أين تقف "إسرائيل" جيوسياسيا في الشرق الأوسط؟

عبد الله صادق

باحث وكاتب

بقلم: عبد الله صادق 

  • مقدمة:

منذ احتلال العصابات الصهيونية لفلسطين عام 1948 م، وصدور وثيقة إعلان قيام دولة "إسرائيل" والتي كُتبت في 14 أيار / مايو 1948، بعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وإعلان ديفيد بن غوريون، الرئيس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية ومدير الوكالة اليهودية قيام الدولة الإسرائيلية، والدعوة لعودة الشعب اليهودي إلى ما أسماه أرضه التاريخية، والمطالبة الدول العربية المجاورة بتقبل وجودها وإبداء التزام واستعداد للقيام بأي عمليات سلام وتطبيع علاقات كاملة معها؛ مع إجماع عربي على عدم الاعتراف بها. 

بدأ ظهور ملامح السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه المحيط الجغرافي لها، حين قامت بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية 1979م، بعد خمس حروب كبرى بينهما في أقل من ثلاث عقود، لتوقف حالة الصراع بين البلدين، ومن ثم تبعتها اتفاقية أوسلوا مع منظمة التحرير الفلسطينية 1993م، ووداي عربة مع الأردن 1994م، ولكن هذا السلام كان على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، ولكن هذه العلاقات لم تتقدم بمستوى الطموح لدى الجانب الإسرائيلي، لتبقى ضمن مستويات الحكومات لا على مستوى الشعوب إلى يومنا هذا. 

وبعد 41 عاما، دخلت المنطقة في منظومة جديدة للعلاقات العربية الإسرائيلية نحو اتفاقيات إبراهام، التي شاركت فيها دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، ومن ثم مملكة المغرب والسودان، تحت مبدأ "السلام من أجل السلام"، متجاوزة بذلك الإجماع العربي المبني على ربط تطور العلاقات العربية الإسرائيلية، بتطور عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية ضمن رؤية السلام العربية 2002م، التي قدمتها المملكة العربية السعودية. 



  • انحسار الدور الأمريكي في الشرق الأوسط: 

منذ بدء الفترة الرئاسية للرئيس الأمريكي "جون بايدن"، تحولت الرؤية السياسية الأمريكية الخارجية نحو ثلاثة محاور: ترميم العلاقة مع القارة الأوروبية واستعادة المكانة الدولية في المنظمات الدولية، تحجيم الدور الجيوسياسي للصين، والعودة للاتفاق النووي مع إيران، والتخفف من الانشغال في أزمات الشرق الأوسط، ودفع دول المنطقة العمل على علاج تلك الأزمات ضمن تحالفات ثنائية أو تشاركية، لتستغل "إسرائيل" هذا الفراغ وتتقدم كمرشح رئيسي لإدارة المنطقة. 

إن المنطلقات التي تعمل على أساسها "إسرائيل"، أن الولايات المتحدة الأمريكية تركت في الشرق الأوسط فراغا، يمكن فيه لإيران زيادة تدخلها ونفوذها في جميع أنحاء المنطقة، وبالتالي رأت الحكومة الإسرائيلية أنه من الضروري التحرك لسد هذا الفراغ، وقيامها بدور القيادة الجيوسياسية، وعلى صعيد آخر القيام بعمليات عسكرية على القواعد والمقرات الأمنية الإيرانية في سوريا، أو في داخل إيران. 

ومع أن "إسرائيل" منذ إنشائها في المنطقة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، اتخذت سياسة التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، وتوثيق قاعدة الدعم لها من خلال الحزبين، وأن تتجنب بشكل منهجي أي شأن فيه تدخل في حالة الاستقطاب السياسي في الساحة الأمريكية، وتعزيز التعاون مع واشنطن ضمن رؤية مشتركة تضمن مصالحها الاستراتيجية والوجودية وعلى رأسها الأمن. 

إلا أن هذا الفراغ الاستراتيجي دفع وشجّع "إسرائيل"، لتقديم نفسها كلاعب استراتيجي جديد في الشرق الأوسط، معتمدة في ذلك على تاريخ علاقاتها المتينة مع واشنطن، وامتلاكها التفوق العسكري على دول المنطقة، وتشاركها مع دول الخليج والمغرب القلق من امتلاك إيران السلاح النووي، والحد لتوسع نفوذها في سوريا والعراق ولبنان واليمن، والسعي لإقصاء "الإسلام السياسي". 

هذه التطورات دفعت الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة الأمريكية، في مصر والأردن والإمارات والبحرين والمغرب وتركيا، نحو البحث عن مصالحها بمعزل عنها، عبر تصفير أزماتها الثنائية، و التوافق على التصالح، وتحقيق التقارب فيما بينها، ومن ثَمّة تشكيل تحالف إقليمي تقوده "إسرائيل"، في ثلاث مسارات: الأول، مواجهة الاتفاق النووي الإيراني وإدانة نقاط ضعفه، ورفض الخضوع للإملاءات الإيرانية، والثاني، تعزيز العلاقات الأمنية و الاستخباراتي فيما بينها، والثالث، تعزيز رؤية مشتركة ضاغطة تجاه الولايات المتحدة الأمريكية. 

