صمت المعارضة وبطش فتية التلال يهندسون لنكبة فلسطينية ثالثة

هآرتس 

مقال التحرير

*النكبة تواصل الزحف: «هذا هو تهجيرنا الثالث: 1948، 1967، والآن 2026»* 

أحد سكان راس عين العوجا في الأغوار يستذكر إخلاء القرية، يوم الأحد. لا حاجة لإحراق قرية كي يُدفع سكانها إلى الرحيل. آلية التهجير في الضفة تعمل جيدا عبر عنف «ناعم»: تهديدات، اقتحامات، مضايقات، وإرهاب نفسي للسكان.

تحية لميليشيات التطهير العرقي في الضفة. وسام شرف لـ«فتية» التلال ولمُرسليهم في الحكومة والكنيست. لقد فعلوها مجددا: بعد عامين من المضايقات والتنكيل المتواصل، استسلمت العائلتان الأخيرتان في راس عين العوجا وغادرتا هذا الأسبوع. المجتمع البدوي الذي كان يضم نحو 120 عائلة — رمزا للصمود العنيد في مواجهة التطهير العرقي في مناطق «ج» — لم يعد قائما. وعلى الأكواخ التي تُركت خلفهم كُتب بالرش: «النكبة الثالثة 2026»

منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر هَجَرت جماعات رعاة كثيرة في الضفة منازلها بفعل عنف المستوطنين وتعسفهم. صمدت راس عين العوجا أشهرا طويلة، لكن المقاومة انكسرت هنا أيضا. أُقيمت بؤرة استيطانية على بُعد عشرات الأمتار من البيوت، مُنع الوصول إلى المياه والمراعي، حرث المستوطنون قطعة أرض و أقاموا فيها ليلا ونهارا. حُبس الفلسطينيون، فيما جابت قطعان المستوطنين بين البيوت. خلال العامين الأخيرين وقف الجيش الإسرائيلي غير مرة إلى جانب المستوطنين. الشرطة كانت تصل دائما متأخرة، وإن وصلت، لم تفعل شيئا ذا أهمية.

«غادرنا لأن الصبر نفد»، قال نايف غوانمة، الذي عاش في المكان 45 عاما. «أدخلوا المستوطنين إلى البيوت، أغلقوا المياه والطريق، وقطعوا الكهرباء. اشتكينا مرارا وتكرارا — بلا جدوى. هذا هو تهجيرنا الثالث: 1948، 1967، والآن 2026».

لا حاجة لإحراق قرية كي يُدفع سكانها إلى الرحيل. آلية التهجير في الضفة تعمل جيدًا عبر عنف «ناعم»: تهديدات، اقتحامات، مضايقات، وإرهاب نفسي لسكان لا عنوان يحميهم، لأن هكذا تكون الحياة بلا مواطنة تحت سيطرة عسكرية في أرض محتلة في خضم ضمٍّ زاحف.

من البديهي أن راس عين العوجا ليست حالة محلية، بل حلقة إضافية في نكبة زاحفة. في سنجل، قرية يبلغ عدد سكانها نحو 8,000 نسمة، بدأت الهجرة بالفعل، وقد تُرك نحو 15 منزلا. وعلى قائمة الاستهداف: بيت حسن، عطّارة، وترقوميا، التي فقدت بالفعل بيوتا في مناطق «ب».

لا يجوز فصل ما يجري على الأرض عن العناق الحكومي والعسكري. منذ بدء الحرب أُقيمت في الضفة نحو 100 «مزرعة»، بتنسيق مع المستوى السياسي والعسكري. كما أُقيمت 40 بؤرة استيطانية على التلال «من دون تنسيق»، لكنها نادرا ما تُخلى. وبالتوازي، يجري في الكنيست الإسناد و الدعم و التعزيز. ففي مؤتمر عُقد هناك مؤخرا مُنحت أوسمة تقدير لـ«رواد الاستيطان». وتعالت التصفيقات حين ذُكرت هجرة وهروب مجتمع راس عين العوجا. وتعهد نواب ووزراء للمستوطنين: «لن تسيروا وحدكم أبدا».

لا يجوز صرف النظر. إذا لم تستيقظ المعارضة والجمهور غير الشريك أيديولوجيا لرؤية اليمين المتطرف، ستواصل النكبة زحفها، ولن يستطيع أحد غسل يديه من المسؤولية. من يواصلون تأجيج الحرب في الضفة سينجحون في النهاية في تحقيق مبتغاهم.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025