تقدير موقف
مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية
لم يعد السؤال المطروح في إسرائيل، وفق ما تكشفه نقاشات متزايدة داخل أوساطها العسكرية والأمنية السابقة، يدور حول كيفية كسب الحرب أو توسيعها، بل حول سبب الإصرار على عدم إعلان انتهائها، فالمعطيات الميدانية، كما يقرّ بها جنرالات خدموا في قلب المنظومة العسكرية الإسرائيلية، تشير بوضوح إلى أن العمليات العسكرية الكبرى على جبهات غزة ولبنان وسوريا فقدت مبرراتها العملانية، وأن البيئة الأمنية الراهنة لا تفرض اندلاع مواجهة شاملة جديدة، لا من حيث الجاهزية ولا من حيث الضرورة الاستراتيجية.
ورغم ذلك، تستمر القيادة السياسية الإسرائيلية، وعلى رأسها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، في إدارة واقع سياسي وأمني يتعامل مع الحرب باعتبارها حالة مفتوحة، لا بوصفها مرحلة انتهت أو ينبغي الانتقال بعدها إلى ترتيبات سياسية.
من المناسب التأكيد أن التناقض الواضح بين الواقع على الأرض عسكري، وبين الخطاب الذي تقدمه حكومة إسرائيل هو أرضية الأساسية من أجل فهم وتحليل السياسات الإسرائيلية هذا التناقض، يشير إلى أن هذا الخطاب الحجي هو نتيجة لازمة داخلية في إسرائيل وليس نتيجة لتهديدات أمنية حقيقية أو فوري عليها.
من الناحية العسكرية المهنية، يقرّ وفقا لجنرالات كبار في جيش الاحتلال الإسرائيلي، فإن حزب الله قد خرج من الحرب بخسائر كبيرة في قدراته الهجومية كما أن قدرته على إعادة البناء مقيدة ومحددة، وتحديدا من الناحية المالية ومن ناحية انقطاع خطوط الإمداد بسبب الظروف التي تمر بها إيران والتغيرات في سوريا، إضافة لتراجع الاستعداد الشعبي اللبناني في الجنوب لاحتضان حزب الله بسبب الاثمان الباهظة التي دفعها الجنوبيون، من جهة أخرى لا تبدو إيران، ورغم خطابها المتشدد، في موقع الطرف الساعي إلى مواجهة مباشرة، في ظل ضغط اقتصادي غير مسبوق وحسابات إقليمية معقدة، أما الفلسطينيون في قطاع غزة فقد انتقلت المعركة من الإبادة الواسعة والكبيرة إلى محاولات الانتقال لمرحلة الإدارة بعد الحرب، أو ما يسمى بالمرحلة الثانية حتى وإن كانت بدون وفق سياسي واضح
لكن هذا الواقع، بدلاً من أن يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى إعلان نهاية الحرب، فتح الباب أمام استخدام التهديد ذاته كأداة سياسية، فالخطاب التصعيدي تجاه لبنان وإيران لا يعكس استعداداً فعلياً لحرب إقليمية، بقدر ما يؤدي وظيفة مزدوجة: من جهة، يشكّل ورقة ضغط تفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة وشركاء إقليميين يسعون إلى تثبيت التهدئة والانتقال إلى مسارات سياسية؛ ومن جهة أخرى، يحافظ على مناخ طوارئ داخلي يمنع عودة السياسة الطبيعية، ويؤجل استحقاقات المحاسبة والانتخابات ولجان التحقيق.