لكن من الناحية السياسية فإن "إسرائيل" تتعامل بحذر في توجيه انتقاداتها بشكل مباشر تجاه الإدارة الأمريكية خصوصا أنها تعلم بأهمية انتخابات الكونغرس، (والتي ستجرى هذا العام، والتي قد تعيد تشكيل التوازن الحزبي)، مثل هذه الانتقادات قد يستخدمها الجمهوريون للتنديد بالرئيس الأمريكي "جو بايدن" والديمقراطيين، وبالتالي قد تجر "إسرائيل" نفسها عكس سياسته التقليدية في دوامة السياسة الأمريكية الداخلية، خصوصا أن "إسرائيل" تدرك التغيرات التي تحدُث في المجتمع اليهودي الأمريكي، وخاصة بين جيل الشباب، هذا الجيل الذي بدأ يبتعد بشكل متزايد عن الإيمان بمشروع "إسرائيل"، الوجود كأرض تُوحّد الشعب اليهودي في الشتات، ضمن نشاط استيطاني ذو أبعاد دينية، لأسباب مختلفة.

لكن هذا التحدي دفع" إسرائيل" في شحذ علاقاتها مع دول اتفاقات أبراهام للتحذير من نوايا إيران، ورفع مستوى القلق الاستراتيجي إلى مستويات الخطر الاستراتيجي لدى مرحلة ما بعد امتلاك إيران السلاح النووي، مما دفعها إلى التخطيط الاستراتيجي، والبدء بالتنسيق الكامل بين جميع الدول في الإقليم التي تتشارك معها ذات الرؤية، وتجنيدها عناصر القوة الناعمة لـ "إسرائيل" عبر قواعد الدعم لها (اللوبي) في الساحة الأمريكية، ويزداد التهديد حدّة في نظر الحلفاء التقليديين لواشنطن، عندما ابتعدت الولايات المتحدة عن مواجهة الجرأة الإيرانية، من خلال وكلائها في الشرق الأوسط، وفقدانها نفوذها ومصداقيتها في نظر هؤلاء القادة، والقدرة على الوفاء بالتزامها وتحقيق توازن الردع في بينها.

ومع قناعات بلدان المنطقة مع "إسرائيل"، أنها لم تعد تستطيع منع وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق نووي الجديد مع إيران، وما هي إلا مسألة وقت حتى يتم الإعلان عنه، لكنها في ذات الوقت تسعى لتقييده أو عرقلته لأقصى وقت ممكن، كما تسعى "إسرائيل" لتقديم نفسها كقائد استراتيجي أمام التهديدات الإيرانية وتراجع الدور الأمريكي في المنطقة، كما تعمل على إيجاد أساس للحركة الدبلوماسية وقوى الضغط المشترك في الواقع العالمي والإقليمي الجديد، الذي يشمل:

تشكيل تحالف دولي ضد إيران يُساند التحالف الأمني في الشرق الأوسط (MESA)، مستفيدة بذلك من التجربة الدولية في الإجراءات التصعيدية المشتركة تجاه روسيا، خلال الأزمة الأوكرانية الروسية الحالية.

كما تحاول "إسرائيل" الترويج في المحيط الإقليمي وخصوصا في دول الخليج، أن التطبيع معها يمنحها "شهادة التأمين" من المخاطر الإقليمية المتمثلة في إيران، والمخاطر الداخلية المتمثلة في الحركات الإصلاحية وتيار "الإسلام السياسي"، وأنها عبر ثقلها العسكري والاستخباري، والمظلة الدبلوماسية تستطيع تشكيل قوة ردع إقليمية، وكذلك التخفيف من الانتقادات الدولية تجاه حالة حقوق الإنسان، والحقوق المدنية والسياسية في الدول العربية الحليفة لها.

وانتقلت الدبلوماسية الإسرائيلية لسياسة تشكيل تحالف إقليمي والترويج لقناعاتها، عبر ثلاثة عناوين رئيسية: الأول، الشعور المتزايد بالتهديد من إيران ووكلائها للمنطقة، وأنشأت من خلال ذلك أساسا على أن التوصل إلى اتفاق نووي جديد، سيوسع حرية إيران العدوانية في العمل؛ والثاني، هو استمرار ابتعاد الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط، والشعور بالأسف بين عدد غير قليل من حلفائها في المنطقة، والذي لم يعودوا الوثوق بقدرتها على الوفاء بتعهداتها كما كان في السابق، مستعينة بالحالة الأوكرانية مثالا؛ الثالث، يتعلق بالنضج المفاهيمي والاستراتيجي بين قادة دول الخليج والمغرب، فيما يتعلق بالمساهمة التي يمكن أن تقدمها العلاقات مع "إسرائيل" لتعزيز المصالح الاستراتيجية والوطنية لكل منهم. 

خصوصا عندما استطاعت "إسرائيل" إقصاء القضية الفلسطينية من الأجندة المركزية العربية، واعتبارها عبئا استراتيجيا على أكتاف الدول وقادتها، والترويج على أنه لا يوجد أفق في المستقبل القريب، لعدم جدية الفلسطينيين تجاه الاندماج في المنطقة والسلام، مما منح القادة العرب هامش المناورة للتخفّف من الحرج القومي والسياسي تجاه الفلسطينيين، كما اتخذت مع ذلك حالة الانقسام كذريعة أخرى.

