مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية
أولاً: مقدمة:
تشهد إيران منذ أسابيع إحتجاجات ذات طابع اجتماعي،اقتصادي وسياسي مركب، وقد ترافق مع تصعيد في خطاب أمريكي وإسرائيلي حول برنامج إيران النووي، والصواريخ الباليستية، ومواقف طهران في الإقليم.
غير أن القراءة المتعمقة لتقديرات الموقف في إسرائيل، كما تنعكس في التحليل الإعلامي والأمني، تظهر بوضوح مفارقة أساسية:
رغم ضعف إيران النسبي من الناحية العسكرية في بعض المجالات، ورغم الاحتجاجات الداخلية، إلا أن خيار سقوط النظام، أو توجيه ضربة عسكرية واسعة له ليس مطروحاً عملياً في المدى المنظور.
هذا التقدير يحاول تفسير أسباب هذا الأمر، ومحاولة تفكيك منطق الانتظار، وما هي تداعياته الإقليمية، ومن ذلك على القضية الفلسطينية.
ثانياً: المشهد الداخلي الإيراني:تقدير.
1. تماسك بنية النظام
يعتمد النظام الإيراني على ثلاث دوائر حماية متداخلة:
1.الحرس الثوري الإيراني
2.قوات الباسيج (كأداة قمع داخلي مباشر)
3.الجيش الإيراني النظامي (كقوة احتياطية داعمة للنظام)
التقدير الإسرائيلي يرى أن هذه البنية لم تتصدع، بخلاف ما حدث عام 1979 حين رفض الجيش إطلاق النار على المتظاهرين، ما عجّل بسقوط نظام الشاه.
اليوم، لا تظهر مؤشرات انشقاق أو تردد داخل هذه الأجهزة، بل على العكس، لا تزال دوافعها العقائدية والمصلحية للدفاع عن النظام مرتفعة.
2. طبيعة الاحتجاجات
الاحتجاجات الحالية:
مجزأة جغرافياً وقطاعياً -
تفتقر إلى قيادة موحدة -
تتراوح مطالبها بين تحسين الظروف المعيشية والدعوة - لإسقاط النظام
ويستنتج التقدير الإسرائيلي أن هذا النمط لا يشكّل تهديداً وجودياً، بل يسمح للنظام بتطبيق سياسة "الاحتواء المرن": قمع محدود، استيعاب اقتصادي جزئي، وتجنب القتل الجماعي.
ثالثاً: الحسابات الإسرائيلية-الأمريكية تجاه خيار الضربة
1. مخاطر التدخل الخارجي
ترى المؤسستان الأمنية والاستخباراتية في إسرائيل أن أي هجوم خارجي على إيران في هذه المرحلة سيؤدي إلى::
- توحيد الشارع الإيراني خلف النظام
- تقويض أي احتمال داخلي لتآكل شرعية الحكم
- تكرار نموذج "الالتفاف الوطني" كما في حرب إيران -العراق
من هذا المنطلق، فإن إسقاط النظام بالقوة ليس مصلحة إسرائيلية ولا أمريكية حالياً.
2. القيود الأمريكية
رغم الخطاب التصعيدي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن أي ضربة لإيران تعني:
تعريض القوات الأمريكية في العراق، سوريا، الخليج، - وقطر للخطر
- فتح جبهات رد إيرانية مباشرة وغير مباشرة
إدخال واشنطن في حرب إقليمية واسعة غير مضمونة - النتائج
3. القدرة الإيرانية على الرد
التقديرات تشير إلى أن إيران:
تمتلك أكثر من 2000 صاروخ-
- قادرة على استهداف قواعد أمريكية (عين الأسد، العديد)
- تملك خبرة سابقة في ضرب منشآت خليجية وأمريكية
ما يعني أن تكلفة الضربة ليست منخفضة ولا محصورة.
رابعاً: الملف النووي والصاروخي – عامل الضبط الرئيسي
يُجمع التقدير الإسرائيلي على أن:
- إيران لم تستأنف التخصيب النووي العسكري
إنتاج الصواريخ الباليستية مستمر، لكنه لم يبلغ بعد - مستوى التهديد الحرج
- عملية "شعب كاللبؤة" ألحقت أضراراً جدية بسلسلة الإنتاج
بالتالي، فإن الخط الأحمر الحقيقي لم يُكسر بعد، ما يبرر سياسة الانتظار والمراقبة.
خامساً: منطق “الإغراء دون الحسم”
تعترف التقديرات الإسرائيلية بأن إيران تعاني حالياً من :
- ضعف كبير في منظومات الدفاع الجوي
- هشاشة اقتصادية متفاقمة
- ضغط داخلي متزايد
ومن المفارقات أنٌ إسرائيل ترى انٌ استغلال هذا الضعف الآن لن يحقق مكاسب استراتيجية إضافية، بل قد يسرّع في توحيد خصومها، ويدفع إيران إلى خيارات أكثر تطرفاً.
سادساً: أفق التفاوض كخيار مفضل
يرى التقدير أن:
النظام الإيراني يتجنب القتل الواسع للمتظاهرين حتى لا يمنح واشنطن ذريعة للتدخل
هذا السلوك قد يمهّد لعودة قسرية إلى طاولة التفاوض
علي خامنئي قد يكرر نموذج "كأس السم" السياسي إذا شعر أن بقاء النظام مهدد اقتصادياً لا أمنياً
الهدف الأمريكي-الإسرائيلي النهائي:
اتفاق يقيّد النووي، الصواريخ، والنفوذ الإقليمي، دون إسقاط النظام.
سابعاً: دلالات التقدير على القضية الفلسطينية
من منظور فلسطيني، يحمل هذا التقدير عدة دلالات خطيرة:
تأجيل الصدام مع إيران يعني استمرار استخدام ساحات أخرى (غزة، لبنان، اليمن) كساحات ضبط إقليمي.
أي صفقة أمريكية-إيرانية محتملة قد تأتي على حساب:
- أذرع المقاومة
- هامش الدعم الإيراني للقضية الفلسطينية
إسرائيل تسعى إلى تحييد إيران استراتيجياً دون حرب، تمهيداً لإعادة ترتيب الإقليم وفق أولوياتها.
ثامناً: الخلاصة التقديرية
يمكن تلخيص الموقف على النحو التالي: لا يوجد سقوط للنظام الإيراني قريبًا كما يتمنى بعض خصوم النظام، كذلك لا توجد حرب أمريكية إسرائيلية قريبة ضد إيران، بناءا على ذلك فإن الانتظار هو الخيار العقلاني كما يبدو في نظر إسرائيل وأمريكا
التفاوض يبقى المسار المفضل إذا توفرت شروطه
الساحات العربية، وعلى رأسها فلسطين، ستبقى مجال إدارة الصراع لا حسمه
تاسعاً: توصيات مركز حضارات
أن لا تتم المراهنة على سقوط النظام الإيراني كخيار استراتيجي
أن يتم قراءة الموقف الأمريكي الذي يوحي بالتهدئة على أرضية إعادة ترتيب المنطقة والعالم وليس على أساس" السلام".
ليس من الخطأ فلسطينيا تعزيز تحالفات الداعمة للمقاومة مع ضرورة تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للمقاومة الفلسطينية
الاستعداد لمرحلة ما بعد “الانتظار” الإسرائيلي، حيث تعود إيران إلى موقع مقيد اكثر مما كان بالسابق.