الائتلافات الإقليمية دون تأثير القوى العظمى: ترتيب الشرق الأوسط الجديد


الائتلافات الإقليمية دون تأثير القوى العظمى: ترتيب "الشرق الأوسط الجديد"
يديعوت أحرونوت
 رون بن يشاي
 ترجمة حضارات

لم تعد القوى العالمية تؤثر على العوامل الإقليمية التي توظف المرتزقة في ظل "سياسة الهويات" في الحرب على زعامة الشرق الأوسط. بين المحور الشيعي الراديكالي والسني المعتدل وبين أردوغان وقطر: هكذا عمل الشرق الأوسط لصالحه. وأيضًا: المزايا التي تفوقت على العيوب في بيع طائرة F-35 للإمارات.

"الشرق الأوسط الجديد" أصبح هنا. من الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط إلى أفغانستان، لم تعد القوى العالمية تملي إرادتها على المصادر الإقليمية، ولا حتى تؤثر عليها بشكل حاسم. لقد أخذت الدول الإقليمية مكان الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا كمراكز قوة ولاعبين رئيسيين - كما كانوا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى قبل عامين - كذلك التحالفات التي شكلوها.

سمة أخرى للشرق الأوسط اليوم هي أن "سياسات الهويات" - الدينية والعرقية والقبلية - حلت محل القوميات أو القومية كقوة سياسية دافعة رئيسية لسكان المنطقة. يضاف إلى ذلك حقيقة أن عناصر القوة الرئيسية لديها قوات هيكلية في مناطق القتال توظف "مبعوثين محليين" يقاتلون السكان المحليين أو المبعوثين من الجانب المعارض لهم، ويخرجون الكستناء من النار نيابة عنهم.

الهدف من تجنيد المرتزقة، هو تقليل عدد توابيت الشهداء العائدة إلى طهران، وموسكو وأنقرة وأبو ظبي، وذلك خوفًا من ردة فعل الرأي العام في هذه البلدان.

لكن قبل ذلك، من المهم الإشارة إلى أن إسرائيل هي لاعب مستقل في وضع القوة الإقليمية المصغرة في منظومة القوات في الشرق الأوسط الجديد. نتيجة لقوة جيش الدفاع الإسرائيلي والابتكار الاقتصادي وريادة الأعمال، أمامنا فرص لم تكن موجودة في الماضي لتأسيس المشروع الصهيوني. لكن يجب علينا ان نقر بالحقيقة، التي تقول أن التهديدات علينا باتت كثيرة ومتنوعة وليس فقط التهديدات الأمنية.

الفلسطينيون أيضاً، مثلنا تمامًا، لاعب مستقل إلى حد كبير، لكنهم يستمدون قوتهم بشكل رئيسي من بؤسهم وضعفهم، لحسن الحظ فإن "سياسة الهويات" والمواجهة مع إسرائيل، التي تندلع بين الحين والآخر، تمنع تماما "المشكلة الفلسطينية" من أن تُدفع إلى هوامش السياسة الإقليمية.


                              (صراع بين ثلاثة تحالفات إقليمية)



الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط اليوم تدور رحاها بين ثلاثة تحالفات إقليمية.
 الأول: هو المحور الشيعي الراديكالي بقيادة إيران.
الثاني: هو المعسكر السني المعتدل الموالي للغرب بقيادة السعودية والإمارات.
الثالث: هو التكتل السني المكون من تركيا وقطر والحكومة الليبية الغربية.

 المحور الشيعي-الراديكالي بقيادة إيران، سوريا شريك كامل، بينما تعتبر لبنان والعراق دولتين مساعدتين، وليسا عضوين كاملين في التحالف، الجزء الأكبر من بناء هذا المحور هو الجيوش غير الحكومية والميليشيات المسلحة، ومن بين هؤلاء حزب الله والمليشيات الشيعية في سوريا والعراق والحوثيين في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في أفغانستان وباكستان.
من الممكن أن يشمل هذا المحور أيضًا الجهاد الإسلامي الفلسطيني وحماس، اللذان يتبعان التيار السني في الإسلام ، وهما في الحقيقة "لاحقان" أو "تابعتان" ، وليس لهما التزام كامل بالمحور الذي تقوده طهران.
تتداخل الأهداف الاستراتيجية للمحور الشيعي الراديكالي مع المصالح الإيرانية الرئيسية: وهي جعل القيم الشيعية والتيار الشيعي مهيمنة وحاسمة في الاسلام الشرق أوسطي، وتحقيق الهيمنة الإقليمية لإيران بطريقة تتجنب تمامًا تقويض أمنها القومي وتسمح لها بأن تكون عاملاً مسيطراً اقتصاديًا وإقليميًا رئيسيًا. ومن المحتمل "أغلبية قومية"، وكذلك طرد الغرباء " الكفار"(الغربيون المسيحيون وإسرائيل) من المنطقة.

