مناقشة حول جهود المصالحة بين حماس وفتح

A Discussion at INSS on Hamas-Fatah Reconciliation Efforts | INSS


مناقشة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب / INSS حول جهود المصالحة بين حماس وفتح


▪️ يوهانان تزورف 

▪️ كوبي مايكل

15 / 10 / 2020 


هل المنظمتين الفلسطينيتان الرئيسيتان على طريق المصالحة؟ ينقسم الباحثون: يؤكد "يوهانان تزورف" أن التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية قد تقرب المعسكرين من بعضهما البعض، في حين يعتقد "كوبي مايكل" أن الفجوات أوسع من أن يتم سدها. قراءة أسبابها وتوصياتها في ملخص للمناقشة التي عقدت في INSS.


يمر النظام الفلسطيني منذ عدة أشهر بعملية إعادة تقييم حاسمة.. كانت هناك بعض المحاولات للتقارب بين المعسكرين الرئيسيين – فتح من جهة، وحماس والفصائل الأخرى من جهة أخرى.


وكان آخر محفز وراء هذه الجهود هو اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، الذي فُوِّر على أنه انسحاب للدعم العربي للاستراتيجية التي تقوم عليها النضال الوطني الفلسطيني ضد إسرائيل. وفي المقابل، تحاول المخيمات الفلسطينية تعزيز التفاهمات الداخلية والاتفاق على استراتيجية محدثة للنضال. وهذا تطور غير مسبوق في التاريخ الوطني الفلسطيني. في اجتماع في اسطنبول في 24 أيلول/سبتمبر 2020 بين كبار أعضاء المعسكرين، كان من الواضح مدى جدية نظرتهم إلى التطورات التي تبعد القضية الفلسطينية عن صدارة جدول الأعمال الإقليمي. وفي اليوم نفسه، أجرى جهاز الـ INSSمناقشة بشأن نهجين يقيمان آفاق المصالحة بين المخيمات الفلسطينية.


يحلل هذا المقال هذه المناهج، مع مراعاة أهمية عملية التقييم الاستراتيجي التي تجري حالياً في المسرح الفلسطيني بالنسبة لإسرائيل.


ويعكس الاجتماع الذي عقد في اسطنبول في 24 أيلول/سبتمبر 2020 بين حركتي فتح وحماس، ممثلاً على التوالي، السكرتير العام لحركة فتح جبريل الرجوب وصالح العاروري، الجدية التي ينظر بها زعيما المخيمين الفلسطينيين إلى التطورات التي دفعت القضية الفلسطينية من على رأس جدول الأعمال الإقليمي. نشر خطة الرئيس ترامب لتسوية إسرائيلية فلسطينية في كانون الثاني / يناير 2020؛ 


النية التي أعلنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لضم أجزاء من الضفة الغربية؛ كما أن الفلسطينيين يعتبرون اتفاقات التطبيع بين إسرائيل والإمارات والبحرين (وهو تطور أرجأ الضم فعلياً) تهديداً لمستقبل مشروعهم الوطني وتمثيلهم الحصري للقضية.. وقد عزز هذا الرأي رفض وزراء الخارجية في قمة جامعة الدول العربية في التاسع من أيلول / سبتمبر ادانة اتفاقات ابراهام لانحرافها عن مبادئ مبادرة السلام العربية.


وكان الاجتماع الذي عقد في اسطنبول آخر في سلسلة من الجهود التي بذلتها المخيمات الفلسطينية المتنافسة لتعزيز المصالحة من خلال النضال المشترك – أو على الأقل من أجل إضفاء مظهر الوحدة.. في أوائل آب / أغسطس، عقد مؤتمر صحفي مشترك مع الرجوب (في رام الله) والعاروري (في بيروت)، وفي 3 أيلول / سبتمبر، عقد اجتماع - هو الأول من نوعه - برئاسة رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن، حضره رؤساء جميع الفصائل الفلسطينية، بما فيها الجهاد الإسلامي.


وفي ختام اجتماع اسطنبول، اتفق الطرفان، بلغة تعبر عن التقارب والاستعداد للعمل معا، على وضع خطة مشتركة للتعامل مع التحديات التي تواجه الحركة الوطنية الفلسطينية حاليا. 


وتم التوصل إلى تفاهمات بشأن انتخابات المؤسسات الفلسطينية، على الرغم من أن الوثيقة الختامية لا تزال تتطلب موافقة جميع المنظمات. 


وذكر الرجوب أنه لا يوجد اتفاق بشأن عقد اجتماع للأمناء العامين، لأن حماس لا تزال تدرس المخطط المقترح. كما أشار إلى أن فتح وحماس اتفقتا على المضي قدماً في قناتين - ثنائية ووطنية، أي إطار واسع يشمل جميع الفصائل التي قبلت الاقتراح. وفي الأول من أكتوبر / تشرين الأول، وافقت اللجنة المركزية لحركة فتح على الخطوط العريضة التي قدمها الرجوب.


