هآرتس - عاموس هرئيل - ترجمة حضارات
يتحدث الاقتصاديون عن مفهوم “التفضيل المُعلَن”، أي أن نوايا شخص أو منظمة تتضح من خلال اختياراتهم الفعلية، مرة بعد مرة، التفضيل المُعلَن لحكومات إسرائيل في قطاع غزة، طوال 15 عامًا وحتى مجزرة 7 أكتوبر، كان إدارة الصراع مع حماس لا حسمه، فضّلوا جولات حرب قصيرة بدلًا من حملات طويلة ومكلفة ربما كانت ستزيل حماس من الحكم في غزة، وأحيانًا اعترف رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بذلك صراحة.
والآن أيضًا، في الملف الإيراني، يبعث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برسالة واضحة عمّا يفضله، يتضح ذلك من أفعاله (أو بالأحرى من غيابها) وكذلك من تصريحاته، ترامب كرر موقفه هذا الأسبوع في حديث مع باراك رافيد في أخبار القناة 12، ثم في بيان نشره عقب لقائه في البيت الأبيض مع نتنياهو، ومع أن الرئيس قد يتعمد التضليل أحيانًا، إلا أن تصريحاته تتكرر، ترامب يقول بوضوح إن طريق المفاوضات هو المفضل لديه على طريق الحرب. هو يفضل التوصل إلى اتفاق يوقف البرنامج النووي الإيراني بدلًا من التورط في حملة عسكرية طويلة.
لكن كون هذه نية ترامب لا يحل المشكلة بالضرورة، فرغم توقع جولة محادثات أمريكية–إيرانية أخرى قريبًا، فإن الخلافات بين الطرفين عميقة، النظام الإيراني يرفض حتى الآن التخلي عن “حقه” في تخصيب اليورانيوم، ويتصرف وكأنه غير مدرك للمخاطر المحدقة به، وفي اللقاء مع نتنياهو تخلى الأمريكيون هذه المرة عن مظاهر التكريم، وحتى عن الجزء المفضل لدى الرئيس، المؤتمر الصحفي المشترك، رغم أن ترامب أكد في بيانه محبته لنتنياهو، ومن المرجح أن يتكرر هذا النمط مع اقتراب الانتخابات في إسرائيل، وربما يصل إلى تدخل فظ من الرئيس في المسار الديمقراطي إذا قدم له نتنياهو ما يريد.
السؤال الذي قد لا تكون له إجابة موثوقة قريبًا هو، ماذا اتفق الاثنان عليه إذا فشلت المفاوضات؟ اللقاء استمر قرابة ساعتين ونصف، هل تعهد ترامب بأن تكون هناك ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران في حال فشل التفاوض؟ ضربة مشتركة؟ ضوء أخضر لعمل إسرائيلي؟ التقدير المعقول أن هناك جولة محادثات أخرى على الأقل، وفي بعض تصريحاته، يذكر ترامب أيضًا ضرورة التعامل مع برنامج الصواريخ الإيراني الذي يقلق إسرائيل بشدة.
في هذه الأثناء، تراكم الولايات المتحدة مزيدًا من القوة العسكرية في الشرق الأوسط، ولا ينبغي الانبهار كثيرًا بأحاديث ترامب الحماسية عن “أرمادا جميلة” ولا بالتغطية الإسرائيلية المتحمسة، فإذا كانت واشنطن تخطط فعلًا لعمل عسكري هدفه إسقاط النظام في طهران، فستحتاج إلى حشد قوات أكبر بكثير في المنطقة، مع مراعاة الفيتو الذي يفرضه ترامب ضد “الأحذية على الأرض”، أي نشر جنود أمريكيين داخل إيران.
نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يمثل التيار الانعزالي في الإدارة، وصف الوضع بوضوح، الولايات المتحدة تريد فقط اتفاقًا نوويًا جديدًا، وإذا أراد الشعب الإيراني إسقاط النظام فهذا شأنه، تبدو هذه العبارة كأنها إلقاء المتظاهرين الإيرانيين تحت عجلات الحافلة، بعد أسابيع قليلة من وعد ترامب بأن “المساعدة في الطريق”، وبالفعل، في الأيام الأخيرة لم يعد هناك حديث في الإدارة عن الشرارة التي أشعلت موجة الاحتجاجات في أواخر ديسمبر، والتي قمعت بعنف شديد في منتصف يناير وخلفت آلاف القتلى من المدنيين الإيرانيين.
وبحسب تصريحات فانس، فإن الاتفاق النووي سيمهد الطريق لرفع العقوبات عن إيران، وهو ما سيخفف الضغط عن الاقتصاد الإيراني والنظام، نتنياهو لا يخفي موقفه منذ زمن: أي اتفاق مع إيران هو اتفاق سيئ، وما ينبغي على الولايات المتحدة فعله هو التحرك عسكريًا، على أمل أن يشعل ذلك موجة احتجاجات جديدة داخل إيران، لكن هذا الموقف ينطوي على خطر: أن تُرى إسرائيل كمن يدفع الأمريكيين إلى التورط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، كما أن قاعدة ترامب الانتخابية تشعر أصلًا بالريبة تجاه إسرائيل، خاصة فيما يُعتبر “تحريضًا على الحرب”.
مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي ما زالوا عاجزين عن تقدير كيف سينتهي هذا المسار، محاوروهم في القيادة المركزية الأمريكية يؤكدون أن القرار النهائي بيد الرئيس وحده. ترامب يدرك القيود التي أمامه، باستثناء إسرائيل، فإن كل حلفاء واشنطن في المنطقة، وعلى رأسهم تركيا والسعودية، يعارضون بشدة ضربة أمريكية ويفضلون طريق المفاوضات.
أما داخليًا، فإن وضع ترامب يزداد سوءًا، نسب تأييده في أدنى مستوياتها، انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر تهدده، حملة ملاحقة المهاجرين ترتد عليه سياسيًا، وفضيحة جيفري إبستين ترفض أن تختفي، مما يحرجه ويحرج محيطه، في النهاية، يبدو أن لدى الجمهور الأمريكي قضايا أكثر إلحاحًا من حرب هدفها تغيير النظام في إيران، وحتى ضربة واحدة شبيهة بقصف منشأة فوردو النووية في يونيو الماضي لن تحقق على الأرجح تغييرًا جذريًا كافيًا.
تحذير من أنقرة
قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لصحيفة “فايننشال تايمز”، إن الولايات المتحدة وإيران تبدوان “مستعدتين لتسوية” تضمن اتفاقًا نوويًا، لكنه حذر من أن توسيع المحادثات لتشمل أيضًا تقييد الصواريخ الباليستية سيزيد خطر اندلاع حرب جديدة.
وأضاف أن إيران مستعدة لقبول قيود على مستويات تخصيب اليورانيوم وفرض رقابة صارمة على برنامجها النووي، واعتبر أن تهديد الصواريخ “إقليمي لا دولي”، وأن إسرائيل تحذر منه أساسًا للحفاظ على تفوقها العسكري في الشرق الأوسط، وبرأيه، فإن الضربات الجوية الأمريكية قد تضر بالنظام في طهران لكنها لن تسقطه.
في الوقت نفسه، لا يخشى نتنياهو فقط من “لين” أمريكي تجاه إيران، بل يتمنى أيضًا وقف تحركات الإدارة في غزة، فقد سربت الإدارة هذا الأسبوع لصحيفة نيويورك تايمز أنها تنوي السماح لحماس، بالاحتفاظ بسلاحها الخفيف على الأقل في المرحلة الأولى من تنفيذ خطتها في القطاع.
