هل تساهم التغييرات المناخية بانتشار الأمراض؟

د. هبة زياد - المركز الطبي تسافون


نشهد في السنوات الأخيرة تقلبات عديدة في المناخ، وتغييرات مناخية مختلفة، تكاد تكون استثنائية حتى متطرفة لم نعهدها من قبل، سواء في منطقتنا أو في مناطق عديدة أخرى في العالم.

ومن التغييرات التي ممكن ملاحظتها على سبيل الذكر لا حصر، الجفاف وانحباس الأمطار الذي تعاني منه أوروبا في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى انحسار البحيرات ومجمعات المياه فيها، وجفاف العديد من المناطق الزراعية.

أما في منطقتنا فيُلاحظ في السنوات الأخيرة تغييرات مناخية تتمثل باشتداد الأمطار خلال فترة زمنية قصيرة، وانحباسها لفترات طويلة، بينما يُلاحظ أيضاً تغييرات متقلبة في درجات الحرارة خلال فترات قصيرة، كما توقعت الهيئات الحكومية أن تصل درجات الحرارة هذا الصيف إلى ما يقارب 50 درجة مئوية، هذه الظاهرة التي لم نشهدها أبداً من قبل في بلادنا والمنطقة.

وكانت كميات كبيرة من الأمطار قد سقطت قبل أسبوعين خلال يومين متتاليين، مع العلم أن فصل الشتاء الأخير شهد شحاً كبيراً بالأمطار، فيما اعتبر خبراء الأرصاد الجوية أن هذه الأمطار تعتبر أمراً استثنائياً في شهر نيسان، خاصة إذا كان الحديث عن كميات أمطار وصلت إلى 100 ملم في بعض المناطق في البلاد.

ويبقى السؤال الأهم في هذا السياق هو: كيف تؤثر هذه التغييرات المناخية على الإنسان عامة؟ خاصة إذا كان الحديث عن أمراض معينة من الممكن أن تتأثر بهذه التغييرات المناخية التي نشهدها سواء في البلاد والعالم.

وكانت وزارتا الصحة وجودة البيئة قد أعلنتا -الأسبوع الماضي- عن وجود تلوثات خلال فحص عينات مخبرية في عدد من الجداول والأنهار في منطقة الشمال، حيث حذرت من أن الدخول والاستحمام والسباحة فيها يشكل خطراً عليهم، ومن بين هذه الأنهار والجداول شدد بيان الوزارة على تلوثات في كل من وادي عيون، الحاصباني، الجلبون، بانياس، شلال يهوديا، تسلمون، الجعتون، عين حردليت، كزيف.

وتحدثت د. هبة زيّاد، مديرة وحدة الأمراض التلوثية في المركز الطبي تسافون "بوريا"، مشيرةً إلى أن " تأثير التغييرات المناخية على كل مرض يتعلق بطريقة نقله، فهناك أمراض تنتقل عن طريق الهواء، أو مصادر المياه، الرذاذ الذي ينتقل من إنسان إلى آخر وما شابه ذلك، فكل مرض حسب نوعيته وبحسب كيفية انتقاله للإنسان".

وتطرقت د. زيّاد في حديثها إلى ظواهر الجفاف التي نشهدها في عدة مناطق في العالم وقالت: "الجفاف قد يؤدي الى انتشار بعض الأمراض التلوثية للإنسان؛ بسبب جفاف مصادر ومجمعات المياه، الأمر الذي يؤدي أن تغير الحشرات والحيوانات أماكن سكناها، خاصة أن الحشرات والحيوانات تعتبر عامل رئيسي في نقل بعض الأمراض التلوثية إلى الإنسان، إضافة إلى أن بعض مسببات الأمراض تنتقل لحالة معدية مع تغيير درجات الحرارة (المقصود أنه المسبب، خاصة إذا كان الحديث عن مسببات مثل جرثومة أو فيروس أو الطفيليات، التي لا تكون معدية بدرجة حرارة معينة إلا أنها تصبح كذلك بتغير درجة الحرارة، إلى الأعلى عادة"، فمثلاً الأميبا المسببة للالتهاب الدماغي هي مرض نادر جداً لكن قاتل، وهذه الأميبا تتحول للشكل المعدي فقط بدرجات حرارة عالية للمياه في الطبيعة، وفي السنة الماضية للأسف شخصت أول حالة من هذا المرض في البلاد".

وعن الأمراض التلوثية التي من الممكن أن نشهدها في بلادنا بسبب تغييرات المناخ قالت د. زيّاد: "مرض حمى النيل الغربي (التهاب الدماغ) أو التهاب السحايا الذي ينتقل عن طريق البعوض الذي يتواجد عند المياه الراكدة خاصة، والتي قد تنجم عن جفاف أو انحسار مجمعات المياه بسبب انعدام الأمطار والجفاف".

هنا أيضاً يجب الإشارة إلى أننا نتحدث أيضاً عن مجمعات مياه للسباحة والاستجمام أيضاً كالبحار والأنهار والبحيرات والتي تعتبر حلبة لنقل الأمراض التلوثية ناهيك عن مصادر مياه الشرب، فمثلاً قبل أربع سنوات عانينا نوعاً ما من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة في البلاد، مما أدى إلى انتشار ما يسمى (البريميات) حيث أصيب العديد من المستجّمين ممن اغتسلوا وسبحوا بمصادر المياه في شمالي البلاد بهذا المرض، هذا المرض الذي انتقل إلى الإنسان من خلال القوارض التي تجمعت عند مصادر المياه الراكدة في تلك المنطقة بسبب الجفاف آنذاك.

وأشارت د. هبة زيّاد أيضاً إلى أن "الكوارث الطبيعية تعتبر عاملاً هاماً في تكاثر الأمراض التلوثية وانتقالها للإنسان، خاصةً إذا كنا نتحدث عن كوارث تؤدي إلى انهيار البنى التحتية، وتلوث مصادر مياه الشرب بسبب المياه العادمة، حيث إن هذه العوامل تساهم بشكل مباشر في انتقال المرض للإنسان، وهنالك أهمية كبيرة لتصرف الهيئات الحومية في هكذا حالات وضرورة الحفاظ والتأكد من سلامة البنى التحتية ومياه الشربة والصيانة المتكررة لهذه المنشآت للحفاظ على سلامة الإنسان".

وأوصت د. زيّاد في نهاية حديثها مشيرةً إلى أنه "من المهم أن نعمل قدر الإمكان على التخفيف من التغييرات المناخية، بما في ذلك المحافظة على جودة البيئة، والوعي الكافي للمخاطر التي تهدد البيئة.

كما أن تفادي هذه الأمراض يكمن بالوعي أولاً، وثانياً من خلال الكشف والتشخيص المبكر لها، والامتناع عن السباحة في المياه الراكدة، خاصة إذا كانت درجة حرارتها عالية، والتأكد من سلامة الطعام لأن الطعام أيضاً يعتبر عامل لانتقال الأمراض التلوثية أيضا".

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023