دور الهيئة القيادية لأسرى حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي بتعزيز مكانة الأسرى 2005-2017 . بقلم / عبد الناصر عطا الله عيسى

دور الهيئة القيادية لأسرى حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي بتعزيز مكانة الأسرى 2005-2017



يقلم / عبد الناصر عطا الله عيسى

مقدمة

شكلت الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الصهيوني مثالاً هاماً لمدى تأثير المؤسسة على مكانة ودور الفرد الأسير من جهة، وعلى أهمية فكرة الوحدة الداخلية في ظروف الصراع والمواجهة في بناء الذات التنظيمية الفاعلة من خلال تطوير المؤسسات الملائمة لهذه الظروف.

أولا: تحديد مشكلة الدراسة

تكمن مشكلة الدراسة في معرفة نتائج وتأثيرات إنشاء مؤسسة الهيئة القيادية العليا لأسرى حماس داخل السجون لاحقاً (الهيئة) على الأسرى داخل وخارج السجون.

يمكن صياغة المشكلة بالسؤال المركزي: كيف ساهمت الهيئة بتعزيز دور ومكانة الأسرى في السجون الإسرائيلية؟

ومن أجل الاجابة على هذا السؤال، لا بد من الإجابة على الأسئلة الفرعية التالية:

  1. متى وكيف تأسست الهيئة؟
  2. ما أهم الانجازات التي حققتها مؤسسة الهيئة للأسرى؟
  3. كيف ساهمت هذه الانجازات أو الوظائف بتعزيز دور ومكانة الأسرى؟

ثانياً: فرضيات الدراسة

الفرضية المركزية للدراسة تتلخص في أن مؤسسة الهيئة قد عززت، أو مكنت الأسرى من لعب دور أكثر أهمية وفاعلية، وبالتالي أسهمت في منحهم مكانة عالية في المجتمع الفلسطيني.

تشمل هذه الفرضية فرضيات فرعية أخرى، هي:

  1. أدى تشكيل مؤسسة الهيئة إلى وظيفتين رئيسيتين: الأولى وظيفة ظاهرة بتعزيز دور الأسرى كمناضلين، والثانية كامنة بتعزيز مكانتهم في المجتمع، ودورهم كرموز وطنية.
  2. إن فكرة قيادة موحدة للأسرى لمواجهة ممارسات سلطات السجون التعسفية كانت الدافع المركزي والرئيس في إنشاء مؤسسة الهيئة.



ثالثا: أهداف الدراسة:

يتمثل الهدف الرئيس للدراسة لتحديد الوظائف الكامنة والظاهرة لمؤسسة الهيئة كمؤسسة ومنظمة سياسية اجتماعية أدى إنشاؤها لتعزيز دور ومكانة الأسرى بصورة واضحة.

كما أن الدراسة تحقق أهدافا فرعية أخرى هامة مثل: 

  1. إلقاء الضوء على تاريخ إنشاء مؤسسة سياسية اجتماعية مناضلة قامت رغما عن ظروف القيد والاعتقال القاهرة.
  2. الاطلاع على بعض الانجازات التي حققتها مؤسسة الهيئة لمجتمع الأسرى وللمجتمع الفلسطيني بشكل عام.
  3. تأكيد أهمية ودور وجود قيادة موحدة رغم التشتت والشتات القهري في تحقيق الأهداف المرجوة. 
    رابعاً: أهمية الدراسة:

تكمن أهمية الدراسة في طبيعة المشكلة التي تعالجها، وهي التعرف والاطلاع على مساهمة مؤسسة أسيرة في تعزيز دور ومكانة أفرادها داخل وخارج الأسر. 

كما أن الدراسة تعالج حالة لم يتم دراستها من قبل بنفس المقاربة، أو غيرها من مقاربات البحث العلمي، حيث استعانت الدراسة ببعض مصطلحات علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي لتناول الحالة، بواسطة باحث يتمتع بميزة أداة البحث الهامة وهي الملاحظة بالمشاركة، حيث كان عضوا مؤسسا لهذه الهيئة.

وتنبع أهمية الدراسة من منهجيتها، واعتمادها على بعض المصادر الأولية كما سيأتي لاحقا.

خامساً: منهجية الدراسة:

اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي لما تم جمعه من معلومات من خلال أداتي البحث الرئيسيتين وهما:

  1. الملاحظة بالمشاركة: شغل الباحث منصب المنسق العام للهيئة، وإشرافه على أول انتخابات لها عام 2005.
  2. المقابلة الشخصية مع بعض أهم الشخصيات التي ساهمت بإنشاء وتطوير عمل الهيئة كالأسرى المحررين: موسى دودين، توفيق أبو نعيم، زاهر جبارين، وآخرين ما زالوا بالسجون كالأخوين معاذ وعثمان بلال وغيرهما.

سادساً: الدراسات السابقة

تم تناول قضية الأسرى من عدة جوانب، وفي العديد من الكتابات والدراسات، نذكر منها على سبيل المثال:

  1. رسالة الدكتوراه للأسير المحرر رأفت حمدونة.
  2. رسالة الماجستير للباحث محمد ابو شريعة.
  3. رسالة الماجستير للأسيرة المحررة رولى أبو دحو.

المبحث الأول: مدخل نظري

اعتمدت الدراسة على منهجية نظرية يتشابك فيها علم الاجتماع مع علم الاجتماع السياسي، لما لقضية الأسرى من تشعبات تلامس تلك العلوم، وهنا لا بد من التطرق لأهم المفاهيم والمصطلحات التي استخدمت لمعالجة مشكلة الدراسة، وهي:

  1. المؤسسة: أحد أشكال التنظيم الاجتماعي(4)، لكنه يتميز بالاستقلال عن العناصر المشكلة، ويضيف شيئا جديدا لم يكن موجودا في السابق، وغالبا ما يكون إنشاء المؤسسة تلبية لفكرة أو حاجة اجتماعية، وهذا ينطبق على الهيئة القيادية العليا لأسرى حماس في سجون الاحتلال، فجاء إنشاؤها تلبية لفكرة الوحدة في مواجهة التحديات.