في 24 أيلول / سبتمبر، أجرى جهاز INSS مناقشة حول نهجين بشأن آفاق المصالحة بين المعسكرات الفلسطينية المتنافسة.


قدم "يوهانان تزورف" النهج الذي يحدد التغيير الذي يمكن أن يؤدي إلى الوحدة، حيث تجبرهم العزلة الإقليمية والدولية للفلسطينيين على تحديث خطتهم الوطنية. 


فلا فتح ولا حماس وحدهما يستطيعان تنفيذ استراتيجيتهما للنضال من أجل التحرر الوطني، وبالتالي يجب عليهما إعادة النظر في الوضع : يجب أن ينظرا إلى الداخل، دون وساطة عربية أو غيرها من الوساطات الخارجية، وعلى رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن أن يغير موقفه من التنافس بين المنظمات، التي كانت حتى الآن العقبة الرئيسية أمام العلاقات مع حماس.


وعرض "كوبي مايكل" النهج الذي يعتبر الفجوات الواسعة بين المنظمات غير قابلة للرأب، وقيّم فرص المصالحة بين فتح وحماس على أنها منخفضة إلى معدومة. 


هذه لعبة محصلتها صفر على خلفية التنافس على القيادة الفلسطينية، وحقيقة أن حماس مدعومة من قبل لاعبين خارجيين - تركيا وقطر، وهما الداعمان الرئيسيان لمحور الإسلام السياسي، ولديهما أجندة تتجاوز الأجندة الفلسطينية وترتبط بالصراع من أجل الهيمنة الإقليمية.


  • التقارب

ويكاد يكون الاحتكاك مع إسرائيل العنصر الوحيد الذي شكل العلاقات بين فتح وحماس، أكبر تنظيمين فلسطينيين، منذ عام 1987. 


هذا الاحتكاك هو ما قسمهم، وفي الظروف الحالية يمكن أن يساعد في تقريبهم. تم الإعلان عن الاستقلال الفلسطيني في اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني في 15 تشرين الثاني / نوفمبر 1988، وهذا مكن فيما بعد من صياغة اتفاقات أوسلو واتفاق السلام بين إسرائيل والأردن.


ومع ذلك، يهدد هذا الاحتكاك الآن بالإضرار بالإنجازات السياسية للحركة الوطنية الفلسطينية (كانت هناك انتكاسات سابقة، ولكن ليس إلى الحد الذي تمثله خطة ترامب والتطبيع فيما بعد بين إسرائيل ودول الخليج).


أدّى اقتراح الرئيس ترامب إلى ردّ موحد من جانب المخيمات الفلسطينية، إذ لم يتضمّن حتى الحد الأدنى من مطالب الفصيل الأكثر اعتدالاً في الساحة الفلسطينية. 


ويُنظر إليها على أنها ضم إسرائيلي لجميع الأراضي الواقعة بين النهر والبحر، لا سيما وأن المسؤولية الأمنية عن المنطقة بأكملها والسيادة على الأماكن المقدسة في القدس الشرقية ستظل في أيدي إسرائيل، حتى بعد إقامة الدولة الفلسطينية. 


وعلاوة على ذلك، فإن اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات والبحرين أوضح للفلسطينيين أن النية الإسرائيلية لضم مناطق من الضفة الغربية قد علقت، ولكن لم يتم إلغاؤها. كما أنه يوضح عمق عزلتهم وفقدان التضامن العربي، الذي كان أساس استراتيجية نضالهم ضد إسرائيل والمفاوضات مع إسرائيل.


والشعور الذي يهيمن الآن على الساحة الفلسطينية هو أن المعسكرين يجب أن يتحولا إلى الداخل وأن يضعا خطة عمل مشتركة، استجابة للضعف. 


ويحاول كلا المعسكرين الرئيسيين، فتح وحماس، الاقتراب استجابة لطلب الجمهور، الذي يرى أن الانقسام بينهما هو السبب الرئيسي للضعف الفلسطيني، مما يمكن العناصر الخارجية من التدخل. 


وهذا الفهم تشترك فيه جميع الفصائل، وقد أبدت استعدادها للالتحاق بالجهود.. ومع ذلك، ليس من الواضح إلى أي مدى يمكن للمخيمات أن تكيف مواقفها الأساسية ومصالحها من أجل العمل معا. 


