​حرب على الكلمات: لماذا تخشى "الدولة المدججة" منشوراً لأرملة شهيد؟

صحيفة هآرتس
بقلم: حنين مجادلة

لا أدري لماذا استوقفتني هذه الأخبار تحديدًا. أُلقي القبض على أرملة يحيى عياش على يد عناصر وحدة مكافحة الجريمة، بزعم أنها «نشرت عبارات تحريض في ذكرى مرور 30 عامًا على اغتياله، على حسابها في فيسبوك». ربما لأنني فوجئت بأنها ما زالت على قيد الحياة، وربما لأنني أدركت أن ثلاثين عامًا قد مضت بالفعل.
فكرتُ فورًا في السرعة التي تعتقل بها  إسرائيل الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر الذي يتلاشى — مرة بيد الجيش، ومرة بيد الشرطة المدنية — بسبب منشورات، أو كلمات، أو ذكريات، أو تاريخ. ما كُتب من قِبل أرملة عياش، وما يكتبه طلاب فلسطينيون في جامعة حيفا، جميعهم يُصادون في شبكة تطبيق قانون كثيفة واحدة.
هذه المرة لم يكن الجنود هم من نفّذوا الاعتقال، بل رجال شرطة. تفصيل تقني يبدو ظاهريًا، لكنه يثير تساؤلًا: هل  الضم لم يعد زاحفًا، بل أصبح قائمًا بالفعل؟ ناهيك عن أولئك الذين تعجز الشرطة عن الوصول إليهم في الضفة الغربية — مثل «شبيبة التلال»، على سبيل المثال. أو منظمات الجريمة التي تبث الرعب في شوارع المجتمع الفلسطيني — هناك تتباطأ يد القانون فجأة، بل تكاد لا تكون موجودة.
أغتيل قبل ثلاثين عامًا، قلتُ لنفسي، وكذلك أبو جهاد، وأحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وأبو علي مصطفى، وأحمد الجعبري، وعلي حسن سلامة، والقائمة تطول. وسألت نفسي: ماذا تريد دولة إسرائيل من أرملة عياش؟ ما دورها اليوم؟ ولماذا تملك إسرائيل الوقت والموارد لاعتقالها في هذه اللحظة بالذات؟
لبرهة بدا لي الأمر انشغالًا بالتفاهات. لكن دولة إسرائيل ترى استراتيجية حيث أرى أنا تفاهة أو غياب منطق. الدولة بالتأكيد لا تريد الأرملة ولا تريد منها شيئًا؛ هي فقط تريد أن تمرّر رسالة عبر اعتقالها، مفادها أن هذا الاعتقال لا يهدف إلى منع خطر، بل إلى إظهار من يسيطر — على الموتى، وعلى أراملهم، وعلى السردية. الدور المنسوب إليها بأثر رجعي هو دور تمنحه لها المنظومة: أن تكون تحذيرًا للآخرين.
إنها تذكير بأن الدولة، حتى بعد الاغتيال، وحتى بعد مرور ثلاثين عامًا، وحتى وهي المنتصرة، لا تستطيع أن تسمح بوجود ذاكرة.
الفلسطينيون ربما هم الشعب الوحيد اليوم الذي يعيش تحت وضع قائم من احتلال عسكري منذ 77 عامًا، وتحت نظام يراهم أعداء ويتعامل معهم على هذا الأساس، يقتلهم بطرق وأشكال شتى، ويمنعهم حتى بالكلمات من التمرد عليه، أو من رواية سرديتهم. إسرائيل لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، والحركة، والموارد؛ إنها تطالب بالسيطرة على الوعي، وعلى التاريخ، وعلى الحق الأساسي في سرد قصتك.
وعلى الطرف الآخر من المعادلة — العنف الجسدي القاتل اليهودي يُمنح وقتًا، وصبرًا، واحتواءً. «شبيبة التلال» يمكنهم إحراق فلسطينيين أحياء، ونشر مقاطع فيديو للحرق، ومنظمات يمينية يمكنها الدعوة للانتقام، وجنود يمكنهم إطلاق النار على فلسطيني أعزل، وسياسيون يمكنهم التنافس فيما بينهم على تصريحات عن المحو، والتسطيح، والإبادة. صحفيون يمنحون ذلك غطاء «نقاش عام»، ومحللون يلفّون دعوات الإبادة الجماعية بمصطلحات «الأمن»، وشبكات التواصل الاجتماعي تمتلئ بشعارات تدعو إلى «الموت للعرب». هؤلاء، الشرطة لن تعتقلهم أبدًا.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025