نقاط القوة الرئيسية لهذه التكتل الدافع والحافز الديني- العرقي الكبير الذي ينبع من الشعور بالتضحية، إلى جانب الموارد النفطية الكبيرة المتاحة لها. ومع ذلك، فقد ضعف هذا التكتل مؤخرًا بسبب العقوبات الأمريكية التي تسببت في ضائقة اقتصادية وكذلك بسبب كورونا وبسبب عدم الاستقرار الاجتماعي الناجم عن الفساد الحكومي وبطالة الشباب.

 المعسكر السني المعتدل الموالي للغرب بقيادة السعودية والإمارات يشمل البحرين والكويت وعُمان ومصر والأردن والسودان وكذلك معظم دول شمال إفريقيا، باستثناء ليبيا.
 هذا المعسكر موحد أساسًا بالخوف من إيران والإسلام السني الراديكالي مع شقيه: الإخوان المسلمين وداعش.

تعتبر إيران الشيعية- الفارسية عدوًا لدودًا لهذا التحالف لأنها تهدد بجعل الدول العربية السنية "تابعة" لها وكذلك المس بكرامتها. يهدد الإسلام السني الراديكالي بشقيه استقرار الأنظمة التي يقود معظمها حكام استبداديون.

يتحد تحالف تركيا وقطر والحكومة الليبية الغربية بشكل أساسي حول الدين. إن حكام تركيا وقطر ورئيس وزراء التحالف الوطني في ليبيا من أنصار ما يعرف بـ "الإسلام السياسي" - التيار الأيديولوجي الديني الذي يناصره الإخوان المسلمون. هذا التيار، الذي تأسس في مصر، يسعى جاهداً إلى إقامة إمارات إسلامية عالمية، تمامًا مثل داعش، لكنه يريد القيام بذلك على مراحل.
 أولاً، يريد التيار أن يقود إلى تصحيح المجتمع وبشكل نسبي الحكام في البلاد الإسلامية وتحقيق أهداف وطنية تمكن من إقامة دول اسلامية بروح القيم الاجتماعية للقرآن، ثم في نهاية الأمر سيتم إنشاء إمارات عالمية.
 في المقابل، يريد الجهاد العالمي (داعش والقاعدة) الوصول إلى الإمارة العالمية بالدم والنار والفتوحات العسكرية. تدعم "حكومة الوفاق الوطني" الليبية، مثل تركيا وقطر، العناصر الإسلامية الراديكالية.

 لدى تركيا وقطر تطلعات لأن تصبحا عاملاً إقليمياً مؤثراً، بطرق مختلفة.
 تحاول تركيا أن تصبح قوة إقليمية في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، بدافع اقتصادي في الأساس، يريد أردوغان الاستيلاء على احتياطيات النفط والغاز التي تحتاجها الصناعة التركية، وهو على استعداد للمخاطرة بمواجهة عسكرية مع اليونان. في المقابل، أرسل جيشه للقتال إلى جانب حكومة غرب ليبيا.

الأهداف العثمانية الجديدة الأخرى التي تروج لها تركيا هي قمع الحركة القومية الكردية داخل وخارج حدودها ومساعدة المتمردين السنة في مناطق غرب سوريا التي تدعي تركيا أنها انتزعت منها. في المقابل، على الرغم من أن إيران شيعية وتنافسها اقتصاديًا، إلا أن تركيا تحتفظ بعلاقات جيدة معها، بل وتساعد طهران في الالتفاف على العقوبات الأمريكية.

 أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني (ووالدته الشيخة موزة، التي تسيطر عليه وعلى تصريحاته) ليس لديه مشاكل في الطاقة أو الإقتصاد. يريدون أن يصبحوا عاملاً إقليمياً دولياً يحسب له حساب من خلال تفعيل "القوة الناعمة".
 إحدى الوسائل هي شبكة الجزيرة، التي تعتبر رافعة قوية تقوم من خلالها قطر بتهديد الأنظمة العربية المعادية بشكل دعائي، ومكافئة الصديقة منها.
للغرض نفسه، تدعم قطر أيضًا المنظمات التابعة للإخوان المسلمين مالياً، مثل حماس في غزة.