قادة الجيش في غزة يتحدثون عن تعزز واضح لقوة حماس، سيطرتها المدنية تشتد، وبنيتها العسكرية تتعافى، وكذلك الخوف الذي تفرضه على خصومها، وسيتطلب الأمر تحركًا واسعًا بقيادة الولايات المتحدة وبدعم مصر وقطر وتركيا لإبعاد حماس عن الحكم وإضعاف قوتها العسكرية، وطالما لا توجد قوة بديلة في القطاع، فإن قدرات حماس المحدودة المتبقية وإعادة بناء وحداتها جزئيًا تكفي للحفاظ على قبضتها على نصف القطاع الذي تسيطر عليه.
واقع بديل
الوثيقة التي نشرها نتنياهو قبل أسبوع، والتي جاءت في 55 صفحة ردًا على مراقب الدولة بشأن حرب 7 أكتوبر، أثارت عاصفة عامة، وكذلك محاولة مكتب نتنياهو إزالة كلمة “مجزرة” من عنوان قانون تخليدها، وخلال الأسبوع نشرت سلسلة تقارير عن سجال بين نتنياهو وقادة الأمن السابقين وخصومه السياسيين حول المسؤولية عن الإخفاقات التي سمحت بالمجزرة.
هذا الانشغال ليس صدفة، نتنياهو تعرض مؤخرًا لهجمات من المعارضة وحركات الاحتجاج؛ ردوده لم تهدف لتوضيح الحقيقة بل لخلق ضبابية متعمدة ترهق الناخبين قبل بدء حملة الانتخابات، ومن وجهة نظره، من الأفضل الجدال حول ما حدث قبل المجزرة بدل العودة لفشله في رسم واقع “اليوم التالي” للحرب في غزة.
نظريات المؤامرة حول المجزرة، وعلى رأسها الادعاء الكاذب عن “خيانة من الداخل”، لم تولد من فراغ. يصعب على الإسرائيليين تفسير كيف فشل الجيش فشلًا ذريعًا في 7 أكتوبر رغم تفوقه في جبهات بعيدة، وهناك معسكر سياسي كامل قد ينهار إن نظر مباشرة في المرآة، لا يمكن تحليل أسباب المجزرة دون الاعتراف بمسؤولية نتنياهو وحكومته وربط الكارثة بالسياسة الفاشلة التي انتهجت سنوات، لذلك يتم تغيير موضوع الحديث ونشر المؤامرات.
في جلسة عرض فيها نتنياهو وثيقته أمام لجنة فرعية، اضطر للاعتراف ضمنيًا بأنه لم تكن هناك خيانة من الداخل، لكن محيطه يواصل نشر المؤامرات وتحديد “كبش فداء” مريح، رئيس الشاباك السابق رونين بار. اتهمه نتنياهو بتزوير وثيقة حول تحديث مكتبه بالمؤشرات الاستخبارية قبل المجزرة، وعندما لم تلقَ التهمة صدى، روجت نظرية جديدة، أن بار خشي من التصعيد ومنع معالجة التحذيرات وكأنه “عين نفسه رئيس وزراء فعليًا”.
هذه النظرية أكثر هشاشة من كذبة الخيانة، صحيح أن دور الشاباك في الإخفاق كان كبيرًا، لكن بار ونائبه ورؤساء المناطق الجنوبية ومعظم المسؤولين المعنيين استقالوا منذ ذلك الحين.
أما رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي فمن الصعب تصويره كعدو، لأن الجمهور يراه في جولات التعزية بين العائلات الثكلى، في المقابل، يمكن بسهولة “إخراج” بار في دور الشرير وإلصاق التهم به، وقد أُرسل متظاهرون للاحتجاج أمام منزله، هذه العداوة تجد أرضًا خصبة في كراهية اليمين العميق للشاباك.
إحدى الحجج المركزية في وثيقة نتنياهو تقول إن سياسة “الاحتواء” في غزة تسربت من الأسفل عبر الجيش والشاباك دون صلة به، وأنه كان يدفع باستمرار نحو اغتيالات لقادة حماس، لكن ما لم يُذكر هو أنه في ثلاثة اجتماعات على الأقل قبل المجزرة شدد نتنياهو على حاجته للهدوء في غزة من أجل دفع التطبيع مع السعودية، السياسة لم تكن مبادرة ميدانية بل انسجمت مع توقعات نتنياهو.