عرف عالم الاجتماع السياسي سي جي فريدريش المؤسسة على أنها "مجموعة أعمال سياسية منظمة ومستقرة تقوم بوظيفة أو تهدف لتحقيق غاية داخل النظام السياسي"(5).

وعرفها العالم الشهير ماكس فيبر بأنها "جماعة تصدر أو تتخذ إجراءاتها القانونية بنجاح نسبي داخل إطار العمل المحدد لمن يعملون بطريقة قابلة للتجديد حسب معايير محددة"(6).

وقد يكون التعريف الوظيفي هو الأنسب والأكثر ملائمة لدراسة مؤسسة الهيئة داخل السجون، لأنه يعتبر المؤسسة "كيان يقوم على مبدأ تنظيم معظم نشاط أعضاء مجتمع أو جماعة حسب نموذج تنظيمي محدد ومرتبط بشكل وثيق بمشاكل أساسية أو بحاجات اجتماعية أو بأحد أهدافها".(7)

الهيئة هي مؤسسة كباقي المؤسسات أو المنظمات يمكن النظر اليها عند دراستها كـINSTRUMENT لتحقيق أهداف معينة، أو على أنها نسق اجتماعي Social System (8).

  1. الدور والمكانة: من أشهر العلماء الذين ركزوا على هذين المصطلحين كأساس لتحليل النسق الاجتماعي، بالتأكيد على اعتبار البناءات والنظم، أساسا في تشكيل الفعل الانساني هو بارسونز تالكوت(9).

يشير مفهوم الدور إلى "ما يقوم به شاغله، بينما يشير مفهوم المكانة إلى وضع شاغل الدور التراتبي في البناء الاجتماعي، وفي سلم التدرج الاجتماعي".(10)

يمكن القول بأن الدور مجموعة الواجبات والالتزامات التي يتوقع ان يقوم بها الأسير داخل سجنه، مقابل الحقوق والواجبات والمزايا التي يتمتع بها نتيجة شغله لهذا الدور، فبحكم موقع الأسير في السجن فهو المناضل لتحقيق كرامته وحقوقه في ظل مواجهة مستمرة لسلطات السجون، وهو الرمز الوطني في عيون أبناء شعبه والمجسد للهوية الوطنية الفلسطينية.

أما المكانة فهي درجة الاحترام والتقدير التي يحظى بها الأسير، وتعتمد على طبيعة الأدوار التي يحتلها داخل السجن، وتحديدا دوره كمناضل ورمز وطني، بمعنى آخر أن الدور هو الواجب والمكانة هي الحقوق المادية والمعنوية.

  1. الوظائف الظاهرة والكامنة: اعتمدت الدراسة على فرضيات العالم روبرت ميرتون(11) في التفريق بين الوظائف الظاهرة والوظائف الكامنة، فالوظائف الظاهرة هي النتائج الموضوعية المقصودة، ويعيها الفاعل عند قيامه بالفعل، أما النتائج الموضوعية التي جاءت دون قصد أو وعي مسبق فهي الوظائف الكامنة"(12)

تفترض الدراسة أن الهيئة القيادية مؤسسة لها وظائف ظاهرة وكامنة، وتعزيزها لدور الأسير كرمز وطني وظيفة كامنة، بينما تعزيزها لدوره كمناضل يقاوم إجراءات سلطات الاحتلال، ويسعى لتحقيق كرامته هي الوظيفة الظاهرة للهيئة.

أما بالنسبة للمكانة، وهي درجة الاحترام والتقدير فلم تكن وظيفة ظاهرة، أو نتيجة مقصودة سلفا.

المبحث الثاني: نبذة تاريخية

سبقت فكرة إنشاء قيادة موحدة لأسرى حركة حماس في سجون الاحتلال تأسيسها الفعلي بداية العام 2005، حيث تداولوا الفكرة في العديد من المناسبات، ومن منطلقات مختلفة. 

فقد أشار الأسير المحرر توفيق أبو نعيم أن دوافع طرح الفكرة عام 1995 "كانت أمنية، أي ضبط العمل الأمني في السجون" (13)، ثم تجدد النقاش عام 2001 بين المؤسسات التنظيمية لسجون: عسقلان وبئر السبع ونفحة وهداريم، دون أن يتمخض عن الأمر خطوات عملية لتشكيل هذه القيادة.

يمكن القول ان النهاية غير المقبولة للإضراب المفتوح عن الطعام في سبتمبر 2004، الذي لم يحقق مطالب الأسرى، هو الحدث الأبرز في اندفاع ثلة من قيادات الأسرى لتشكيل هذه القيادة، وهذا ما أكده للدراسة الأسير المحرر موسى دودين بقوله أن "إنجاز الهيئة القيادية مصاحبا لإضراب 2004"(14).

اتفق معظم الأسرى أن الدرس الأول من عدم تحقيق الاضراب لمطالبهم هو ضرورة إنشاء قيادة موحدة لأسرى حماس في السجون، وتشجيع الفصائل الاخرى لانتهاج نفس الأسلوب، كي يتمكنوا من مواجهة التحديات التي تفرضها مصلحة سجون الاحتلال بشكل موحد، مما يشير بوضوح أن دوافع إنشاء الهيئة كانت بالدرجة الاولى مواجهة سياسات مصلحة سجون الاحتلال ضد الأسرى، ثم تطورت لاحقا إلى أهداف أشمل من ذلك.

كانت المبادرة العملية لإنجاز الهيئة من قسم 4 سجن ايشل–بئر السبع، بتواجد ثلة من قيادات أسرى حماس ومنهم: الشيخ حسن يوسف، محمد جمال النتشة، يحيى السنوار، حسن المقادمة، وعبد الناصر عيسى، بصفته أميرا وممثلا للسجن.