 من العناصر التي لا تقل أهمية في سلوك قطر ضمان بقاء النظام من خلال العلاقات المناسبة فوق وتحت الطاولة مع إيران من ناحية - ومن خلال تحالف عسكري مع تركيا والولايات المتحدة من ناحية أخرى- في قطر تتواجد القاعدة الأمريكية الأكبر في الشرق الأوسط، كما أقيمت هناك مؤخراً قاعدة تركية.
أصبح التحالف القطري-التركي، عدواً للمعسكر العربي-السني المعتدل.

الصين تقترب، والولايات المتحدة تبتعد.

 تتواجد الولايات المتحدة اليوم في طور الانسحاب من المنطقة منذ أن نالت استقلالها في مجال الطاقة. عاد تركيز واشنطن الاستراتيجي واستثماراتها في جهودها العسكرية والدبلوماسية حتى في أيام الرئيس أوباما الى شرق آسيا. يعبر ترامب عن نقص واضح في الاهتمام بالمنطقة ويحاول على الرغم من معارضة البنتاغون إنهاء التدخل العسكري في دول المنطقة.

 ولا تزال الولايات المتحدة تتدخل في ما يجري في الشرق الأوسط الجديد حتى لا تفقد مكانتها كقوة عالمية بشكل كامل، وبسبب التزامها بأمن إسرائيل وأمن دول الخليج العربي-السني، في مواجهة مساعي إيران لامتلاك أسلحة نووية إلى جانب سعيها لبيع السلاح والتجارة مع دول المنطقة.
كما تدعم الولايات المتحدة الكتلة العربية السنية المعتدلة وتركيا، ومع ذلك، فإن عدم وجود سياسة واضحة في الشرق الأوسط، وفي بعض الأحيان مظاهر الضعف من قبل أوباما وترامب، دفع الدول العربية للبحث عن طرق لتقليل التبعية لأمريكا. التطبيع مع إسرائيل من القنوات التي تأمل دول الخليج من خلالها تعويض نفسها عن التخلي عن الأمريكيين.

 ومن التعابير الواضحة لضعف الولايات المتحدة وتراجع مكانتها في المنطقة والعالم الهزيمة المهينة التي تعرضت لها هذا الأسبوع في مجلس الأمن عندما سعت إلى تمديد حظر الأسلحة على إيران، وكانت جمهورية الدومينيكان هي الوحيدة التي أيدت طلب ترامب. فيما امتنعت باقي الدول عن التصويت، بينما صوتت كل من روسيا والصين ضد القرار. التأثير الأساسي للولايات المتحدة على المنطقة هو بطريقة غير مباشرة، دول المنطقة ومن ضمنها إيران، تعلق أنشطتها وسياساتها في انتظار نتيجة الانتخابات الأمريكية.
تهدف مشاركة روسيا في المنطقة في المقام الأول إلى وضعها كقوة عالمية مؤثرة مساوية للولايات المتحدة وحتى ناجحة حيثما تفشل أمريكا. كان التدخل في سوريا يهدف إلى ابتزاز الغرب والحصول على تنازلات عن العقوبات الغربية المفروضة على روسيا لتورطها وغزو أوكرانيا ومحاربة الإسلام المتطرف وإبعاده عن حدود روسيا.

 كما يريد الروس تعزيز المصالح الاقتصادية مثل بيع الأسلحة لدول المنطقة والمشاريع المتعلقة بإعادة بناء الاقتصاد السوري. روسيا تدعم سوريا وتحاول تجنب المواجهات مع إيران ومبعوثيها كما تحاول تجنب المواجهات مع إسرائيل.
على الرغم من أن بوتين أنقذ الأسد وباعه الكثير من الأسلحة، إلا أن إعادة إعمار سوريا لا يلوح في الأفق. في ليبيا، عانى الجنرال حفتر، بدعم من القوات الجوية والمرتزقة الروس، مؤخرًا من هزائم مذلة. ليس نجاحا كبيرا. في أكتوبر من هذا العام، عندما رفعت الأمم المتحدة حظر الأسلحة المفروض على إيران، تأمل روسيا في الاستفادة من مبيعات الأسلحة الكبيرة إلى طهران.
 الصين هي الدولة الوحيدة التي تمكنت من الاستفادة من الشرق الأوسط الجديد لتعزيز مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية خطوة بخطوة. الجزء الشرق أوسطي من مشروع "الحزام والطريق" المعد لتقريب الصين من أوروبا ومنحها حضورا اقتصاديا واستراتيجيا في المنطقة يتقدم بشكل جيد، وإذا تحققت اتفاقية الاستثمار الضخمة التي تريد إيران توقيعها معها، ستصبح الصين عاملا إقليميا مؤثرا. في الوقت الحالي، هي ليست كذلك.