بينما شكّل تطور آخر رفع من مستويات النفوذ الاستراتيجي لـ "إسرائيل"، قد يساعد في إنشاء تحالف إقليمي، وهو ما تمتلكه من مزيج من العلاقات مع القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، والتي تسمح في حد ذاتها بمزيد من التعاون التشغيلي والمرونة العملياتية، وإن كان تحت رعاية أمريكية، إلا أن "إسرائيل" تقدم نفسها أمام دول الخليج ومصر والأردن والمغرب، كبديل جيواستراتيجي عن الولايات المتحدة الأمريكية.

وهو ما قام به وزير الدفاع الإسرائيلي "بيني غانتس"، عبر توقيع اتفاقية دفاعية مع البحرين تشمل التعاون في مجالات الاستخبارات وشراء المعدات والتدريب،والتي دعا من خلالها إلى تعميق التعاون الإقليمي بين "إسرائيل" وحلفائها، لمواجهة "التهديدات البحرية والجوية" خلال زيارته لمقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين؛ الذي يقابل الضفة الأخرى للخليج مع إيران.



بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، سيكون مثل هذا التحالف العربي الإقليمي، قادرا على تمكين خفض القوات الأمريكية على الأرض، مع العمل في الوقت نفسه على الحفاظ على المصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة، كما أن هذا الانخفاض للالتزام الأمريكي يدفع دول المنطقة لترتيب منظومة جديدة من الشراكات، والتخلي عن الخلافات التي طال أمدها، كما هو الحال في علاقات "إسرائيل" مع تركيا، وكذلك دول الخليج وقطر، ومصر والإمارات تجاه تركيا.

ومع هذا فإن العقبات التي لا تزال كبيرة في طريق تحقيق مبادرة لإنشاء تحالف عسكري إقليمي، كما تبين التجارب السابقة أن المبادرات العديدة، إلى إقامة تعاون عسكري إقليمي بين البلدان العربية لم تنجح بشكل جيد، ولم تحقق المأمول منها. 

فتاريخ التحالفات العربية ممتد بإخفاقات منذ عام 2015، حيث قررت جامعة الدول العربية إنشاء قوة عسكرية مشتركة تضم 40 ألف مقاتل، وكان من المفترض أن توفر مصر الجزء الأكبر من القوة القتالية، في حين كان دور دول الخليج التمويل و الإسناد، إلا أنه حلف لم ير النور، و في عام 2016 أعلنت المملكة العربية السعودية عن إنشاء تحالف عسكري دولي يتألف من 34 دولة إسلامية، لمحاربة المنظمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ولكن لم تخرج أي من هذه الخطط الطموحة عن مستوى القمم، وبقيت في إطارات استخباراتي ضيّق تديره الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن. 

كما كافحت المملكة العربية السعودية في تشكل تحالف الحزم، والذي بقي منه الإمارات، والتي انسحبت كذلك، والذي أنشأته للقتال الفعلي والطويل الأجل في اليمن ضد خطر مليشيات الحوثي، ودعما للشرعية اليمنية التي تغيرت لمجلس رئاسي مؤخرا، والذي قد لا ينجح في خلق مناخ تصالحي سياسي هو الآخر، لما يشكل جسمه إلى جُملة من التناقضات السياسية والاختلافات الحزبية والقبلية.

تاريخيًا كان العدو المشترك أساسا متينا في نشأة التحالفات، ولكنه ليس بما فيه الكفاية لتشكيل تحالف عربي مع "إسرائيل" لمواجهة إيران؛ فالمنافسات القبلية والعائلية والشخصية الكلاسيكية في الإدارة والحكم في المنطقة، والنزاعات الإقليمية، والمصالح التنافسية، والمواقف المختلفة والخلافات التاريخية، والتصالحات الشكلية المؤقتة، لن يُحقق ما تأمله "إسرائيل" على المدى القصير، إلا إذا سعت على المدى البعيد إلى إعادة تأهيل شكل الأنظمة السياسية في المنطقة، بحيث تسهل عليها عملية الإدارة والسيطرة الجيواستراتيجية وحماية مصالحها، وتعزيز نفوذها الدولي.

كما تحاول "إسرائيل" العمل على المدى القصير والمتوسط ، إنشاء تحالف عربي داخلي صامت، والذي سيقدمها خطوة أخرى كشريك موثوق به ومؤثر، وصولا إلى الشراكة الكاملة.

وعلى الرغم من توقيع اتفاقات إبراهام، وتزايد أهمية التعاون والأمن بين "إسرائيل" ودول الخليج والمغرب، فإن الطريق إلى إنشاء قوة عسكرية قتالية مشتركة بمشاركتها لا يزال طويلا، وشاقّا، وهناك حواجز داخلية وخارجية، فقد تجد دول الخليج نفسها مستقبلا أكثر عرضة للتهديدات الإيرانية الحقيقية من تلك الموجهة إليها اليوم.

كما أن المنظومة الخليجية بشكلها التقليدي، لن ترى جدوى من تشكيل مثل هذا التحالف العسكري دون تدخل أو قيادة أمريكية له، نظرا لتاريخ العلاقات بينها والولايات المتحدة، وهو ما يعني أن "إسرائيل" ستسعى إلى الدفع بانضمام القيادة الأميركية ولو مؤقتا، أو العمل على ضمان أمان وإسناد التحالف عسكريا واستخباراتيا منها، ومباركة الخطوة لطمأنة الشركاء التقليديين في المنطقة. 

