المصدر: معاريف
ترجمة حضارات
الكاتب: ران إدليست
في العامين الأخيرين صدّق الجيش الإسرائيلي عمليات التضليل التي قادها نتنياهو، إذ أرسل مبعوثين جابوا أنحاء العالم لإدارة مفاوضات يكتنفها السرّية، لكن بلا جدوى وبلا نية للتوصل إلى ترتيب ينهي الحرب.
وقف إطلاق النار في غزة قصة محسومة. القصة الأساسية كانت وستبقى دخول السلطة الفلسطينية إلى القطاع وإقامة دولة فلسطينية، وقد دفعت «العرض» في البيت الأبيض هذا قدماً بشكل هائل. يقول نتنياهو لقاعدته الانتخابية إن ذلك سيحدث بشرط أن تنضمّ السلطة إلى «محبّي صهيون»، لكن أي قوة عربية ستصل إلى القطاع ستضم فلسطينيين سيدفعون قدماً بالدولة التي ستقوم في غزة والضفة.
للسيرك التراجيدي من حولنا لا بد من تفسيرات تتجاوز الأعذار والانحيازات والأكاذيب والمناورات التي تشكّل وقود الإعلام. السبب التقني الذي انبثق منه الفوضى الحالية هو منظومة العلاقات بين رئاسة أركان الجيش وحكومة (إسرائيل). على الصعيد الشخصي هؤلاء هم أفيف كوخافي وهرتسي هليفي اللذان عملا أمام بنيمين نتنياهو، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
اليوم هذا هو إيال زمير الذي استخلص العبرة من سلوك سابقيه ويجنّد مهاراته السياسية لمواجهة رئيس حكومة «خرج عن المسار» وكابينت لم يتحرك يوماً. السبب المباشر: قتلى عبثيون بسبب الحماقة وانفصال حكومة «القاذورات» عن الواقع.
نحن في طريقنا إلى نحو 1,000 جندي قتيل، قرابة 15 ألف مصاب (بحسب معطيات دائرة إعادة التأهيل في وزارة الأمن)، عشرات آلاف المدنيين القتلى من الجانبين، ودولة ممزقة تردد شعارات عن الوحدة، في طريقها إلى انهيار اجتماعي وتهدّم اقتصادي. الجميع، باستثناء ازدهار بناة القبور، ومصنّعي الأطراف الاصطناعية، ومنظّمي حفلة التخرّج لـ«اشرب والتهم لأننا غداً سنسقط».
المفتاح هو علاقات الجيش والدولة في ظل حكم يمين «كامل»، بدايته في إخفاق الجيش مقابل «النُخبة» في الغلاف، والسبب الحقيقي هو الرصيد الذي منحه رئاسة الأركان لدى كوخافي وهليفي لنتنياهو. التكتيك والاستراتيجية الفاشلان ميدانياً هما مسؤوليته المباشرة والحصرية والمهنيّة للجيش، إلا أن نتنياهو أخذ على عاتقه إدارة المخاطر إزاء حماس وكأن حماس «مردوعة ومُرشاة»، وقد اشترى الجيش هذا «الخداع».
ضباط الجيش يرون أمامهم زعيماً يتنقل بين رؤساء أميركيين وروس كندّ لهم، ويبعث برسالة أن كل شيء تحت سيطرته وبتوافق فلاديمير بوتين، جو بايدن ودونالد ترامب، «أصدقائه في الدوري».
عملياً، مكانة نتنياهو وهم وتمثيل. لا «أصدقاء» في مثل هذه «القمم». هناك مصالح إمبراطوريات، ونتنياهو مجرد بيدق وبلطجي محلي. يعود الرجل إلى إسرائيل من لقاء آخر مع عظماء العالم ويسوّق مكانته كـ«زعيم عالمي» حماس «في جيبه»، بينما هو في الحقيقة يخدع الجمهور كله، بما في ذلك رؤساء الأركان. من هناك تسرّبت قناعة «كل شيء تحت السيطرة» إلى أسفل صفوف الجيش، حتى إن آخر المراقِبات رأت وجهاً مألوفاً من الشاشة عند الحدود يطلّ عليها من باب الكرفان.
على فرض أن نتنياهو نفسه آمن فعلاً بأنه نجح في «احتواء» حماس، فهو إذن يضلّل أيضاً رئيس حكومة إسرائيل. أوبس. هذا نتنياهو يضلّل نفسه أيضاً. إلى جانب لعبة الصور، لتمويل حماس وتعزيزها بُعد «استراتيجي» ظاهري هو أيضاً محكوم بالفشل: وفق مطلب المستوطنين، من المفترض أن تُخضع حماسُ السلطةَ الفلسطينية التي «تهدد» بإقامة دولة برعاية العالم.
ومن هنا، حين «يسيطر» بيبي ويُهدّئ، تصبح الطريق مفتوحة للإخفاق الاستخباري الكبير قبل العسكري. ذلك القصور السياسي والفهم السياسي الذي أدى إلى الإخفاق الاستخباري بخصوص قدرات حماس ونواياها، وهي بالتأكيد ليست «إبادة إسرائيل». هذه «مانترا» تهديدية اعتيادية ومريحة لنتنياهو وشركائه من أجل تخويف الشعب وتبرير الحرب.