تم التوافق بين هذه القيادات أن يقوم عيسى، إضافة للمقادمة، بمتابعة إجراء انتخابات للقيادة الموحدة، على أساس قيام كل سجن بانتخاب 17 عضوا في الهيئة القيادية، موزعين على أربعة مناطق أساسية ومتساوية دون مراعاة النسبة العددية لكل منطقة، بحيث يتم انتخاب خمسة أسرى من غزة، وكان حينها عددهم لا يزيدون عن 12-14% من مجموع عدد الأسرى، لكنهم تمتعوا بنسبة كوادر عالية، وأربعة أعضاء لكل منطقة من مناطق الضفة الثلاثة الرئيسية: الشمال والوسط والجنوب.

جوبهت فكرة الانتخاب على أساس المناطق ببعض التحفظات، ومنها ما أشار إليه عثمان بلال "لم يستسيغها مع أسرى آخرين، ولكن بسبب الحرص على مشروع الهيئة، ولأنه نظام لمرة واحدة، فقد وافقنا عليه".(15)

بدأت عملية شرح الفكرة، وتوضيح آلياتها للتنظيمات الحمساوية المحلية في كل سجن، ولم تجد الفكرة إجماعا، بل تعرضت للانتقادات التي وصلت حد رفض المشاركة في هذه العملية، لكن الاغلبية أيدت هذا التوجه.

يؤكد موسى دودين أن "رسالة وصلته رغم ظروف عزله الكاملة من عبد الناصر عيسى"(16) توضح له فكرة انطلاق الهيئة، فرحب بها، لكن الأسير معاذ بلال نائب أمير سجن هداريم آنذاك تلقى رسالة أخرى من عيسى حول مشروع الهيئة، حيث عارضت غالبية قيادة السجن هذه الفكرة، رغم دعمه لها".(17). 

في وقت لاحق، نقلت مصلحة السجون الإسرائيلية الباحث من سجن ايشل قسم 4 الى سجن هداريم قسم 3، وتوافق الأسرى على عقد جلسة أخرى لمجلس شورى هداريم، للاستماع للفكرة، وإعادة النظر في قراره السابق المعارض لإنشاء الهيئة، وهو ما تمت الموافقة عليها بعد نقاش هادئ وبناء.

كما أن تردد الهيئة التنظيمية لحماس في سجن عسقلان تم حسمه إيجابياً من خلال انتقال الأسيرين معاذ وعثمان بلال من هداريم إليه، حيث أكد معاذ "أنه التقى بالأسرى عبد الحكيم حنيني ومحمود مرداوي وكمال ترابي وغيرهم، وناقشهم في الأمر"(18)، وهو ما تمخض عنه موافقة قيادة السجن على المشاركة بانتخابات الهيئة.

من العقبات الأخرى في وجه تأسيس الهيئة، عدا عن تردد بعض الأسرى، صعوبة الاتصال بين السجون، حيث تمت على الأغلب من خلال الرسائل المهربة المسماة "الكبسولات"، قبل نجاح الأسرى في تهريب الهواتف النقالة لمعظم السجون.

بعد عملية مخاض طويلة استمرت عدة أشهر قام الأسرى في السجون المركزية، وليس المعتقلات العسكرية كالنقب، بانتخاب 17 عضوا في الهيئة القيادية، هم: محمد جمال النتشة، عبدالخالق النتشة، موسى دودين، خالد طافش، يحيى السنوار، روحي مشتهى، حسن المقادمة، توفيق أبو نعيم، علي العامودي، عبد الناصر عيسى، جمال أبو الهيجا، طلال الباز، عباس السيد، صالح العاروري، محمود عيسى، جهاد يغمور، وأحلام التميمي. 

ثم انتخب الأسرى السبعة عشر منسقا عاما للهيئة، وهو بمثابة رئيس الهيئة، قبل إعداد اللوائح الرسمية، وهو الشيخ محمد جمال النتشة، الذي أكد أنه "أوكل عبد الناصر عيسى بالتنسيق العملي للهيئة بسبب تواجده في سجن هداريم الذي يحوي العدد الأكبر من أعضاء الهيئة".(19)

بعد انتقال الشيخ النتشة إلى سجن النقب بعد شهر من انتخابه، تم إجراء انتخابات جديدة للمنسق، أفرزت عبد الناصر عيسى.

قامت الهيئة التأسيسية الأولى لقيادة حماس في السجون بثلاثة أمور أساسية هي: 

  1. إعداد اللوائح التنظيمية التي تم على أساسها إجراء انتخابات الدورة الثانية 2007.
  2. إنجاز وثيقة الأسرى 2006، والمشاركة في نقاشات انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني 2006، وتوافقها مع قيادة الحركة خارج السجون بتسمية أربعة مرشحين في قائمة الحركة للانتخابات: وهم محمد جمال النتشة، صالح العاروري، خالد طافش، وجمال أبو الهيجا.
  3. بدء التواصل مع قيادة حماس في صفقة تبادل الأسرى (وفاء الأحرار)، حيث التقى عوفر ديكل أول مسؤول إسرائيلي لملف تبادل الاسرى بلقاء أعضاء الهيئة في هداريم لبحث الصفقة.

يجدر القول أن الهيئة مرت بسبع دورات انتخابية، مدة كل دورة سنتان، وقد تمدد لبضعة أشهر بسبب الظروف القاهرة، على النحو التالي:

  1. الدورة الأولى وهي الهيئة التأسيسية، وسبقت الإشارة إليها.
  2. الدورتان الثانية والثالثة 2007-2011 برئاسة يحيى السنوار.
  3. الدورة الرابعة 2011 برئاسة روحي مشتهى، حيث تمت صفقة التبادل بعد أقل من أربعة أشهر على انتخابها، والإفراج عن نصف أعضائها، فقام الأسير عثمان بلال بمهام رئيس الهيئة إلى حين اجراء انتخابات الدورة الخامسة، وقاد في هذه الأثناء الاضراب المفتوح عن الطعام 2012.
  4. الدورة الخامسة 2012-2015 برئاسة عباس السيد.
  5. الدورتان السادسة والسابعة 2015-2018، برئاسة محمد عرمان.

