يعكس التقرير المنشور في معاريف12-12-2026- تحولًا مهمًا في الخطاب المتداول حول المفاوضات الأمريكية–الإيرانية، يتمثل في استعداد واشنطن لقبول مبدأ تخصيب إيراني “ضمن حدود واضحة”. هذا التطور – إن صحّ – لا يمثل تنازلًا تقنيًا فحسب، بل تحوّلًا في مقاربة إدارة ترامب للملف النووي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية معقدة.
أولًا: العودة إلى منطق “إدارة الخطر” بدل “إزالته”
منذ انسحاب ترامب من اتفاق 2015، كان الخطاب الأمريكي يقوم على إنهاء التخصيب الإيراني بالكامل. القبول بتخصيب محدود يعيد واشنطن عمليًا إلى صيغة قريبة من الاتفاق السابق، وإن بآليات مختلفة. هذا يعني أن الهدف لم يعد “تصفير البرنامج”، بل ضبطه ومراقبته. من منظور واقعي، يعكس ذلك إدراكًا أمريكيًا بأن الإصرار على وقف كامل للتخصيب غير قابل للتحقق دون حرب.
ثانيًا: التحذير التركي كرسالة مزدوجة
تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لا يمكن قراءتها بمعزل عن موقع أنقرة الإقليمي. تركيا تحاول الظهور كوسيط إقليمي وتخشى من توسيع المفاوضات لتشمل الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي الإيراني، لأن ذلك يرفع سقف المطالب ويجعل الاتفاق أكثر تعقيدًا. تحذيره من “حرب إقليمية” في حال توسيع جدول الأعمال يعكس قلقًا حقيقيًا من أن إدخال الملفات الأمنية الإقليمية سيقود إلى انسداد تفاوضي ثم تصعيد عسكري.
ثالثًا: التباين الأمريكي–الإسرائيلي
التقرير يلمّح إلى فجوة محتملة بين واشنطن وتل أبيب. إسرائيل ترى أن الملف النووي لا يمكن فصله عن برنامج الصواريخ وشبكة الحلفاء الإقليميين لإيران. في المقابل، تبدو واشنطن أكثر استعدادًا لتجزئة الملفات: اتفاق نووي أولًا، ثم معالجة القضايا الأخرى لاحقًا. هذا التباين ليس جديدًا، لكنه يتجدد في كل جولة تفاوضية.
رابعًا: البيئة الداخلية الإيرانية عامل ضغط
يشير التقرير إلى الاحتجاجات الأخيرة في إيران. صحيح أن الضغوط الاقتصادية تعزز رغبة طهران في تخفيف العقوبات، إلا أن التاريخ القريب يُظهر أن النظام الإيراني قادر على امتصاص الضربات والحفاظ على تماسكه السياسي. الرهان على انهيار داخلي سريع غالبًا ما أثبت محدوديته.
خامسًا: الخيارات العسكرية كورقة تفاوضية
الإشارة إلى نشر “أرمادا” بحرية أمريكية في المنطقة تُستخدم في سياق الضغط السياسي أكثر من كونها مؤشرًا على قرار وشيك بالحرب. التجربة الأمريكية الحديثة تُظهر أن الحشد العسكري غالبًا ما يكون أداة تفاوض، لا تمهيدًا حتميًا لعمل عسكري شامل.
خلاصة
التقرير يعكس مرحلة انتقالية في مسار المفاوضات: واشنطن تميل إلى براغماتية تكبح الطموحات القصوى، فيما تحذر أنقرة من توسيع جدول الأعمال، وتصرّ إسرائيل على شمولية المعالجة. المشهد لا يشير إلى انفراج حاسم ولا إلى حرب وشيكة، بل إلى إعادة تموضع تكتيكي لدى جميع الأطراف، حيث يُدار الخطر بدل إنهائه. نجاح هذا المسار سيتوقف على قدرة الأطراف على تحقيق توازن بين القيود التقنية على البرنامج النووي وبين هواجس الأمن الإقليمي الأوسع.