بينما تخشى "إسرائيل" على نفسها من تقديم تعهدات لا تقوى عليها، نظرا لقرب حلفاء وشركاء لإيران في المنطقة منها جغرافيا، كما لا تستطيع تحمل كُلفة هذه التعهدات والتزامات في حال ضعف ردود الفعل من قبلها، وعدم إسناد أدوات الولايات المتحدة لها، كما بدأ جليّا في الأزمة الأوكرانية الروسية.

وقد تسعى "إسرائيل" لطمأنة الحلفاء الجدد في اتفاق أبراهام، عبر مجموعة من المشاركات في مناورات إقليمية في مياه الخليج تحت القيادة المركزية الأمريكية، وعبر تعزيز التعاون التكنولوجي، وتشكيل قيادة مشتركة تربط بين المكونات العسكرية والمدنية، ورفع مستويات التعاون الاقتصادي.

بينما تعبر غرف صناعة القرار الإسرائيلي، عن هواجس قلق من دولة الإمارات العربية المتحدة الحليف الرئيسي لها في الخليج، والتي ترى كذلك أن إيران هي التهديد الرئيسي لأمنها القومي؛ إلا أن الإمارات من وجهة نظر الجانب الإسرائيلي، كما تظهر اندفاعها لتعزيز التقارب في كل المستويات، والضغط لتشكيل تحالف عسكري، إلا أنها تخشى أن يرفع مستويات التهديد الإيراني لها بإلحاق ضرر مباشر بالأهداف الاستراتيجية، ولا سيما المنشآت النفطية وتعطيل الممرات المائية؛ وغير المباشر من خلال أذرعها أو شركاءها في المنطقة، كما حصل في زيارة الرئيس الإسرائيلي "إسحاق هرتسوغ" الأخيرة إلى الإمارات، حينما تم قصف العاصمة "أبوظبي" من قبل مليشيات الحوثي عبر صواريخ و طائرات من دون طيار. 

ويزيد القلق الإسرائيلي حرص الإمارات العربية المتحدة، على الحفاظ على قناة اتصال دبلوماسي مع إيران، وزيارات عالية المستوى، والتي كان آخرها زيارة لوزير الخارجية الإماراتية للشيخ "عبد الله بن زايد أل نهيان" لطهران، واتصال مع وزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبد اللهيان"، والذي أكد على "القواسم المشتركة بين البلدين"، وأبدى أن إيران "لا تتمنى سوى الخير والأمن والتقدم لجيراننا والمنطقة والإمارات، لكن الصهاينة كانوا وما زالوا أصل انعدام الأمن في المنطقة، معتبرا أن "وجود الكيان الصهيوني في المنطقة تهديدا لجميع الدول الإقليمية " كما نشرت وكالة الأنباء الإيرانية، بينما أشار نظيره الإماراتي أن "دولة الإمارات لن تسمح لأي طرف بالقيام بأعمال تخريبية أو استفزازية، انطلاقا من أراضيها ضد الدول المجاورة لها" ،حسب وكالة الأنباء الإماراتية. 

وسبق ذلك استقبال الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي" الشيخ "نهيان بن مبارك آل نهيان"، وزير التسامح والتعايش الإماراتي مؤخرا، حيث تم الإعلان عن "إيجاد آلية مشتركة لتفعيل القدرات لتعزيز العلاقات والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات"؛ كما يزيد القلق الإسرائيلي دور الإمارات، في فتح المجال لتسييل الأموال لصالح إيران في بنوكها.

ومع ما سبق يتضح أن الإمارات تسعى لتطوير علاقاتها مع "إسرائيل"، عبر رفع التنسيق على المستوى السياسي الاستراتيجي، وعلى المستوى العمليات الاستخباراتية لإحباط أي تهديدات مستقبلية، وآلية التعامل معها. 



كما تسعى الإمارات، لامتلاك التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية وبرامج التجسس، بما في ذلك امتلاك بطارية القبة الحديدية ومنظومة تل سكاي في الدفاع الصاروخي، وذلك لرفع قدراتها إلى صورة الردع الإماراتية، التي تآكلت أمام الهجمات الحوثية، والذي تشاركت معها في هذا التآكل المملكة العربية السعودية، والتي قد تجد في شكل العلاقات التشاركية مع "إسرائيل"، بوابة لتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية على المدى البعيد، إلا أنها لا تزال تسعى داخليا لتهيئة المناخ للانطلاق نحو نقطة التطبيع المعلن مع "إسرائيل". 



  • قمة النقب:

حشدت "إسرائيل" الدول التي عقدت معها اتفاقيات سلام، كالأردن ومصر والمغرب ودول اتفاق إبراهام والولايات المتحدة الأمريكية، لعقد قمة مشتركة في منطقة النقب جنوب "إسرائيل"، إلا أن الأردن اعتذر عن المشاركة نظرا لرفض الجانب الإسرائيلي مشاركة الجانب الفلسطيني، والسعي الدائم لها لزيادة عزلة الرئيس محمود عباس، وتحييده عن المشهد السياسي الإقليمي، وعدم طرح مسارات تفاوضية جديدة، والاكتفاء بحالة الجمود منذ لقاءات أنابوليس.