المبحث الثالث: الوظائف الظاهرة للهيئة

يقصد بالوظائف الظاهرة للمؤسسة النتائج التي حققتها الهيئة بنسبة أو بأخرى من النجاح، وكانت مقصودة سلفا، أو هي الاهداف الحاضرة في أذهان الأسرى الفاعلين إبان فترة إنشاء الهيئة 2004-2005، ومنهم على سبيل المثال: حسن يوسف، محمد جمال النتشة، عبد الخالق النتشة، يحيى السنوار، حسن المقادمة، عبد الناصر عيسى.

مما لاحظه الباحث، وشارك فيه، ومقابلاته مع بعض الأسرى، يمكن القول بأن وظائف الهيئة الظاهرة:

  1. توحيد كلمة وموقف أسرى حماس في سجون الاحتلال.
  2. ترتيب وتنظيم وتعزيز العلاقة مع الحركة خارج السجون.
  3. مواجهة سياسات مصلحة السجون الإسرائيلية.

حقق تأسيس الهيئة تقدما ملموسا ومتفاوتا بهذه المواضيع، مما عزز دورهم كمناضلين بالدرجة الأولى، ثم ظهر بعد التأسيس أنه عزز دورهم كرموز وطنية تجسد الهوية الوطنية الفلسطينية، فهم دعاة الوحدة الوطنية والعمل الوطني المشترك.

يؤكد الشيخ عبدالخالق النتشة "أن الهدف الأول للهيئة كان توحيد كلمة السجون من أجل تمكينها من مواجهة الممارسات التعسفية لإدارات السجون".(20)

وقد سبقت الإشارة أن دوافع إنشاء الهيئة تعلق بالدرجة الأولى بنتائج إضراب 2014، وحينها "استخلص قادة الأسرى العبرة، وتوجهوا لتشكيل جسم قيادي جديد يوحد كلمتهم، ويمنع تكرار تجربة إضراب 2004".(21)

وأشار الشيخ حسن يوسف للباحث أن من أهم وظائف الهيئة القيادية الظاهرة:

  1. توحيد السجون ومواجهة القمع الإسرائيلي: نجحت الهيئة في بداية تأسيسها في جمع الكثير من قيادات السجون، وليس كلها، حيث توافقت الشخصيات المؤسسة للهيئة أن تكون بداية التجربة أو المشروع بجمع السجون المركزية أولا، ثم توسعت بعد ذلك لتشمل أسرى حماس في معتقلات: النقب، مجدو، وعوفر، وتميزت بأن معظم أسراها من الأحكام غير المرتفعة.

لم تشارك المعتقلات السابقة في انتخابات 2005، وبدأ العمل على ضم بقيتها في الدورة الثانية للهيئة، ووصلت الجهود ذروة اكتمالها في الدورة السادسة للهيئة 2015-2016، حيث أكد الأسير معاذ بلال بقوله "لم يسبق للسجون أن كانت موحدة في علاقاتها مع الإدارة كما هي عليه في هذه الفترة، فكل قرار تتخذه الهيئة يتم تنفيذه في كل الأقسام التي يتواجد فيها أسرى حماس في السجون."(22)

أسهمت هذه الدرجة العالية من الوحدة بين السجون لتغيير واضح وملموس في سياسة مصلحة السجون تجاه الأسرى بشكل عام، وأسرى حماس بشكل خاص، حيث تراجع مستوى الإجراءات التعسفية، وتم التعاطي مع مطالب الأسرى بشكل أكثر جدية، مما أسهم بتحسين ظروف اعتقالهم.

أشار عثمان بلال بأن "الهيئة نجحت بوقف الكثير من الإجراءات القمعية كالنقل التعسفي وشروط زيارة الأهالي وغيرها، لأنها ضمنت تحرك أكثر من 16 قسما من أقسام السجون المختلفة بشكل موحد".(23)

وأضاف أن "أحد أهم المحطات التي أظهرت مدى أهمية الهيئة في جمع كلمة السجون من أجل التصدي للسياسات القمعية لمصلحة السجون كانت إضراب 2012".(24)، وتجلى ذلك بإخراج مجموعة من قادة الأسرى من العزل الانفرادي مثل: محمود عيسى، عباس السيد، أحمد المغربي، إبراهيم حامد، وليد خالد، وغيرهم.

يمكن القول أن أهم الوظائف الظاهرة للهيئة هي توحيد الأسرى في مواجهة قمع السجان تحقق بدرجة عالية من النجاح، مما عزز وزاد من فعالية دورهم كمناضلين بالدرجة الأولى، وكرموز وطنية بالدرجة الثانية. 

  1. العلاقة التنظيمية مع حماس خارج الأسر: سعى الأسرى باستمرار ألا يكون الاعتقال نهاية المطاف لحياتهم النضالية والتنظيمية، فشكل استمرار وتعزيز تواصلهم مع الحركة هدفا مركزيا قبل وبعد إنشاء الهيئة، واعتبر من أهم الوظائف الظاهرة للهيئة منذ تأسيسها في 2005 ، لأنه وسيلة لا غنى عنها لقيام الهيئة بواجباتها  أدوارها المختلفة بمواجهة الإدارة، وتحسين شروط حياة الأسرى،  وتفعيل مشاركتهم في الشأن العام.

شكل تحقيق هذه الوظيفة بنجاح تعزيزا مزدوجا لدور الأسرى كمناضلين أولاً، ورموز وطنية ثانياً، مما أسهم بوضوح برفع مكانتهم في المجتمع الفلسطيني، حيث لعبوا أدوارا هامة ومؤثرة، وتمتعوا بمكانة عالية في المجتمع قبل إنشاء الهيئة، لكن الدراسة تفترض أن إنشاء الهيئة زاد وعزز بشكل ملحوظ هذه الأدوار وتلك المكانة.

أدى تأسيس الهيئة لتوحيد موقف السجون أمام قيادة تنظيم حماس في الخارج، وتعاملت الحركة بصورة أكثر جدية وإيجابية مما سبق مع رأي وموقف ومقترحات ومطالب السجون، "فالهيئة هي الممثل الشرعي والمنتخب لقطاع واسع ومناضل من أبناء الحركة".(25) كما وصفها دودين.

