يعكس مقال يعقوب بردوغو في قناة 14 نموذجًا كلاسيكيًا للخطاب التعبوي في الإعلام اليميني الإسرائيلي، حيث تُقدَّم قمة نتنياهو–ترامب بوصفها لحظة مفصلية تُنهي “عهد الآيات الله”، فيما يُختزل المشهد الإقليمي المعقّد في رواية انتصار شخصي وسياسي لرئيس الحكومة الإسرائيلية.
أولًا: من تحليل استراتيجي إلى سردية خلاصية
المقال لا يستند إلى معطيات موثقة بقدر ما يعتمد على تعبيرات من قبيل “حتى ما أسمع” و”أنا مقتنع”، وهي صياغات تنقل الرأي إلى مستوى اليقين دون تقديم أدلة. ثلاث ساعات من الاجتماع تُقدَّم كدليل حاسم على تحوّل استراتيجي أمريكي. غير أن طول الاجتماع في الدبلوماسية لا يُعدّ بحد ذاته مؤشرًا على تغيير سياسات، بل قد يعكس تعقيد الملفات المطروحة.
ثانيًا: إسقاط الرغبة على الواقع
القول إن “مصير حكم الآيات الله قد حُسم” يمثل قفزة تحليلية غير مبررة. الإدارة الأمريكية – حتى في عهد ترامب – ميّزت بين الضغط على إيران وبين التورط المباشر في إسقاط النظام. التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان جعلت مسألة “تغيير الأنظمة” خيارًا عالي الكلفة سياسيًا وعسكريًا. وعليه، فإن تحويل قمة ثنائية إلى إعلان نهاية نظام إقليمي راسخ يُعد قراءة رغبوية أكثر منها استشرافًا واقعيًا.
ثالثًا: قطر والسعودية وتركيا: تضخيم “الهلع الإقليمي”
يشير بردوغو إلى “مكالمة عاجلة” من أمير قطر كدليل على “الذعر”. حتى لو صحت المكالمة، فإن الاتصالات الدبلوماسية قبيل اجتماعات حساسة أمر معتاد في العلاقات الدولية. تصويرها كحالة “هلع” يندرج ضمن خطاب تعبوي يسعى إلى تكريس صورة نتنياهو كفاعل مركزي يُربك خصومه الإقليميين.
رابعًا: التوتر بين السياسة الداخلية والخارجية
المقال يُهمل السياق الداخلي الأمريكي والإسرائيلي. في واشنطن، يخضع ترامب لحسابات انتخابية وضغوط مؤسساتية تحدّ من هامش قراره الأحادي. وفي إسرائيل، يواجه نتنياهو تحديات سياسية وقضائية تجعل أي إنجاز خارجي عنصرًا مهمًا في إعادة تشكيل صورته الداخلية. تجاهل هذه العوامل يجعل القراءة مبتورة.
خامسًا: الرسائل الإعلامية مقابل الواقع الاستراتيجي
الخطاب في قناة 14 يتسم بثنائية حادة: إما انتصار كامل أو فشل مطلق. غير أن السياسة الدولية تعمل بمنطق التدرج والمساومات. حتى لو استمعت واشنطن جيدًا للرؤية الإسرائيلية، فإن القرار النهائي يُبنى على مصالح أمريكية أوسع تشمل أمن الطاقة، استقرار الخليج، وإدارة التنافس مع الصين وروسيا.
سادسًا: مشكلة “اليقين المبكر”
إعلان حسم مصير النظام الإيراني قد ينعكس سلبًا إذا لم يتحقق. فالإفراط في التوقعات يرفع سقف الرهانات الشعبية، ويُحوّل أي تسوية تفاوضية لاحقة إلى “تراجع” في نظر الجمهور.
خلاصة
مقال بردوغو يعكس خطابًا سياسيًا تعبويًا أكثر منه تحليلًا استراتيجيًا محايدًا. القمة بين نتنياهو وترامب مهمة بلا شك، لكن تحويلها إلى نقطة تحوّل نهائية في تاريخ إيران يتجاهل تعقيدات النظام الدولي، توازنات الردع، وحسابات الكلفة–العائد لدى واشنطن. القراءة الواقعية تشير إلى أن المسار ما يزال مفتوحًا بين الدبلوماسية والضغط، دون مؤشرات حاسمة على قرار أمريكي بإسقاط النظام في طهران.