إلا أنه بدا واضحا سعي المشاركين في القمة كثرة التقاط الصور، وذلك لتوجيه رسائل داخلية لمجتمعاتها أن العلاقات الثنائية البينيّة مع "إسرائيل" في أوجها، وأن اتفاق إبراهام تختلف عن كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة؛ ورسائل خارجية وخصوصا للجانب الإيراني أن هنالك بداية ولادة تحالف وتكتل إقليمي في المنطقة، مبني على اتفاقات استراتيجية وسياسية واقتصادية وأمنية، وللجانب الأمريكي ودول الاتحاد الأوروبي، عن عدم رضا المجتمعين حول إعادة إدماج إيران مجددا في المنظومة الإقليمية والدولية.

حيث تشارك وزراء الخارجية الإمارات والبحرين ومصر والمغرب و "إسرائيل"، وحدة موقف بعدم إبدائهم تفضيل أي طرف في الأزمة الأوكرانية الروسية، والاكتفاء بالأدوار الإغاثية، كما قدّم المشاركون للجانب الأمريكي عبر وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن"، مخاوفهم من أن إبرام واشنطن اتفاق مع إيران هو غير فعال ومنتج، ولن يجنب المنطقة أزمات ها بل قد يخلق أزمات جديدة، ولن يقيّد التوسع الجيوسياسي لإيران وحلفائها، وأن خطورة رفع العقوبات عن الحرس الثوري الإيراني، هو نوع من إضفاء الشرعية على دوره الخارجي. 

ومما لا شك فيه أن عناوين "التهديد الإيراني" و"مناهضة الحركات الإصلاحية والإسلام السياسي"، كان هو القاسم المشترك لجميع المشاركين في القمة، إلا أن امتلاك إيران السلاح النووي يُعد أخطر تهديد استراتيجي لها.

ويرى الخبراء الإسرائيليون أن "قمة النقب هي، أولا وقبل كل شيء مساهمة كبيرة في الأمن القومي الإسرائيلي، كما أنّه التحول العلني الأول لإسرائيل من جسم سياسي غير مرغوب فيه، إلى جزء رئيسي في النسيج الإقليمي، ومحورا مركزيا في التشبيك والتعاون بين الدول العربية السنية، مما يعزز مكانة جيوسياسية لـ "إسرائيل" في المنطقة كما يراها المحللون الإسرائيليون". 

كما أنّ قمة النقب في حقيقتها من جهة أخرى رسالة تحالف بين "إسرائيل" ودول الخليج والمغرب، كقوة سياسية ضمنية لتجاهل الولايات المتحدة الأمريكية للمنطقة، وعملية ضغط مشترك ضد تحركاتها الأحادية في المفاوضات المتعلقة بالاتفاق النووي الإيراني.



  • قمة النقب ومصر:

من الملاحظ أن قمة النقب على أهميتها لم تتناسب مع أسلوب القاهرة في بسط نفوذها وعلاقاتها في المنطقة من عدة نواح، ويؤكد ذلك تأخر تلبيتها للدعوة من الجانب الإسرائيلي، إلا بعد تأكّد مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، كما كان تأخر مباركتها لاتفاقات إبراهام، التي عُقدت بمعزل عن وزن مصر الاستراتيجي، واعتبارها بوابة السلام مع "إسرائيل" تقليديا. 

بينما بدأت مصر تشعر أن المكانة الإقليمية التاريخية لها في تراجع مستمر، وأن دور القيادة لها في المنطقة يتجه نحو التبعية خلف "إسرائيل"، وقد اتضح بشكل أكبر انزعاج القاهرة من الغياب الواضح للفلسطينيين للقمة، كما رأت في مشاركتها القمة ابتعاد عن الخط المصري الدبلوماسي تجاه القضية الإيرانية، الذي تتعامل معه منذ سنوات باستقلالية، وشيء من الحياد. 

هذا الحياد تلاشى إلى المشاركة في رؤية" قمة النقب" المشتركة، بالسعي لإفشال أي تطورات تتعلق بالاتفاق النووي الإيراني، ومع هذا فإن مصر لا تشترك في الهواجس والقلق الاستراتيجي الذي تشعر به دول الخليج و"إسرائيل" بشأن العودة المحتملة إلى الاتفاق النووي، مع أنها استضافت القمة الثلاثية للقادة في شرم الشيخ، بمشاركة الرئيس "السيسي"، ورئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت"، وولي عهد أبو ظبي الشيخ "محمد بن زايد"، لكن الضغوطات الاقتصادية التي ازدادت جراء الأزمة الأوكرانية الروسية، دفعت بالقاهرة إلى المشاركة نظرا لوعود من "إسرائيل" ودول الخليج والولايات المتحدة، في تقديم الدعم وحزمة مساعدات اقتصادية في مجالات الطاقة والسياحة والأمن الغذائي، وتسهيل حزمة مساعدات من صندوق النقد الدولي.

ومع أن المشاركة الرمزية لمصر ذات المكانة الإقليمية أكسبت القمة أهمية كبرى، إلا أنه لا يزال لدى" إسرائيل" وحلفائها في دول الخليج، قلقا بأن مصر لن تؤدي دورا مهما في التحالف الجديد تجاه إيران، كما كان الحال في "تحالف الحزم" بقيادة المملكة العربية السعودية.