ظهرت هذه الجدية والإيجابية في محطات عديدة، ومنها على سبيل المثال:

  1. موافقة حماس على ترشيح عدة أسرى في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، وهم: حسن يوسف ومحمد النتشة وخالد طافش وجمال أبو الهيجا وصالح العاروري، مما عزز دورهم كرموز وطنية بوضوح.
  2. التنسيق والتشاور مع الأسرى في صفقة التبادل (وفاء الأحرار)، فبدأ التنسيق عام 2005، وتطور وتزايد، وبلغ قمته في السنوات التي تلتها، مما أثار حفيظة الأجهزة الأمنية الاسرائيلية التي قامت بمحاولة غير ناجحة لوقف هذا التنسيق من خلال عزلها لبعض قادة الأسرى، بينهم رؤساء الهيئة يحيى السنوار وجهاد يغمور وزاهر جبارين.
  3. التعاطي الفلسطيني مع مقترحات الأسرى من خلال وثيقتهم التي أطلق عليها وثيقة الوفاق الوطني، فتم تبنيها من قبل كافة فصائل الشعب الفلسطيني.
  4. بلغت العلاقة مع التنظيم في الخارج ذروة مأسستها حينما قررت الحركة اعتبار رئيس الهيئة ونائبيه عضوين في مجلس الشورى العام في عام 2009، ثم تطور الأمر باتخاذ قرار جديد يكون بموجبه رئيس الهيئة عضوا في اللجنة التنفيذية في الحركة، ونائبه عضوا في الشورى العام، منذ عام 2015.

هذا يشير بوضوح إلى "مدى نجاح الهيئة بتعزيز دور الأسرى، وحرص واهتمام الحركة بذلك" (26) وفق توصيف دودين، الذي أوضح أن الهيئة أسهمت وبصورة واضحة بتحقيق مستوى عال من الوظائف الظاهرة، أو الأهداف المسبقة التي وضعتها لنفسها، وأدت لتعزيز مكانة ودور الأسرى في المجتمع الفلسطيني.

المبحث الرابع: الوظائف الكامنة للهيئة

لا تقل مهمة البحث عن الوظائف الكامنة أهميةً عن الوظائف الظاهرة لأي مؤسسة أو تنظيم اجتماعي آخر، بل قد تكون أصعب نسبيا ، والدراسة لا تهدف لاستعراض كافة أعمال  آثار ونتائج عمل الهيئة، بل تكتفي بسرد أهمها، بالقدر الذي يخدم مشكلة الدراسة.

أدى تأسيس الهيئة عام 2005 إلى تحقيق ثلاثة وظائف كامنة رئيسية، وهي: 

  1. رفع مستوى الثقافة والوعي لدى الأسير، وشكل التعليم الجامعي وسيلة مركزية لذلك.
  2. زيادة درجة الاحترام والتقدير التي يكنها المجتمع الفلسطيني للأسرى.
  3. تحسين شروط الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأسير وعائلته.

ترى الدراسة أن هذه الوظائف الكامنة، بجانب الظاهرة التي سبق تناولها، أسهمت بصورة كبيرة في تعزيز دور الأسرى كمناضلين  مثقفين ورموز وطنية كريمة ومكرمة.

السطور التالية تفصل أهم الوظائف الكامنة للهيئة القيادية لأسرى حماس في السجون الإسرائيلية على النحو التالي:

  1. الثقافة والوعي: قامت الهيئة من خلال لجنتها الثقافية بنشاطات عززت ثقافة ووعي الأسير عبر وسيلتين أساسيتين:
  2. تقليدية: وتشمل البرامج الثقافية العامة والدورات والمحاضرات في كافة الشؤون الدينية والسياسية  والثقافية العامة.
  3. جديدة: لم تكن قبل إنشاء الهيئة، عبر توفير التعليم الجامعي الأكاديمي للأسرى، حيث نجحت جهود الهيئة بإقناع بعض مسؤولي الجامعات بضرورة وأهمية وإمكانية افتتاح برامج للتعليم الجامعي تتمتع بالجدية والمهنية، بإشراف كفاءات علمية أسيرة على هذه العملية التعليمية.

تم افتتاح أول برنامج للتعليم الجامعي عام 2009-2010 من الكلية الجامعية المتوسطة للعلوم التطبيقية في غزة، تلاه افتتاح برنامج بكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى بقطاع غزة، وتخرج منه مئات الأسرى على مختلف انتماءاتهم السياسية، ثم جاء البرنامج الدراسي في جامعة الأمة للتعليم المفتوح-غزة.

اعتبرت الهيئة أول مؤسسة في تاريخ السجون الإسرائيلية تنجح بتحقيق أحد أهم مطالب الأسرى منذ عقود، وهي استكمال التعليم الجامعي من جامعات فلسطينية وعربية، وليس إسرائيلية كما هو عليه الحال حتى عام 2010، عندما أغلقت مصلحة السجون هذه البرامج الأكاديمية، بعد أن رأت آثارها الإيجابية على ثقافة ووعي الأسير، ونضاله المستمر للدفاع عن حقوقه وكرامته، وما تركه التعليم الجامعي من شعور "بالتفوق النفسي وغير النفسي للأسير، وشعر به الشرطي والضابط الإسرائيلي أمام الأسير الفلسطيني المتعلم والمثقف، الذي يناضل ويكافح بعناد، بمزيد من الوعي الثقافة".(27)، كما ذكر الأسير المحرر محمود مرداوي.

من الواضح أن رفع المستوى التعليمي، وإعطاء الفرصة للأسير للحصول على شهادة علمية معتمدة عزز من دوره كمناضل مثقف وكرمز وطني واعٍ ومدركٍ لهموم وآمال وتطلعات شعبه الفلسطيني من جهة، "ومنحه وأهله الأمل في الاستمرار في العمل والعطاء في مرحلة ما بعد التحرر من الأسر".(28) كما أشار الأسير جمال أبو الهيجا، وبناءً على ذلك حول ارتفاع مستوى الثقافة والوعي من خلال التعليم الجامعي شعار "الأسر كمحطة نضالية واحدة، وليست نهاية المطاف" واقعا عمليا ملموسا لدى جماهير الأسرى وعائلاتهم أيضا.