فعلياً، تهديد حماس على وجود الدولة عديم الأسنان والإمكان. المذبحة كانت مروعة، لكنها لا صلة لها بتهديد وجودي. تملّق رئاسة الأركان والإخفاق الاستخباري أدّيا إلى الخروج إلى المناورة البرية في غزة بينما كانت لدى الاستخبارات العسكرية والشاباك «صفر» معلومات عن وضع منظومة الأنفاق وعن نوايا وقدرات حماس. اليوم من الواضح أنه كان محظوراً مواصلة المناورة البرية لاحتلال غزة بعد المرحلة الأولى. يمكن القول إن الجيش، تكتيكياً واستراتيجياً، وقع ليس فقط في فخ «حماس مردوعة» الذي نصبه له نتنياهو، بل أيضاً في فخ نصبته له حماس.
حماس لم تبنِ على استمرار الهجوم بعد جولة الدم لـ«النُخبة» في الغلاف. حقيقة: عادت وتحصّنت في الأنفاق التي بنت عليها حرب عصابات دفاعية إذا دخل الجيش، وهذا بالضبط ما حدث وما يزال يحدث إلى اليوم. وفق الفكرة الحَماسية، عندما تُكمل القتالَ عامين، فهذا انتصار يتردد صداه في العالم العربي ككيان وحيد يعطي إسرائيل «مبارزة». لا أعلم إن كانت حماس خططت فعلاً لـ«اليوم التالي» بهذا الشكل. ميدانياً، كلنا نعلم أن «النُخبة» عادت إلى جحورها، وإسرائيل تتخبّط وتتلقى الضربات منذ ذلك الحين وحتى اليوم.
من طهران حتى اليمن
فماذا يفعل نتنياهو ليحفر في الوعي تهديد حماس على دولة (إسرائيل)؟ صحيح، «كوبي رايت». أكاذيب. صناعة «الديس» خاصته تسمي الأنفاق في غزة «أنفاق هجوم»، بينما هي عملياً أنفاق دفاع، باستثناء بضع أنفاق هجومية أُحبطت وكانت معدّة للتسلل إلى داخل إسرائيل وإقامة موطئ قدم لغرض مفاوضات على تبادل أسرى.
خلافاً لشعبة التخطيط في الجيش التي خططت لمواصلة القتال، وجهاز الدعاية الحكومي الذي ادعى أنه «تهديد وجودي»، فقد فهمت حماس وعرفت أنه ليست لديها قدرات لإيذاء إسرائيل. ربما بنت على دخول حزب الله الحرب، لكن لا يوجد استخبار موثوق يدعم شراكة حقيقية. أدار حزب الله حرب استنزاف «بيتاً ببيت»، نحن صعّدنا وهو صعّد إلى «بيتين» وهكذا حتى أحياء وبلدات كاملة.
وهنا يأتي الإخفاق الثاني للجيش، وهو بائس لا يقل عن إخفاقات غزة. قرار الجيش إخلاء البلدات بدل تنفيذ خطة تصفية قيادات حزب الله العليا والوسطى، إلى جانب قصف وسائل الدفاع والقتال. أقدّر أن تحقيقات مستقبلية ستكشف الديناميات والبلاغة في القرارات التي قادت إلى تأجيل الهجوم حتى تم إخلاء كل «غلاف الجليل» وتدميره. حتى لو تردد نتنياهو أو أي كان ولم يصدّق هجوماً فورياً، كان واجب الجيش التنفيذ.
وكذلك في غزة. بعد ضربة الدمار الجوية، لنقل حتى وادي غزة، كان ينبغي للكابينت السياسي–الأمني أن يدير اتصالات ومحادثات حقيقية لإغلاق صفقة الأسرى. بضغط ممثلي المستوطنين والقاعدة واليمين الأعمى والمندفع، اختار نتنياهو «نصراً كاملاً» ليس هدفاً عسكرياً بل شعار حملة انتخابية. حتى اليوم.
فليقم وليقف ذلك الذي لا يقبل، بأثر رجعي، وقفة عند وادي غزة وصفقة من دون الانجرار إلى «غرامات دم» لا لزوم لها وإلى حرب عصابات. لماذا لم يحدث هذا؟ الجواب أمام أعيننا: طوال تلك الأيام والأسابيع والأشهر، وعلى مدى عامين، أدار نتنياهو «اتصالات» و«محادثات» بنفسه وبواسطة «رون ديرمرات» شتى ومجرد حمقى ومهرولين، ركضوا كالممسوسين برسائل وملفوفين بالسرية بلا جدوى عبر أنحاء العالم. جنود ومدنيون يُقتلون ويُصابون بالآلاف، فيما هذا المضلّل يماطل ليظهر كزعيم متشدد ويبرر هربه من المحكمة وخضوعه للمسيحانيين.
وماذا نتعلم؟ الجيش أيضاً صدّق عمليات التضليل هذه. رئاسة الأركان بالنتيجة مجرد عسكريين رؤوسهم غارقة في «التخطيط» و«بناء القوة» و«إدارة المخاطر» وليس في متابعة مبعوثي السراب. وليس القصد هنا الإيحاء بأن الجيش لم يرد القتال. بالعكس. الحرب هي كفارته على إخفاق الغلاف. كان يفترض بالنجاحات أن تقود إلى ترتيبات جرى جرّها بانتظار أن تنضج «المحادثات» و«الاتصالات» إلى اتفاق.
في الأثناء «صفّى» الجيش، على ما يبدو، تهديدات «وجودية» مثل إيران وحزب الله، وقبض قسيمته كمُنقذ للدولة. ومع ذلك، في كل الجبهات، من طهران حتى اليمن، بقي العدو واقفاً على قدميه، يتمايل، في طريقه إلى التعافي والانتقام، ينتظر الخطأ التالي للحكومة. وسيأتي.