  • قمة النقب والمغرب:

تقدمت العلاقات المغربية الإسرائيلية بعد توقيع اتفاق السلام بين البلدين ضمن اتفاق إبراهام، كما تم في نهاية آذار / مارس الماضي زيارة لوفد عسكري إسرائيلي رفيع المستوى إلى المغرب، والتقى برئيس أركان الجيش المغربي ووقعا اتفاقا للتعاون العسكري، كما تطورت العلاقات في الجوانب الاقتصادية والثقافية بشكل سريع، شمل ذلك توقيع عدة اتفاقات، وتوسيع الرحلات الجوية المباشرة بينهما.

إلا أن مشاركة المغرب في "قمة النقب"، كان لذات الدوافع والقلق الإسرائيلي تجاه إيران والتهديد الذي تشكله على الأراضي المغربية، خصوصا أن المغرب قطع علاقاته عدة مرات مع إيران في عام 2009 و2018، عندما اتهمت الرباط طهران بتسليح جبهة البوليساريو الانفصالية في الصحراء الغربية.

وبعد اعتراف الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" ،بأن الصحراء الغربية جزء من المملكة المغربية كعربون مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، كان يقابل ذلك تحديات مشتركة، ودفع الرباط إلى المشاركة في أول ظهور لسياسة إقليمية موحدة ضد إيران، ومن هذا المنطلق اعتبرت مشاركة وزير الخارجية المغربي "ناصر بوريطة" ،نجاحا للدبلوماسية الإسرائيلية لما للمغرب، من ثقل جيوسياسي في شمال القارة الإفريقي لصالح "إسرائيل"، وعلى مقربة من الجزائر التي تربطها علاقات إيجابية مع إيران.

هذا التطور دفع بزيارة خاصة لوزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن" إلى الرباط بعد القمة، لتأكيد أهمية الدور المغربي في شمال القارة الإفريقية، وتعزيز دورها الجيوسياسي. 



  • قمة النقب والأردن - قمة العقبة:

بعد زيارات متعددة من قبل وزير الخارجية الإسرائيلي "يائير لابيد"، ووزير الدفاع الإسرائيلي "بني غانتس"، ورئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت"، والتي تتوجت بزيارة الرئيس الإسرائيلي "إسحاق هرتسوغ"، بدأت ملامح السياسة الخارجية لإسرائيل نحو إعادة الدفء، للعلاقات المشتركة مع الأردن، بعد برود متنامٍ خلال فترة تواجد زعيم الليكود " بنيامين نتنياهو" في رئاسة الوزراء، إلا أن هذه اللقاءات الجديدة لم ترق إلى دفع الأردن للانضمام إلى التحالف الإقليمي الذي تقوده "إسرائيل".

فعمّان ترى أن استمر في الوقوف على الحياد في الأزمة الإقليمية بين "إسرائيل" ودول الخليج والمغرب وإيران، وفي الوقت نفسه تعيش بالتوازي ذات الأزمة الاقتصادية، التي تعاني منها القاهرة، وتسعى لاكتساب دعم اقتصادي من دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية. 

بينما الأردن يرى من جهته العمل على تشكيل تحالف موازٍ مع العراق ومصر والإمارات، وهو ما حدث بعد لقاء القادة بشرم الشيخ إلى قمة مغلقة في مدينة العقبة الأردنية، ومع هذا تحاول "إسرائيل" إدماج هذا التحالف مع تحالفها في البحر الأحمر الذي يشمل فيه السودان، والذي يتقدم ببطء نحو تهيئة الأجواء الإقليمية، نحو تطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية مستقبلا.

كما بدأت "إسرائيل" مع مصر العمل على توفير الغاز الطبيعي لـ لبنان عبر الأردن وسوريا، وتعزيز مساعدة الجانب الإسرائيلي للأردن في أزمة المياه، ضمن "اتفاق النوايا" الموقّع بين الطرفين في العاصمة الإماراتية "أبو ظبي"، حول مشروع الطاقة الشمسية في صحراء الأردن لصالح "إسرائيل"، وتحلية مياه البحر الأبيض المتوسط وجرّه للأردن بتمويل إماراتي. 

ومع هذا لا تزال الأردن تضغط باتجاه إشراك الفلسطينيين في كل التحركات الناشئة في المنطقة، وهو ما تم في زيارات متوالية من العاهل الأردني إلى رام الله للقاء رئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس"، ومن ثم تلاه لقاءه بوزير الدفاع الإسرائيلي "بني غانتس" في عمّان، ثم عودة وزير الخارجية الأردني "أيمن الصفدي" إلى "رام الله" مجددا.

ومع أن هذه اللقاءات تناولت تخفيف الضغوطات على الجانب الفلسطيني، وإبعاد شبح مواجهة عسكرية مقبلة خلال شهر رمضان المبارك، نتيجة التصعيد الحاصل من الجماعات الإسرائيلية المتطرفة في القدس والمسجد الأقصى المبارك، إلا أن الأردن لا يزال يرفض سياسة التهميش المُعلنة من رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت" تجاه الفلسطينيين، والقلق الحاصل لدى الجانب الأردني حول مستقبل الوصاية الهاشمية تجاه المقدسات الإسلامية و المسيحية في القدس الشريف، مما يشكل تحدٍّ حقيقي لإسرائيل أمام استكمال عقْد التحالف لما للمكانة الإقليمية والدولية الهامة للأردن. 