من جهة أخرى، اهتمت الهيئة بنشر ثقافة الأسر والوعي لقضايا الأسرى في أوساط المجتمع الفلسطيني على وجه الخصوص، والرأي العام العربي بشكل عام، فأنشأت موقعا إعلاميا على شبكة الانترنيت باسم (أحرار ولدنا)، وفي مرحلة ما بعد صفقة التبادل في 2011، قامت بتطويره، ليصبح مكتب إعلام الأسرى، يشرف عليه الأسير المحرر والمبعد إلى غزة عبد الرحمن شديد.

  1. المكانة الوطنية: يمكن الافتراض بأن المكانة الوطنية والاجتماعيةللأسرى ارتفعت وتعززت بشكل واضح بعد تأسيس الهيئة، وانعكس ذلك بوضوح في تفاعل وتعاطي الشعب الفلسطيني بكافة ألوانه وتوجهاته السياسية مع المقترح الوطني الذي قدمه الأسرى عام 2006، وأطلق عليه اسم "وثيقة الأسرى".

رغم أن الهيئة بذلت جهودا مضنية في سنتها الأولى، باعتبارها مرحلة التأسيس، وواجهت عقبات البدايات الصعبة، إلا أن ذلك لم يثنها عن تحمل هموم المجتمع والشعب الفلسطيني الذي عانى آنذاك من بدايات اقتتال داخلي، أدى لوقوع الكثير من الشهداء والجرحى في قطاع غزة. 

بادرت الهيئة عبر أعضائها المجتمعين في سجن هداريم، ومنهم: موسى دودين وروحي مشتهى وعبد الخالق النتشة وجهاد يغمور وعبد الناصر عيسى، المنسق العام للهيئة حينها، إلى إجراء نقاش وأفكار وبنود الوثيقة التي هدفت لجمع الصف الوطني، بالتشاور مع القيادي الفلسطيني البارز مروان البرغوثي وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عبد الرحيم ملوح وقيادات في الجهاد الاسلامي مثل خالد الزواوي وبسام السعدي.

أشار الأسير عثمان بلال أن النقاشات شملت عشرات الأسرى، حيث "كانت تمرر علينا أوراق الحوار للتعليق وإبداء الملاحظات على بنود ومقترحات الوثيقة".(29)، كما تم إرسال الرسائل لسجون أخرى، ومن أهمها الرسالة الصوتية المسجلة عبر شريط كاسيت بصوت الأسير دودين يشرح فيها بنود الوثيقة المقترحة قبل صدورها ونشرها في وسائل الإعلام.

توقع الكثير من أسرى حماس أن يجد مقترح الوثيقة معارضة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كما أشار موسى دودين "بسبب مخالفتها لمعظم مواقفه وسياساته، خاصة التي أكدت المقاومة بكل أشكالها في كل فلسطين، لكنها دعت لتركيزها، وليس حصرها في الأراضي المحتلة عام 67".(30)

رغم ما رافق الوثيقة من مناكفات وخلافات سياسية فلسطينية داخلية، إلا أنها وبعد النقاش الهادئ والبناء تحولت إلى وثيقة الوفاق الوطني، أو بكلمات الأسير المحرر حسن المقادمة "مرجعا وطنيا متفقا عليه حتى في الحوارات الوطنية في السنوات الأخيرة".(31)

لم تكن الوثيقة لتتم لو لم يكن لأسرى حماس مؤسسة تنظيمية جامعة وممثلة لهم جميعا، وقد وصف الأسير المحرر زاهر جبارين الوثيقة بأنها "إنجاز تاريخي وهام للهيئة".(32)

يؤكد نجاح الهيئة بجانب الشركاء من الفصائل الوطنية الأخرى في إصدار الوثيقة مدى أهمية هذه المؤسسة في تعزيز دور الأسرى كرموز للهوية الوطنية الفلسطينية ودعاة للوحدة الوطنية، وبالتالي تعزيز مكانتهم في المجتمع الفلسطيني، وما زال يتوقع من الأسرى لعب دور أكثر فاعلية في موضوع الوحدة الوطنية.

  1. الحاجات الاقتصادية وتحسين شروط الاعتقال

لم يكن الهدف الاقتصادي المتعلق بتحسين شروط حياة الأسرى وعائلاتهم، على أهميته، هدفا لمؤسسة الهيئة حين تأسست عام 2005، فقد برز الاهتمام به مع تطور أعمالها ونشاطاتها وتخصصاتها، وتحديدا في دورتيها الثانية والثالثة، مما يطرح جملة من الأسئلة حول أهم أعمال وإنجازات الهيئة في هذا المجال، وكيف عزز ذلك دور ومكانة الأسرى؟

تابعت الهيئة عبر لجنتها الاجتماعية المختصة مشكلة الحاجات الاقتصادية، وتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم للأسير وعائلته المستهدفة من الاحتلال، وبرز هذا الاستهداف في الأشهر الاخيرة من خلال ملاحقة الحكومة والكنيست لرواتب ومخصصات عائلات الشهداء والأسرى، وبناء عليه سعت الهيئة للتواصل مع المؤسسات والشخصيات الوطنية، ومع قيادة الحركة خارج السجون من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل ومواجهة محاولات الاحتلال. 

أجرى الأسرى اتصالاتهم مع الأسير المحرر صالح العاروري، وأسفرت عن تبني نظام مالي جديد بدأ العمل به منذ بداية عام 2011، ويقضي برفع مخصص الأسير من 180 دولار شهريا، بغض النظر عن حالته الاجتماعية وعدد سنوات أسره إلى 200 دولار شهريا، مع زيادات إضافية مرتبطة بالحالة الاجتماعية للأسير، وعدد سنوات اعتقاله، واعتماد ما يسمى بمنحة الإفراج، وهي 1000 دولار عن كل سنة للأسير الذي قضى خمس سنوات فأقل من ذلك، وتراعى الأقدمية.

