينيِّ أو الدفاعِ عن نُخَبِهِ.

الموقفُ الرسميُّ إزاءَ ملفِّ الأسرى، وخصوصًا الأسرى الصحفيّينَ، غالبًا ملتبسٌ، صامتٌ، أو مُدارٌ بمنطقِ الأزمةِ لا بمنطقِ المشروعِ الوطنيِّ، هذا الالتباسُ يتركُ الصحفيَّ، والأسيرَ، والمثقّفَ، وحيدًا في مواجهةِ منظومةِ الاحتلالِ.

الضفّةُ وغزّةُ: وحدةُ الهدفِ واختلافُ الأداةِ

ما يجري في الضفّةِ الغربيّةِ يتوازى بنيويًّا مع ما جرى ويجري في غزّةَ، في غزّةَ دُمِّرَ المكانُ، وفي الضفّةِ يُدمَّرُ الإنسانُ، الهدفُ واحدٌ: خلقُ حالةٍ عدميّةٍ شاملةٍ، شعورٍ بانعدامِ الأفقِ، يدفعُ الفلسطينيَّ إمّا إلى الهجرةِ، أو الانتحارِ البطيءِ، أو القبولِ بالهزيمةِ كقدرٍ.

كيفَ يواجهُ الصحفيُّ الفلسطينيُّ هذا الواقعَ؟

رغمَ القمعِ، يواصلُ الصحفيُّ الفلسطينيُّ الكتابةَ، يعودُ إلى المهنةِ بعدَ الاعتقالِ، مثقلًا بالجراحِ، لكنّهُ أكثرُ وعيًا بدورِهِ التاريخيِّ، نعم، الاعتقالُ يتركُ أثرًا عميقًا على المسيرةِ الصحفيّةِ، لكنّهُ لا يُنهيها بالضرورةِ، لأنّ التوقّفَ يعني انتصارَ السجّانِ، واستكمالَ مشروعِ الإفراغِ.

ملفُّ الأسرى الصحفيّينَ: سياسةٌ دائمةٌ لا استثناءَ

اعتقالُ الصحفيّينَ والأكاديميّينَ والنساءِ والأطفالِ ليس حالةً طارئةً، بل سياسةٌ ثابتةٌ، أن تُسجَنَ لأنّك تكتبُ، لأنّك ترى، لأنّك تقولُ الحقيقةَ كما هيهذه هي المعادلةُ التي تحاولُ إسرائيلُ ترسيخَها، لكنّ التجربةَ الفلسطينيّةَ تؤكّدُ أنّ الحقيقةَ، مهما طالَ اعتقالُها، لا تُهزَمُ.

هذه الحالةُ الطارئةُ الخطيرةُ تستدعي رسالةً إلى العالمِ يصرخُ فيها المضطهدونَ أيّها الكونُ: ما يجري في السجونِ الإسرائيليّةِ ليس “إجراءاتٍ أمنيّةً”، بل جريمةٌ منظّمةٌ ضدّ شعبٍ كاملٍ، وضدّ حقِّهِ في المعرفةِ، والحياةِ، والحرّيّةِ، الصمتُ تواطؤٌ، والحيادُ انحيازٌ، والتاريخُ لا ينسى من وقفَ مع الحقيقةِ، ولا من صمتَ عنها.


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025