  • قمة النقب – السلطة الفلسطينية خارج المعادلة الإقليمية:

رغم اتفاق السلام الناشئ عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية و "إسرائيل"، إلا أن العلاقات بين الجانبين لا تزال بين شد وجذب، وتقارب وشبه قطيعة على المستوى السياسي، بمعزل عن استمرار "التنسيق الأمني" بين الجانبين رغم كل التحديات الناشئة.

فقد عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "بنيامين نتنياهو" على تهميش الدور الفلسطيني، وتحقيق اختراق إقليمي في الموقف العربي المشترك، عبر توقيعه اتفاقات إبراهام دون تطور ملموس على القضية الفلسطينية، ومع الاختلافات الجذرية بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي "نفتالي بينيت"، إلا أنهما يتوافقان على استمرار تهميش السلطة الفلسطينية ورئيسها "محمود عباس"، ومنع بروز أي دور سياسي له في الإقليم، وإضعاف السلطة الفلسطينية سياسيا، وتعميق حالة الانقسام الفلسطينية.

في قمة النقب "حضر العرب والأمريكيون وغاب الفلسطينيون" كان هذا العنوان الأبرز سياسيا، إلا أن البلدان العربية المشاركة هذه المرّة تعمّدت إدارة ظهرها مجددا للقيادة الفلسطينية، وفي حقيقة الأمر لـ "القضية الفلسطينية" التي باتت في أسفل أولوياتهم، فكما تشاركت الدول العربية هواجس" الخطر الاستراتيجي الإيراني"، إلا أنهم تشاطروا مع "إسرائيل" دور الإدانة والشجب لعملية الخضيرة الفدائية، و "الخطر الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية" تجاه أمن الشعب الإسرائيلي.

ومع أن الدور الأردني الداعم للسلطة الفلسطينية دائما، إلا أنه لم يقوَ على دفع العملية السلمية قُدما بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني خلال العقدين الماضيين. 

ومع تغيّب الأردن و رفضه المشاركة في" قمة النقب" كشكل من التضامن السياسي، إلا أنه يرى مستقبل العلاقات العربية تجاه القضية الفلسطينية في خطر حقيقي، مما يشكل هذا المنحى مستقبلا تهديدا وجوديا للأردن لتحوله لوطن بديل للاجئين الفلسطينيين، وتقزيم دور الوصاية الهاشمية تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، إلى خلق بديل إقليمي ودولي لها، خصوصا في ظل حالة الانكفاء الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية، وانشغالها في إعادة تشكيل هوية وطنية جامعة جديدة ضمن رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، و الأزمة اليمنية والحرب مع الميليشيات الحوثية.



  • الخاتمة:

تتقدم "إسرائيل" نحو تثبيت موقع جيوسياسي لها في الشرق الأوسط، بخطوات بطيئة في ظل الفراغ الذي خلفه تراجع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبله انكفاء دور المملكة العربية السعودية المحوري في المنطقة. 

وتسعى "إسرائيل" للوصول لـ "الاستعلاء الاستراتيجي" الذي يدفع بها قُدما من (منظورها)، للحفاظ على مكتسباتها ومصالحها من اتفاقات التطبيع السابقة، والتي تتوقع أن تستقطب مستقبلا سلطنة عُمان والسعودية وقطر في الخليج، وتونس في شمال أفريقيا، وأندونيسيا في شرق آسيا.

كما من المرجح استمرار "إسرائيل" في الحشد الدولي ضد إيران، وتعظيم مخاطر الاتفاق النووي الإيراني على حساب الأمن الجماعي العربي، لما يخدم مصالحها، مع مزيد من التعقيد في المشهد العربي تجاه التحالف المزمع إنشاؤه مستقبلا. 

وتعمل "إسرائيل" على تشكيل تحالف إقليمي لمواجهة ما أسمته "الخطر الاستراتيجي الإيراني"، بينما يجب على الدول العربية التي تحمل تفاؤلا كبيرا تجاه هذا التحالف المقبل، أن تدرك جُملة من المخاطر الإقليمية والاستراتيجية، من أهمها:

1- أن "إسرائيل" تسعى لإبعاد خطر المواجهة المباشرة مع إيران وحلفائها عن نفسها عبر تقديم دول الجوار الخليجي في مقدمة هذه المواجهة، والتي قد يكون أثره وكُلفته كبيرة على مستوى أمن الإقليم واستقراره.

كما لن تفي "إسرائيل" بوعودها والتزاماتها لأنها لا تمتلك تلك المقومات، وهي التي أثبت تاريخ مواجهتها مع الفصائل الفلسطينية، أنها غير قادرة على حماية نفسها من الأخطار الداخلية والإقليمي.

كما أن العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي هي الدفاع عن أرض وشعب "إسرائيل" لا عن حلفائها، لا سيما أن المجتمع الإسرائيلي كذلك يرفض مشاركة القوات الإسرائيلية في مهام لا تحقق مصالح أمنه واستقراره.

2– أن الانضمام من قبل الدول العربية لهذا التحالف إنما هو بداية تمزيق ما تبقى من وحدة الصف العربي المشترك، ومزيدا من التأزيم في العلاقات العربية العربية، على حساب تحقيق وَهْم الأمن من "الخطر الاستراتيجي الإيراني"، والعمل على إضعاف دول محورية في الشرق الأوسط وعلى رأسها مصر والأردن. 

