‏العداء في أوروبا: بين صعود اليمين المتطرف وسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين

حضارات

مؤسسة حضارات

تقدير موقف

مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية

يثير تصريح جوزيف شوستر، ‏وهورئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، حول احتمال مغادرة يهود للبلاد في حال مشاركة حزب البديل من أجل ألمانيا في الحكومة، نقاشًا واسعا يتجاوز الشأن الداخلي الألماني، ليصل إلى تعريف أو توصيف ما يُوصَف اليوم بـ«تصاعد معاداة السامية» في أوروبا، ومصادره الحقيقية، وحدوده، وسياقاته السياسية والإعلامية.

‏لا أحد يقلل من خطورة صعود اليمين المتطرف في ألمانيا أو في غيرها من الدول الأوروبية، ولا من سجله التاريخي في استهداف الأقليات، ومنها اليهود. ولكن أن تختزل موجات الغضب والرفض الشعبي المتنامية في أوروبا، وخصوصًا بين الشباب، بأنها كراهية لليهود بوصفهم جماعة دينية أو إثنية فإن هذا يُعد تبسيطًا مخلًا، بل وتضليلًا سياسيًا يخدم أجندات سياسية معينة.

.تشير قراءات مركز حضارات إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا التحول في المزاج العام الأوروبي، مرتبط بشكل مباشر بسياسات إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني، وليس باليهود كيهود.

فقد شكلت الحرب الأخيرة على غزة، والشعب الفلسطيني عموما، وما تخللها من عمليات قتل واسعة النطاق للمدنيين، ولا سيما النساء والأطفال، نقطة تحول مفصلية في الرأي العام الغربي بشكل عام.

‏لقد خرجت مشاهد الدمار الشامل، والمجازر الموثقة بالصوت والصورة، من دائرة التغطية الإعلامية التقليدية، وانتشرت بلا وساطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتصل مباشرة إلى الرأي العام الأوروبي دون أي تدخل من السلطات الرسمية.

هذا العامل تحديدًا، أي الإعلام الرقمي غير الخاضع للرقابة السياسية التقليدية، نجح في تقويض سرديات وروايات رسمية طالما نجحت في الفصل بين “الدفاع عن إسرائيل” وبين الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وبدلًا من أن يُنظر إلى إسرائيل بوصفها “دولة ديمقراطية محاصرة”، باتت تُقدَّم في الوعي الجمعي الأوروبي، خاصة لدى الأجيال الشابة وجيل Z مثال، كقوة احتلال تمارس عنفًا مفرطًا ومنهجيًا ضد شعب واقع تحت الاحتلال أجنبي متغطرس.

في مثل هذا السياق، تبرز مشكلة الخلط المتعمد بين نقد سياسات إسرائيل كدولة، أو حتى رفض المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا استعماريًا استيطانيًا إحلاليا، وبين "معاداة السامية"، إن هذا الخلط لا يساهم في حماية اليهود في أوروبا، بل على العكس، يُعمّق التوترات ويغذي سرديات اليمين المتطرف التي تزعم أن “اليهود” مسؤولون جماعيًا عن سياسات إسرائيل، وهو ادعاء خطير ومرفوض أخلاقيًا وسياسيًا.

كما أن تحميل “أقصى اليسار” وحده مسؤولية عودة معاداة السامية، كما يلمّح بعض القادة اليهود في أوروبا، يتجاهل حقيقة أن الحركات التضامنية مع فلسطين في الجامعات والشوارع الأوروبية ترفع شعارات حقوقية وإنسانية، وتستند إلى القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان، ولا تنطلق، في غالبيتها الساحقة، من منطلقات دينية أو عرقية معادية لليهود ‏وهذا واضح من الشعارات والمواقف المعلنة لها.

من جهة أخرى، فإن صعود اليمين المتطرف، بما في ذلك حزب البديل من أجل ألمانيا، يستغل سياسيًا هذه الحالة الاستقطابية، مستفيدًا من فشل النخب الحاكمة في أوروبا في إدارة ملف الهجرة، والعدالة الاجتماعية، والسياسة الخارجية الأخلاقية، لكنه في الوقت ذاته لا يمثل المحرك الأساسي للغضب الشعبي تجاه إسرائيل، بل هو مستفيد ثانوي من بيئة سياسية وإعلامية مأزومة.

‏الخلاصة:، ترى قراءة مركز حضارات أن تنامي العداء لإسرائيل في أوروبا اليوم هو نتاج مباشر لتراكم سياساتها الاستعمارية والعسكرية ضد الفلسطينيين الضفة الغربية وغزة والقدس، وآخرها حرب الإبادة في ‏قطاع  غزة، وليس تعبيرًا عن كراهية متجددة لليهود كجماعة. إن تجاهل هذا التمييز الجوهري، والاستمرار في توظيف تهمة معاداة السامية كدرع سياسي، لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة الأخلاقية لإسرائيل، وإلى تعقيد أوضاع اليهود في أوروبا بدل حمايتهم.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025