في هذا السياق، تبرز فرضية مركزية تتكرر في تحليلات جنرالات إسرائيليين سابقين، مفادها أن الحكومة الحالية لم تعد ترى في الحرب وسيلة لتحقيق الأمن، بل أداة لإدارة النظام السياسي نفسه . فإعلان نهاية الحرب يعني فتح ملفات الفشل في السابع من تشرين الأول، والانهيار الاستخباري، وكلفة الحرب الاجتماعية والاقتصادية، وتراجع الردع، والعزلة الدولية المتزايدة، لذلك، يصبح إبقاء الحرب في حالة “غير منتهية” خياراً سياسياً واعياً، لا نتيجة ارتباك أو غياب بدائل.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار يترافق مع عودة صامتة إلى عقيدة قديمة فشلت سابقاً، تقوم على " إدارة الصراع لا حله"، فبدلاً من البحث عن ترتيبات سياسية في غزة، يجري عملياً الإبقاء على واقع هش يسمح باستمرار وجود حماس بوصفها خصماً ضعيفاً لكنه وظيفي، يُستخدم لتبرير غياب أي أفق سياسي، ويحول دون فرض حلول دولية أو إقليمية أكثر إلزاماً على إسرائيل، هذه المقاربة، التي يعترف بفشلها جنرالات خدموا في أعلى المستويات، تعكس مفارقة خطيرة: إسرائيل تعيد إنتاج الشروط ذاتها التي قادتها إلى الانفجار، ولكن بأثمان أعلى وشرعية أقل.
على المستوى الإقليمي، لا تعمل إسرائيل اليوم من موقع المبادِر أو القادر على فرض شروطه منفرداً، فالأدوار الإقليمية لتركيا ومصر وقطر والسعودية تتوسع في مرحلة ما بعد الحرب، والولايات المتحدة تميل إلى تثبيت التهدئة بدل الانخراط في مغامرات عسكرية جديدة، في المقابل، تتراجع قدرة إسرائيل على التحكم بإيقاع الأحداث، وتجد نفسها أحياناً خارج غرف القرار، حتى في ملفات تمسّ أمنها المباشر، هذا التحول يعمّق شعور النخبة العسكرية السابقة بأن استمرار الحرب خطابياً لا يعزز موقع إسرائيل، بل يفاقم عزلتها ويُضعف مكانتها الاستراتيجية.
من هنا، يمكن القول إن إسرائيل تقف اليوم أمام مفترق حاد بين مسارين: مسار يسعى إلى إنهاء الحرب والانتقال إلى ترتيبات سياسية، وهو مسار تدفع نحوه اعتبارات عسكرية ودولية؛ ومسار آخر يتمسك بإدامة حالة الحرب بوصفها أداة بقاء سياسي داخلي، وهو المسار الذي تتبناه الحكومة الحالية، هذا الصراع بين منطق الأمن ومنطق السياسة لم يعد خفياً، بل بات مكشوفاً داخل الخطاب الإسرائيلي نفسه، على ألسنة قادته العسكريين السابقين.
يقدّر مركز حضارات، في ضوء هذه المعطيات، أن السيناريو الأرجح في المدى القريب يتمثل في إدارة توتر منخفض الشدة: ضربات محدودة، وتصعيد خطابي، ومنع أي انتقال سياسي حقيقي في غزة، من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، من الواضح أنه يترتب على هذا المسار مخاطر كبيرة من الناحية الاستراتيجية بعيدة المدى، رغم أنه يبدو أقل كلفة في المدى المنظور، لانه يعزز حالة اللا حل ويزيد من عمق الأزمة الداخلية في دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل قد يمنح قوة المقاومة ضد الاحتلال مساحة زمنية وسياسية وعسكريه لإعادة ترتيب الأوراق وتعزيز الصفوف.
خلاصة هذا التقدير أن دولة الاحتلال تعاني منها هشاشة في الحكم تدار عبر دق قبول الحرب، وتعظيم التهديدات مع أنها تتمتع بقوة عسكرية كبيرة جدا مقارنة بالمقاومة الفلسطينية، وهنا تتحول الحرب من وسيلة لحماية الدولة إلى عبئ يهدد تماسكها من الداخل، اما من ناحية الفلسطينيين بنظرة استراتيجية أوسع فإن هذا الواقع يكشف أن المعركة القادمة ستكون في مجال الرواية والسدي الشرعية والمساء له أكثر منها في مجال الدبابات والعسكر، ومن الممكن أن تتاكل الرواية الأمنية الإسرائيلية من داخلها، وبالفعل تناقضاتها الذاتية الواضحة والتي يعزها صمود الشعب الفلسطيني وثبات مقاومته المشروعة ضد الاحتلال.