كما عملت الهيئة من خلال لجنتها القانونية على توفير تكاليف ونفقات المحامين، مما وفر على كثير من الأسرى مبالغ مالية كبيرة، سمحت بجانب رواتبهم ومعاشاتهم أن يكون فردا إيجابيا مساهما بصورة أكبر في مجتمعه، عبر قيام الهيئة بتنظيم الكثير من حملات التبرع داخل السجون للفقراء والمحتاجين من أبناء الشعب الفلسطيني، تحديدا في قطاع غزة المحاصر، وانطلاقا من فهم الأسرى لطبيعة دورهم كمناضلين ملتحمين بقضايا شعبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ذكر الأسير المحرر زاهر جبارين قيام الهيئة "بسد الفراغ الاجتماعي الاقتصادي الذي أحدثته ملاحقات الاحتلال الأمنية لأبناء وكوادر الحركة في الضفة الغربية"(33)، من خلال متابعتها لموضوع التعويضات المالية للخسائر التي يتسبب بها الاحتلال للأسرى وعائلاتهم، ومنها هدم البيوت ومصادرة وتخريب الممتلكات.

في السنوات الأخيرة كثفت الهيئة من أشكال مساعداتها المالية للأسير المعتقل عبر نظام القروض وصندوق التكافل الاجتماعي الخاص بالأسرى، من حيث وارداته ونفقاته، مما عزز الدعم المادي للأسير وعائلته ومساهمة الأسرى في مساعدة أبناء مجتمعهم من الفقراء والمحتاجين من دورهم ومكانتهم، وشجع على استمرار النضال والكفاح الوطني.

المبحث الخامس: انتقادات وملاحظات

رغم ما تقدم من إنجازات وإشارات بدور الهيئة القيادية العليا لأسرى حماس، لكنها تعرضت لبعض الانتقادات والملاحظات، يمكن سردها على النحو التالي: 

  1. أشار الأسير سامح الشوبكي أن "الهيئة لم تنجح خلال السنوات الأخيرة في إيجاد صيغة لإعادة اللحمة الوطنية لكافة الأسرى في السجون، وترميم ما تركه الانقسام الفلسطيني على واقعهم داخل السجون"(34)، وهذه إشارة لافته لما حاولت الهيئة فعله في العديد من المناسبات، دون نجاح يذكر، لأن أسرى حركة فتح ما زالوا يعيشون في أقسام منفصلة عن أقسام أسرى حماس والجهاد وقوى اليسار.
  2. يرى الأسير القيادي في الجبهة الديموقراطية محمد الملح "أن هيئة حماس لم تقم بكل المطلوب منها، رغم موافقتها المبدئية على ذلك"(35)، مع وجود مسؤولية أسرى فتح في هذا الموضوع، لأنهم العدد الاكبر داخل السجون، لكنهم لا يمتلكون قيادة موحدة يمكن الاتفاق معها".(36)

تجدر الإشارة أن من أسباب الانفصال داخل الأسرى، هو الخلاف على إضراب عام 2012 الشهير، حيث رفضت معظم قيادات فتح في السجون المشاركة فيه، ولم تسمح بعودة كثير من الأسرى من أبناء الفصائل، وبعض أسرى فتح بالعودة لأقسامهم مما عزز الفصل. 

تمثل موقف إدارة السجون الإسرائيلية بتعزيز هذا الانفصال بين الأسرى، مع أنه لوحظ في السنتين الأخيرتين محاولات لدمج أقسام حماس وفتح سوياً، ليس من باب الحرص على الوحدة الوطنية الفلسطينية، بل لأنه يشكل عاملا لكبح اندفاع هيئة حماس واستعدادها المستمر لمواجهة سياسات وإجراءات مصلحة السجون التعسفية، لكن واجب إعادة اللحمة الوطنية للأسرى ما زال ممكنا ومتوفرا على صعوبته في هذه الظروف، وهو ما اعتبره الأسير معاذ بلال هدفا تعمل عليه الهيئة باستمرار.(37)

  1. أثار الأسير باسم الخندقجي عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني العديد من الانتقادات على عمل الهيئة في سنواتها الأخيرة، لأنه يعتقد أن "انفتاحها وحوارها مع الفصائل الوطنية كان محدوداً، وأقل من المطلوب في مجمل القضايا النضالية، وهذا تراجع عما كانت عليه في فتراتها الأولى.(38)

هذا انتقاد تراه الهيئة الحالية على لسان الأسير معاذ بلال "مبالغاً فيه، فالهيئة ما زالت حريصة على الشراكة والحوار الوطني المستمر مع كافة الفصائل الوطنية".(39)

  1. أشار الأسير سامح الشوبكي إلى نقد آخر يتمثل في "أن دور الهيئة محدود في مباحثات صفقة تبادل الأسرى القادمة، مقارنة بما كان عليه دورها في صفقة وفاء الأحرار الأولى"(40)، ولأن موضوع التبادل يتعلق بالأمن القومي الفلسطيني، فمن الصعب بمكان تناول جوانب هذا الملف بشكل علمي، ولكن من المتوقع من خلال تجربة وفاء الأحرار الأولى أن يتزايد دور الأسرى داخل السجون مع تطور عملية التبادل، واقترابها من الحسم.

هذه جملة من الانتقادات لمؤسسة الهيئة، التي تبقى كغيرها من المؤسسات الاجتماعية والسياسية خاضعة للنقد والتحليل، رغم إنجازاتها الكثيرة.