ومن شدة رغبته في التفاخر بعمليات هجومية، أدرج نتنياهو ضمن “إنجازاته” استشهاد قائد كتيبة لحماس في خان يونس في نوفمبر 2018، رغم أن العملية كانت فاشلة، قوة إسرائيلية خاصة تسللت إلى القطاع وانكشفت ووقعت في مأزق، وقُتل خلالها ضابط إسرائيلي أيضًا، لم يكن ذلك اغتيالًا مخططًا بل أزمة أدت لاستقالة أفيغدور ليبرمان من وزارة الجيش.
وكشف الصحفي ميخائيل هاوزر طوف أن إعداد الوثيقة سبقه تجنيد طارئ لجنود استخبارات احتياط من الجيش إلى السكرتارية العسكرية لنتنياهو، حيث فحصوا محاضر جلسات سرية لخدمته. يبدو أن العملية كانت سياسية بالأساس، ومن المهم معرفة من شارك فيها ومتى.
توقيت فظ
قرار الكابنيت يوم الأحد لم يحظَ بتغطية كافية، بينما الإعلام منشغل بغزة، يحدث تحول ضخم في الضفة الغربية، القرارات الأخيرة تسهل بيع الأراضي للمستوطنين وتمنح إسرائيل حق تحديد استخدام الأراضي في مناطق A وB الخاضعة للسيطرة المدنية الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو.
كتبت الباحثة الإسرائيلية د. شيرا إفرون أن هذه الخطوات تحول الضم الفعلي للضفة إلى سياسة قانونية معلنة، وكان توقيتها فظًا خاصة قبل زيارة نتنياهو إلى واشنطن. ترامب أبدى اعتراضه، وقال إنه سيعارض خطوات ضم إسرائيلية في الضفة.
هذه الإجراءات تأتي ضمن المسار الذي يقوده الوزير بتسلئيل سموتريتش منذ ديسمبر 2022، بتوافق مع نتنياهو. سموتريتش قيد صلاحيات وزراء الجيش في الضفة، وجعل الإدارة المدنية ذراعًا خاضعة له، وفرض إرادته على قيادة الجيش.
بالتوازي، تآكلت عوامل ضبط النفس، منع العمال الفلسطينيين من العمل في إسرائيل، السلطة الفلسطينية على حافة الإفلاس، الأفق السياسي اختفى، والنشاط العسكري الإسرائيلي يتضمن تدميرًا واسعًا ومقصودًا في المخيمات، ويقوض سياسة الفصل المعلنة بين السكان والتنظيمات المسلحة.
ويضاف إلى ذلك فتيل شديد الاشتعال، سياسة الضم التي تتبعها الحكومة، هذه السياسة ترتبط مباشرة بخطة “الحسم” التي طرحها سموتريتش عام 2017، والتي تهدف لخنق أي فرصة لتوسع فلسطيني ومنع حل الدولتين، عشرات البؤر الاستيطانية لم تظهر كمبادرات مستقلة بل كجزء من خطة شاملة.
كما ترافقها عنف منهجي من سكان هذه البؤر، مع غض نظر أو دعم من بعض ضباط الجيش، أحد التحركات الأخيرة سمح بتجنيد سكان البؤر في منظومة “الدفاع الإقليمي” في الاحتياط، مما يمنح غطاءً قانونيًا لهجمات مسلحة على القرى الفلسطينية والبدو تحت شعار “الدفاع الذاتي”.
الهدف المعلن هو جعل الحياة لا تطاق كي يرحل الفلسطينيون، وقد حقق ذلك نجاحًا، لدى الجيش بيانات غير منشورة عن تورط واسع لهذه البؤر في “إرهاب يهودي”، لا الجيش ولا الشاباك ولا الشرطة يتعاملون مع ذلك بجدية، ومع إدخال وحدات قاتلت لعامين في غزة واعتادت رؤية كل فلسطيني كعدو، تكون النتيجة متوقعة: تصعيد واضح في الضفة.