3– أن "إسرائيل" تسعى عبر تقديم نفسها قائدا جيوسياسيا للشرق الأوسط، العمل على تغيير حالة الوعي الجمعي العربي من أنها "كيان احتلالي غاصب" إلى دولة جوار معترف بها، وشريك استراتيجي موثوق به. 

مما سيزيد ذلك إضعاف القضية الفلسطينية، وخذلانا لنضالات الشعب الفلسطيني في مواجهة خطر الإرهاب الإسرائيلي تجاهه، ومزيدا من التغييب والتهميش لحقوقه وحريته واستقلاله.

4– أن "إسرائيل" تبني رؤيتها الاستراتيجية بعيدة المدى، على "إعادة تأهيل النظام السياسي في الدول العربية التقليدية"، مما يعني مستقبلا أنها ستمنح نفسها عبر هذا التحالف الحق بالتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول، وتشكيل منظومة القيم والحُكم وسياساته الداخلية والخارجية، بما لا يتعارض مع الحد الأدنى من مصالحها.

5– أن قيادة " إسرائيل" للمنطقة يزيد من منحها حق التفوق العسكري الأمريكي، على حساب التسلّح لصالح محيطها العربي، تحت وَهْم اتفاقيات الأمن والدفاع المشترك، مما يشكل تحدٍّ حقيقي للأمن الاستراتيجي العربي مستقبلا، أمام الأطماع التوسعية التي لم تنته بعد لدى الجانب الإسرائيلي، والذي لم تختف من أفق التداولات السياسية في الكنيست الإسرائيلي، والمضامين الإعلامية لدى الصحافة الإسرائيلية، ولدى القيادات الدينية في مجتمع الحاخامات و "الحريديم"، مما يجعل قرار التسلّح العربي رهينة للقرار الإسرائيلي، وخطرا استراتيجيا على المدى البعيد. 

6– تسعى "إسرائيل" مستقبلا ربط التجارة والاستثمار في المنطقة العربية في دول الخليج ودول شمال إفريقيا عبر ميناء حيفا وأسدود، من خلال مشروع "سكة حديد السلام"، مرورا بالأردن ومصر، والمبنية على فكرتين أساسيين: أن تكون "إسرائيل" جسرا بريا، والأردن ومصر مركزا إقليميا لنقل وتأمين البضائع، مما يشكل خطرا استراتيجيا آخر للاستقلال الاقتصادي العربي.

7– أن استمرار تجاهل الدول العربية المُشاركة في التحالف مع "إسرائيل"، حقوق الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال وآلة الإرهاب الإسرائيلية، يعطي الجانب الإسرائيلي غطاء شرعيا لمزيد من الانتهاكات تجاه الفلسطينيين، وحقوقهم. 
وقد يتجاوز ذلك السيطرة على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف؛ والعمل على توسيع اتفاقات إبراهام لتشمل دول عربية وإسلامية أخرى.

8– أن أزمة العلاقة في المنطقة العربية وإيران تحتاج لخلق مناخ عادل للحوار تحت عنوان (حوض الخليج المشترك)، الذي يجمع الدول المُطلّة على الخليج العربي مع إيران، ورسم سياسة حُسن جوار جديدة، تضمن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام الحقوق المشتركة، والتعاون على تعزيز التنمية والأمن التجاري في مياه الخليج. 
وقد تكون رؤية "مفهوم الأمن الجماعي لمنطقة الخليج"، والذي قدمته الصين كمبادرة متقدمة من نوعها وكدولة ضامنة له، على نهج متعدد الأطراف ضمن النظام الدولي، خلافا للتصور التقليدي للأمن الذي تتبناه الولايات المتحدة الأمريكية و "إسرائيل".

9- أن نظرة بعض الدول العربية قُدرة "إسرائيل"، على أن تكون حليفا وبديلا قويّا عن الولايات المتحدة في إدارة المنطقة، نظرة قاصرة. 

فالوضع السياسي الهش في المنظومة السياسية والتشريعية الإسرائيلية الداخلية، في أضعف حالاتها تاريخيا من أن تصمد بعد سلسلة انتخابات برلمانية متعاقبة، والتي أفرزت في المُحصّلة حكومة (بينيت – لابيد) غير المتجانسة. 

وفي أقل التقديرات الإسرائيلية فهي أقرب للسقوط منه للبقاء، نظرا لمزيد من الانشقاقات في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، وقد تتجه في المستقبل القريب إما لحكومة يمين

بقيادة زعيم الليكود "بنيامين نتنياهو" مجددا، أو انتخابات مبكرة للكنيست الإسرائيلي، والتي من المتوقع أن تفرز عن اختفاء غالبية الأحزاب من المشهد السياسي الإسرائيلي، التي شاركت في صياغة هذا (التحالف الاستراتيجي بين دول اتفاق أبراهام)، مما يضع مستقبله في تأرجح مع الحالة السياسية الداخلية الإسرائيلية.

ويؤكد أن مثل هذه الطموحات الجيوسياسية لدول اتفاق إبراهام وَهْم مصطنع، يستفيد منه الجانب الإسرائيلي، ويضعها في مزيج من التيه الاستراتيجي في حماية حقوقها ومصالحها في المنطقة.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020