فلسطين الفاضحة

فلسطين الفاضحة[1]

كان قدر فلسطين منذ أن تكالبت عليها الكلاب تنهش حريتها مطلع القرن العشرين، أن شكلت لجيرانها وأبناء عمومتها وأهلها ( الأقزام، أو العملاء، أو الجبناء...) عامل حرج لم يكن ثمة بد من إظهار التضامن والدعم لها علنا أمام شعوبهم، فيما حالهم في السر إما تآمر، أو تخلٍ وترك. وفي جميع الأحوال كانوا وما زالوا يرونها عبئا يتمنون أن لو استيقظوا فوجدوه أزيح عن كواهلهم. وإذا فكر أحد بمعاداة الكيان ونصرة فلسطين على وجه الحقيقة كان قرار التحطيم ( احتلالا أو انقلابا فقتلا ) جاهزا بحقه، يرعبون بمصيره كل من يفكر بالخروج عن قواعد اللعبة التي رسموها!!! وفي ظل شعوب مغلوبة على أمرها ولها من همومها الخاصة والكبيرة ما يشغلها ويكبل يديها، ظل قدر فلسطين أن تكون – وحدها- الجدار الأخير الذي يحمي الأمة من سيطرة الكيان عليها سيدا يستعبدها ويسرق خيراتها. 

والحديث في هذه المقالة عن ( ملوك طوائف) أوهم العدو وهْمَ جُبْنِهِم أن بقاءهم على الكرسي مرهون برضا الكيان الغاصب، فلا مناص من التحالف معه ( أو بتعبير أدق: الارتهان لأوامره)، ولما كان الظرف الموضوعي لا يسمح بإظهار هذا التحالف لم يكن ثمة بد من إخفائه، حتى إذا نضجت ظروف الإشهار فعلوا دون رادع من دين أو ضمير أو نخوة أو شرف. 

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:"إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة"[2]. فالحديث هنا يخبرنا عن جانب من عدالة الله سبحانه، حيث يعلم نفاق وإجرام من أظهروا للناس طوال عمرهم خلاف ذلك، وانطلى على الناس ما خدعوهم به، حتى إذا اقتربت النهاية أبى الله إلا أن يفضحهم ويكشفهم للناس، فليسوا أهلا أن تنتهي المعركة ويحسم الصراع وهم في أعين الناس على غير حقيقتهم. 

ألا إن فلسطين هي قضية المسلمين الأطهر والأشرف والأكرم في هذا العصر، فما كان لدعيّ أن يظل يُظهر أنه في خندق الدفاع المشرف عنها، وهو في حقيقته طاعن لها في الظهر والقلب. 

ويكأن مسلسل نزع الأقنعة الشريفة عن الوجوه الخائنة واحدا تلو الآخر اليوم هو إشارة القدر أن معركة الحسم مع هذا الكيان الغاصب قد اقتربت، فإذ لم يبق بين المجاهدين ووعد الآخرة إلا ذراع، فضح الله المنافقين الذين يأبى سبحانه أن يكون لهم شبهة شرف في الانتساب لفلسطين. لا بد أن تفضحهم فلسطين فتحرمهم شرف الاحتفال بحريتها، لأنهم ما كانوا يوما من الأيام منها ولا كانت منهم أبدا.

وإذ يشعر المجاهد المحاصر فوق كل أرض وتحت كل سماء بالخذلان ممن كان لا يطلب أكثر من حيادهم فإذا هم سهام العدو في ظهره. فيحزن وهو إنما يدافع عن كرامتهم وأعراضهم إذ انكساره يعني سيل الطوفان نحو بيوتهم وديارهم فهو إنما يدافع عنهم إذ ينغرس في خندقه أو يرابط في نفقه. وفي جو الحزن والألم والشعور بالخذلان وتكالب الأحزاب يرمونه عن قوس واحدة تأتيه برقيات السماء الحانية:" لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم" [ التوبة:47]. فلا يفتن في عضدك تساقط العفن! ثم يستذكر قول الشاعر:

يا قدس عقّكِ من بنيكِ أراذلٌ        يا قدس عقكِ خُنّعٌ أشــــــــــــــــرارُ

ليسوا بنيكِ وإن إليكِ تنســـبوا          النذل والجاسوس والسمسارُ

الراكعون الساجدون لدى العدا       الباصمون عليكِ... والتجارُ

لا تكثرين بجمعهم وجموعهم        عند الحســـــــــاب لأنهم أصفار

وبقي أن نقول: 

إن للحق قبلا لا يولي وجهه شطرها إلا آحاد من الناس، يصطفيهم ويصنعهم على عينه رب الناس. فإلى الفتية الذين آمنوا بربهم وبوعده بالنصر رغم الخذلان، إليهم وهم يحفرون الصخر والرمل، يصلون ليل خوفهم بنهار رباطهم وحشدهم وإعدادهم لوعد الآخرة، إليهم وهم يتدثرون بالموت ليحيوا الأمة، وينامون على البرد لنصحو مع الدفء، إليهم وهم يسمعون همس حبيبهم المصطفى صلى الله عليه وسلم يشتاق إليهم ويشتاقون شربة من يديه الشريفتين لا يظمؤون بعدها أبدا، ولطالما ظمئوا وجاعوا لنصرة دينه وتحرير مسراه، يسمعون همسه وهو يبشرهم صلى الله عليه وسلم بالنصر المسبوق بخذلان الأخ والجار والقريب. ( لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي وعد الله )[3].

عليكم سلام الله يا رجال القدس وأهل القدس، يا فتيان (الفرقان والعصف المأكول)، يا نور أملنا في ظلام اليأس، ويا حلمنا الجميل بفتح القدس تؤولونه بجيل التحرير الذي تعدون. عليكم سلام الله، وقد بقيتم وحدكم في الميدان، ومن خلفكم أمة مكلومة تلهج قلوبها لكم بالدعاء، وأعينها بالدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. لكم الله يا جند الله:

عز النصــير... وقلت الأعـــوانُ            ومضت تقاتل وحدها الفرســــــــــانُ

ولدوا على ظهر الخيول فأتقنوا           في المهد كيف يطاعن الشجعانُ

ورثوا القـتـال... فـورثـوه بـنـيهـمــو            فتمرســــــــــــوه.... الشيخ والغـلمـانُ

لا تسقط الرايات مـن يـد أمـــــة              وفــــداء جـعـفـَر.. عندهـــا عنـــوانُ

القدس موعدنا وموعـد زحفنـــــا              عــهد الرجــــال، ويشــــــــهد الرحمنُ

" ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما" [ الأحزاب:22]

" الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" [ آل عمران:173]





-----------------------------------------

[1]"قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس رضي الله عنه عن سورة براءة فقال: تلك الفاضحة ما زال ينزل: ومنهم ومنهم، حتى خفنا ألا تدع أحدا". تفسير القرطبي (8/ 61). ومن المعلوم أن سورة التوبة من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، فكأن فضح المنافقين وانكشافهم وتعريتهم هو الحلقة الأخيرة قبل حسم المعركة لصالح الإسلام.

[2]البخاري: (4/73). و مسلم: (1/106). ومناسبة ورود الحديث عن رجل قتل نفسه في المعركة بعد أن جرح، وفي رواية لغير البخاري ومسلم تكملة:" إنما الأعمال بالخواتيم". وفي البخاري ومسلم نص آخر أيضا يضيف عبارة :"... ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع". أي أن الانكشاف يكون في الخواتيم. ونص الرواية:"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة " البخاري (4/111)، مسلم ( 4/2036)

[3]إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم:" «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشأم، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذا يقول: وهم بالشأم. صحيح البخاري (4/ 207)


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020