التقارب الروسي من مصر مع انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية

Russia Attempts to Move Closer to Egypt as US Withdraws – JISS

التقارب الروسي من مصر مع انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية

ترجمة حضارات

الدكتور جوناثان سباير

خبير في شؤون سوريا والعراق والجماعات الإسلامية المتطرفة والأكراد


إن جهود موسكو لفرض نفسها كقوة في شرق البحر الأبيض المتوسط ينبغي أن تبدو بمثابة ملاحظة تحذيرية.

إن المناورات البحرية المشتركة المقبلة التي تشارك فيها البحريتان المصرية والروسية، والتي أعلنت عنها وزارة الدفاع الروسية في 10 تشرين الأول / أكتوبر، هي شهادة على الوضع الاستراتيجي المائع والسريع الى التغير في الساحة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط بشكل عام.

ووفقا للبيان الروسي فان المناورات " ستعمل على وضع مهام مشتركة لحماية الطرق البحرية من مختلف التهديدات " وستشمل اطلاق الصواريخ والمدفعية وعمليات تفتيش محاكاة " للسفن المشبوهة ".

وأشار عدد من المعلقين الإقليميين إلى أن الهدف من هذه المناورة هو جذب انتباه تركيا، مع الإشارة إلى التحركات الأحادية التي قامت بها أنقرة مؤخرا في شرق البحر الأبيض المتوسط فالعلاقات بين الحكومتين التركية والمصرية في حالة من الصعوبات حالية، على خلفية من الخصومات الطويلة الأمد.. و ترجع الاختلافات بين الاثنين إلى التنافس الجغرافي الاستراتيجي، وفي أنظمة الحكم المتنافسة.

تمثل تركيا ومصر نقيضين قطبين من حيث الحكم الإقليمي. كان الخيار في العالم العربي على مدى العقد الماضي (باستثناء جزئي من تونس) بین الملوك والضباط من جهة، والإسلاميين من جهة أخرى.

وقد سعت تركيا التي يتزعمها الرئيس رجب طيب أردوغان، على الرغم من أنها غير عربية، إلى رعاية ودعم ومساندة الحركات الإسلامية السنية والحكومات الإسلامية والمؤيدة للإسلاميين في سوريا وقطر وتونس والأراضي الفلسطينية وليبيا واليمن.



وفي الوقت نفسه، تجسد مصر التي يملكها الرئيس عبد الفتاح السيسي رد الفعل ضد حركات من هذا النوع، في أقوى أشكالها واتباعها. وكان انقلاب السيسي في 3 تموز/يوليو 2013 هو الذي عكس فعلية تقدم الإسلام السياسي السني في السنوات الثلاث السابقة (ربما إنقاذ اتفاق السلام الإسرائيلي مع مصر في ذلك)، وبدأت مرحلة الكسوف. لم ينس أردوغان هذا التاريخ الحديث.

ويشير الرئيس التركي، بأسلوبه المميز، إلى نظيره المصري على أنه "قاتل".. وتم سحب السفير التركي في القاهرة بعد الانقلاب.

إن الروابط بين الوسط الإسلامي التركي الذي خرج منه أردوغان وجماعة الإخوان المسلمين المصرية عميقة وطويلة الأمد.. وقد تلقى الإسلاميون الأتراك تعليمهم في أفكار مؤسس جماعة الإخوان المسلمین حسن البنا، وكبير المنظرين سيد قطب

وهكذا فإن السحق الشامل الذي قام به الجيش المصري لجماعة الإخوان المسلمين المصرية يبقى جرحا مفتوحا للإسلاميين الأتراك.

وهذه الخلفية السياسية والإيديولوجية تعلم وتكثف القضايا الجغرافية الاستراتيجية الملموسة التي تعارضها القاهرة وأنقرة.. وتتمحور هذه الضوابط بدورها حول مسألة استغلال احتياطيات الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط ، وتحركات تركيا العدوانية لوضع علامات على مساحات شاسعة من المنطقة لسيطرتها الحصرية.

في 27 نوفمبر 2019، وقعت تركيا وليبيا اتفاقية حدود بحرية تشير إلى منطقة 200 ميل بحري كمنطقة اقتصادية خالصة. وقد رفضت مصر واليونان وقبرص والامارات هذا الاتفاق. واعلن وزير الخارجية اليوناني نيكوس دينديا انها "غير قانونية ولاغية وباطلة". في 6 أغسطس/آب، وقعت مصر واليونان اتفاقهما المنافس في القاهرة، الذي يحدد الحدود البحرية بينهما

في 22 سبتمبر / أيلول، ومرة أخرى في القاهرة، وقع وزراء الطاقة من أعضاء منتدى غاز شرق البحر الأبيض المتوسط میثاقأ لتأسيس هذا المنتدى كمنظمة دولية.. ويضم المنتدى اسرائيل ومصر واليونان وقبرص والسلطة الفلسطينية.

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة الفصل بين القضايا السياسية والمسائل الجغرافية الاستراتيجية.. تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني في ليبيا من أجل الاحتفاظ بشريكها الذي تسعى إلى إقامة


منطقة اقتصادية خالصة طموحة في البحر الأبيض المتوسط، وتسعى من خلال ذلك إلى عرقلة قدرات مصر وإسرائيل على تصدير الغاز إلى أوروبا.