                   إسرائيل في طريقها إلى التكتل الإماراتي-السعودي

منظومة التكتلات في الشرق الأوسط يغير للأفضل وبشكل واضح الوضع الاستراتيجي لإسرائيل، رغم أن التكتل الراديكالي- الشيعي يبقى معادياً وخطيراً علينا كما كان، والمواجهة مع تركيا تزداد سوءًا. كذلك نوايا الولايات المتحدة لمغادرة المنطقة، والضعف الذي تظهره حاليًا لا يضيفان إلى أمن إسرائيل شيئاً، لكن اتفاقية التطبيع مع الإمارات العربية المتحدة هي "عامل تغيير" حقيقي للعبة من كل الجوانب تقريبًا.

 عندما يتم التوقيع على هذا الاتفاق، ستبدأ إسرائيل فعلياً الطريق لأن تصبح عضواً فعالاً في تكتل الدول العربية -السنية المعتدلة. من المحتمل أن يتم توقيع اتفاقية شبيهة مع البحرين، وربما بعد الانتخابات الأمريكية أيضًا مع السعودية والكويت، ومع قطر لدينا علاقة طبيعية إلى حد ما، على الرغم من أنها بدون اعتراف دبلوماسي.

 الاتفاقية مع الإمارات تحررنا من الاعتماد على التوقيع الذي من المفترض أن يقدمه لنا الفلسطينيون في هذا السياق، كما توفر قناة واعدة للغاية للتعاون الاقتصادي. كما أنه يحسن قدرتنا على التعامل مع التهديد النووي الإيراني والتهديدات الأخرى التي يشكلها لنا المحور الشيعي-الراديكالي. حتى لو تم بيع طائرات F-35 للإمارات وأسلحة متطورة، فإن خطر الدولة، في حال "انقلبت علينا" ، سيكون محدودًا.

 في هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من القادة الفعليين والمقاتلين ومشغلي أنظمة الأسلحة في القوات المسلحة الإماراتية هم من الأجانب. ليس فقط الباكستانيين والبنغلاديشيين، ولكن أيضًا الأمريكيين والأوروبيين والكولومبيين وبأعداد كبيرة.

هذه الحقيقة تقلل بشكل كبير من الخطر على إسرائيل في حالة حدوث انقلاب إسلامي متطرف في الإمارات. وإذا قررت الولايات المتحدة - وربما سيحدث ذلك قريبًا - بيع طائرات F-35 إلى الإمارات العربية المتحدة، فلن يتم تشغيلها هناك إلا في غضون ثماني سنوات تقريبًا.
 هذه الطائرات ليس لديها نطاق طيران مثل المراوغة لإسرائيل وسيتعين عليها الإقلاع من الأردن أو الهبوط هناك قبل أو بعد هجوم في إسرائيل أو التزود بالوقود في الجو. كل هذا يجعل من الصعب جدًا على طائرة F-35 الإمارتية أن تفاجئنا وتتغلب على نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي.
بيع الطائرات يكسر في الواقع مبدأ الحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل الذي أصبح قانونًا في الكونجرس الأمريكي، لكن هذا المبدأ تم كسره منذ فترة طويلة. إن العشرات من طائرات F-15 التي باعتها الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية والتي تعمل بالفعل من أراضيها تعرضنا للخطر أكثر بكثير من عدد قليل من طائرات F-35 التي ستنقل إلى القوات الجوية الإماراتية.
من يجب أن يقلق هنا هم الإيرانيون، الذي لا يبعد أسطولهم وأهدافهم البحرية إلا بضع عشرات من الكيلو مترات من شواطئ أبو ظبي.
يمكن للمرء أن يفكر في سبب وجيه واحد على الأقل والذي فيه مصلحة لنا بأن يكون لدى الإمارات مقاتلات F-35. ومن الممكن بل والضروري التوصل إلى تفاهمات مع الأمريكيين بشأن المكونات والمعدات التي ستكون - أولن تكون - في الطائرات التي سيحصل عليها محمد بن زايد، قائد الإمارات.

من المهم أن نلاحظ الطريقة الفاضحة التي سمح بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لنفسه بالتفاوض حصريًا على تطبيع العلاقات، ويجب على مراقب الدولة أن يفحص هذا الموضوع بعمق وأن يشارك نتائجه مع الجمهور في أسرع وقت ممكن، لكن هذا الاتفاق يساعدنا أن نصبح في مكان أفضل، وسط الشرق الأوسط الجديد.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020