  • استنتاجات وتوصيات
  1. بحثت الدراسة موضوع الهيئة القيادية العليا لحركة حماس في سجون الاحتلال كمؤسسة سياسية اجتماعية قامت بوظائف هامة عززت من دور ومكانة جزء كبير الأسرى الفلسطينيين، مما انعكس إيجابياً على قضية الأسرى بشكل عام.
  2. من المرجح أن تستمر أهمية مؤسسة الهيئة بسبب استمرار قيامها بوظائفها الظاهرة والكامنة.
  3. من المتوقع أن تستمر محاولات إدارة سجون الاحتلال إضعاف هذا الجسم الاعتقالي، دون الوصول لمرحلة المواجهة الشاملة معه، نظرا لتكاليف المواجهة الباهظة.
  4. تميزت المراحل الأولى للهيئة، وتحديداً قبل صفقة تبادل الأسرى 2011 ببروز وظائفها التي عززت من مكانة الأسرى ودورهم، كرموز وطنية، ثم كمناضلين، أما في مراحلها الأخيرة فقد عززت دور الأسير كمناضل بالدرجة الاولى أكثر مما عززته كرمز وطني.

هذه الاستنتاجات تدفع لذكر عدد من التوصيات يمكن حصرها في النقاط التالية:

  1. ضرورة قيام المؤسسات الوطنية ومؤسسات حركة حماس خارج السجون بزيادة دعم وتعزيز مكانة الهيئة كممثلة للأسرى داخل السجون، دون أن يؤثر على المبادرات الفردية الايجابية للأسرى.
  2. دعم الهيئة في نضالها المتواصل للحفاظ على كرامة وحقوق الأسرى، مما قد يوفر عليهم معاناة الإضراب المفتوح عن الطعام.
  3. تفعيل وتعزيز دور الهيئة بموضوع تبادل الأسرى القادم.
  4. عمل الهيئة على تحقيق توازن أفضل بين كافة أدوارها الهامة، وتحديداً بين دورها السياسي والوطني خارج السجون، وبين أدوارها النضالية داخلها.
  5. بذل الهيئة لمزيد من الجهود لتشكيل قيادة وطنية موحدة لكافة الأسرى في السجون، وتجاوز العقبات التي تقف في وجه ذلك.


ملاحظات الهوامش 

1- رأفت حمدونة، الجوانب الإبداعية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة بين 1985-2015، رسالة مقدمة للحصول على درجة الدكتوراه في الدراسات السياسية، القاهرة 2016.

http://asravoice.ps/uploads/documents/c66dcfb182a709b3b5fe0feba3533f13.pdf

2- محمد أبو شريعة، الحركة الأسيرة وتأثيرها في السياسة الفلسطينية 2006-2012، رسالة ماجستير في العلوم السياسية– كلية الاقتصاد والعلوم الادارية جامعة الأزهر–غزة 

file:///C:/Users/Lenovo/Downloads/%C3%A3%C3%87%C3%8C%C3%93%C3%8A%C3%AD%C3%91%20%C3%A3%C3%8D%C3%A3%C3%8F%20%C3%87%C3%88%C3%A6%C3%94%C3%91%C3%AD%C3%9A%C3%A5.pdf

3- رولا أبو دحو، الحركة الفلسطينية الأسيرة بين 1967-1992: النضال من أجل الهوية الوطنية، رسالة ماجستير في برنامج الديموقراطية وحقوق الإنسان من كلية الدراسات العليا في جامعة بيرزيت، فلسطين.

  file:///C:/Users/Lenovo/Downloads/DS127.52.A283%202014%20(2).pdf
4- جمال علي، النظام السياسي والبناء الاجتماعي، النموذج الواقعي لتحليل النظم السياسية.القاهرة، دار النهضة العربية، 2006.

  https://vb.3dlat.com/showthread.php?t=242164
6-المصدر نفسه 

7- المصدر نفسه

8- صلاح الدين جوهر، إدارة المؤسسات الاجتماعية: أسسها ومفاهيمها، القاهرة، مكتبة عين شمس، 1972، ص590 

9- parsons, talcott, the structure of social action vo.1, N.york, the free press. 1968

10- إبراهيم عثمان، النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، عمان: دار الشروق، 2007، ص53.

11- merton, Robert, social theory and social structure, N.york, the free press, 1967 .
12- إبراهيم عثمان، ص69 .

13- مقابلة مع الأسير المحرر المبعد إلى قطر موسى دودين، مسؤول ملف الأسرى في حركة حماس.

14- مقابلة مع الأسير عثمان بلال، رئيس الهيئة القيادية لأسرى حماس في فترة إضراب 2012 –سجن جلبوع.

16- مقابلة دودين.

17- مقابلة مع الأسير معاذ بلال عضو الهيئة القيادية العليا لحماس– سجن رامون.

18- مقابلة مع معاذ بلال.

19- مقابلة مع الشيخ محمد جمال النتشة، شخصية إسلامية بارزة من مدينة الخليل–سجن رامون.

20- مقابلة مع الأسير الشيخ عبد الخالق النتشة من مدينة الخليل، أحد الموقعين باسم الهيئة على وثيقة الأسرى–سجن النقب.

21- مقابلة مع الشيخ حسن يوسف، أحد قادة حماس في الضفة الغربية، من مدينة رام الله.

22- مقابلة مع معاذ بلال.

23- مقابلة مع عثمان بلال.

24- المصدر نفسه .

25- مقابلة دودين.

26- مقابلة دودين.

27- مقابلة مع الأسير المحرر والمبعد إلى غزة محمود مرداوي .

28- الأسير القيادي جمال أبو الهيجا عضو الهيئة القيادية لحماس–سجن ايشيل.

29- مقابلة عثمان بلال.

30- مقابلة دودين.

31- مقابلة مع حسن المقادمة الأسير المحرر والقيادي في حماس– غزة.

32- مقابلة مع الأسير المحرر والمبعد إلى قطر زاهر جبارين، عضو اللجنة التنفيذية لحركة حماس.

33- المصدر نفسه.

34- مقابلة مع الأسير سامح الشوبكي، عضو الهيئة القيادية العليا لحركة الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال.

35- مقابلة مع الأسير محمد الملّح، عضو القيادة العليا للجبهة الديموقراطية في سجون الاحتلال.

36- المصدر نفسه.

37- مقابلة معاذ بلال.

38- مقابلة مع الأسير باسم الخندقجي، عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني.

39- مقابلة معاذ بلال.

40- مقابلة سامح الشوبكي.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020