لكن حكومة الوفاق الوطني الليبية في طرابلس، التي تشاركها تركيا، تحظى بدعم جماعة الإخوان المسلمين الليبية وعدد من الميليشيات المرتبطة بها.. وفي الوقت نفسه، تحظى المنافس، الجنرال خليفة حفتر، الذي يتخذ من طبرق مقرا له، بدعم نشط من مصر.

وقد حدد تدخل مصري مهدد في تموز / يوليو 2014 على القوات المدعومة من تركيا من التوغل في مناطق النفط حول مدينتي س رت والجفرة، بعد أن أحبطت محاولات حفتر لملاحقة طرابلس ودفع مقاتليه إلى الوراء.

وفي إسرائيل، ثعقد الخصومات بين القوى الإقليمية بشكل عام على أنها تقدم ميزة معينة للقدس، من حيث أن القوة الأقرب دبلوماسية إلى إسرائيل (مصر في هذه الحالة من المرجح أن تشعر بالحاجة إلى التقرب من حلفائها في مواجهة التهديد المشترك.. ومن أمثلة هذه العملية إنشاء منتدى غاز شرق ميد وإضفاء الطابع الرسمي عليه مؤخرا كمنظمة دولية.

وتتمثل مواقف تركيا الإقليمية الحالية في مزيج من العدوان وعدم كفاية الدبلوماسية.. وهذا يؤدي إلى تشكيل تحالفات واسعة ضد أنقرة، والتي تشكل إسرائيل عنصرة طبيعية منها في السياق المتوسطي.

ومع ذلك، فإن جهود موسكو لفرض نفسها كقوة في شرق البحر الأبيض المتوسط ينبغي أن تبدو بمثابة تحذير بشأن هذه الصورة المواتية بشكل عام.

وروسيا ليست، بطبيعة الحال، عدوا لإسرائيل. لكن روسيا منحازة استراتيجية في المشرق العربي إلى إيران، العدو الأكثر عنيدة لإسرائيل.. تشكل الأسلحة الروسية (عبر إيران وسوريا) الجزء الأكبر من الترسانة الهائلة التي جمعها «حزب الله» لخدمة الأهداف الإيرانية

كما أن روسيا منافس لإسرائيل فيما يتعلق بمسألة تصدير الغاز إلى أوروبا.. كل هذا يعني أن الجهود الروسية للاستفادة من المنافسات الإقليمية للقوة لزيادة وجودها ونفوذها ليست إيجابية صافية بالنسبة للقدس.. و من وجهة النظر الإسرائيلية، على الرغم من عدم وجود عداوة، كلما قلت روسيا، كان ذلك أفضل.



وفي حالة شرق البحر الأبيض المتوسط كما في أماكن أخرى، تأتي مشاركة روسيا بنية الوساطة بين الجانبين، وبذلك زيادة النفوذ الروسي مع كليهما.. وهذا يتعارض مع المصلحة الإسرائيلية، التي لا لبس فيها في تقدم المصلحة المصرية / اليونانية / القبرصية / الأوروبية في شرق البحر، وإنهاء الاستفزازات التركية، وتراجع الأطماع التركية وإحباطها.

وتسعى موسكو إلى سحب تركيا أكثر من حلف شمال الأطلسي.. وبالتالي، فإن مصلحتها الطبيعية ستكون "الوساطة"، وخطأ استراتيجيا تجاه الطموحات التركية.

وعارضت موسكو مؤخرا على سبيل المثال قرار الولايات المتحدة برفع جزئي لحظر الأسلحة المفروض على قبرص منذ 33 عاما. ورد وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" باتهام الولايات المتحدة بمواصلة مسار " من ليس معنا هو ضدنا " .. وهذا النمط مألوف من تجربة سوريا في السنوات الأخيرة.

إن دخول روسيا إلى الصورة، كما هو الحال في أماكن أخرى، ممكن بسبب غياب قوة كبرى أخرى. ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يصدر إعلانات، ولكن ليس لديه قوة موحدة لنشرها.

فالسلطة الغائبة في شرق البحر الأبيض المتوسط، والتي يجعل غيابها من الممكن العدوان التركي والمحاولة الروسية "للتوسط"، هي الولايات المتحدة.. ومن المؤسف أن الولايات المتحدة لا تزال تفتقر إلى سياسة واضحة تجاه تركيا ونمطها في زعزعة الاستقرار.

إن الجهود الروسية الرامية إلى تقريب مصر من مدارها تظهر الصعوبات التي تواجهها محاولة بناء تحالف إقليمي في غياب راعي قوة عظمى.. فالبلدان التي تتباين فيها نظم الحكم وتاريخها اختلافا كبيرا قد تتحد في وجه المعتدي.. ولكن في غياب الراعي المشترك، تشير الأدلة إلى أن التحالف قد يكون مخصصة وهشة، وأن أعضاءه عرضة للانحراف.



ترجمة ومراجعة

مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020