فالاستراتيجيات المختلفة التي تبنتها فتح وحماس للنضال ضد إسرائيل، والمنافسات العميقة بين القيادتين، والاستياء الذي سببته كلها تحدى قدرتها على المصالحة.. ويمكن أن تكون ثلاث مسائل هي العقبات الرئيسية:


  1. المقاومة المسلحة واستخدام السلاح: 


عند انتخابه للسلطة الفلسطينية في عام 2005، أمر أبو مازن بوقف جميع الأنشطة العنيفة ضد إسرائيل، وأعلن عن بدء عهد جديد: "سلطة واحدة، قانون واحد، بندقية واحدة"، والتنسيق الأمني الكامل مع إسرائيل، الذي كان يعرف في كثير من الأحيان بأنه مقدس.


وقد أدى استيلاء حماس على السلطة في قطاع غزة في عام 2007 إلى انفصال بين المنطقتين الفلسطينيتين، وهو ما عززه التعاون الأمني والهدوء الذي ظل قائما في الضفة الغربية. 


وطالب أبو مازن السلطة الفلسطينية بمراقبة السلاح في الساحة الفلسطينية كشرط للمصالحة مع حماس، لكن حماس رفضت ذلك والتزمت بالمعارضة المسلحة باعتبارها طريقها الرئيسي. ومع ذلك، وعلى مر السنين، وخاصة بعد جولات من القتال مع إسرائيل، خففت قليلا نهجها. 


في عام 2017، نشرت حماس بياناً سياسياً جديداً، جاء فيه أنها يمكن أن تتفق مع فتح على إجراءات غير عنيفة ضد إسرائيل، وإن لم يكن بالضرورة كجزء من المصالحة الكاملة. 


وأوضحت حماس في بيانها أنها مستعدة لوضع استخدام السلاح تحت مسؤولية كيان وطني مشترك، يحدد طبيعة المقاومة ومتى سيسمح باستخدام الأسلحة.


  1. توازن القوى بين المنظمات :


التقييم العام في إسرائيل هو أن حماس كيان قوي ومتماسك، له أيديولوجية محددة لا تعترف بحق إسرائيل في الوجود، وإيمان بعدالة قضيتها. 


من جانبهم، يرى الفلسطينيون أن المقاومة هي ذروة التضحية وطريقة لإشاعة مشاعر الغضب والانتقام، لكنهم لا يعتقدون أن ذلك سيعزز الحرية ويؤثر على مواقف إسرائيل الأساسية، أو حتى تعزيز أي هدف استراتيجي. والدليل على ذلك هو الانخفاض الكبير في المقاومة المسلحة من قطاع غزة منذ عام 2014. 


وتدرك حماس جيداً أن استمرارها في حكم القطاع هو نتيجة قرار إسرائيلي بعدم إعادة احتلال المنطقة، وأن اختلال توازن القوى مع إسرائيل هائل.. وفي الوقت نفسه، فإن الادعاء الذي كثيراً ما أدلى به المتحدثون باسم «حماس» بالإشارة إلى الردع الإسرائيلي هو في الواقع نتيجة الخطاب الإسرائيلي العام، الذي يعززه. 


لذلك من الصعب الآن الحديث عن العلاقات بين فتح وحماس باعتبارها لعبة محصلتها صفر.. ومع ذلك، فإن حماس أكثر وعيا من الماضي بالحاجة إلى العمل المشترك والتكامل في المجتمع الدولي.. وحتى لو سيطرت حماس على منظمة التحرير الفلسطينية، فسيضطر إلى التعامل مع قضايا أكثر تعقيداً من الصعوبات التي تواجهها حالياً في قطاع غزة. 


هل يمكنها تجاهل الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية والحصول على دعم سياسي أو مساعدات مادية من بلد أوروبي دون تغيير موقفها من الصراع وحله المنشود؟


هل ستظل فتح مركزية في منظمة التحرير الفلسطينية إذا سيطرت حماس؟ أم أن حماس ستنضم إلى منظمة التحرير الفلسطينية في المحور الإقليمي الراديكالي، وبالتالي تخاطر بالصراع المستمر مع إسرائيل ومع جزء كبير من الشعب الفلسطيني، الذي يرى أن أي صلة بالمحور الراديكالي غير شرعية؟


  1. الانضمام إلى المحور التركي القطري:


التحركات التي قامت بها حماس وفتح حتى الآن تقرّبهما من المحور التركي القطري. وقد يكون لمثل هذه الصلة آثار خطيرة على فتح، على الرغم من أن لديها علاقات مناسبة مع قطر وليس لديها مشاكل مع تركيا. 


ولكن من خلال الاقتراب من هذا المحور، سيتعين على فتح أن تتراجع عن المعسكر الوطني الأكثر واقعية، وهو أقل إسلامياً والذي كانت تنتمي إليه دائماً. لذلك، ينبغي النظر إلى مثل هذه الخطوة على أنها احتجاج ضد الدول العربية التي تؤيد التطبيع مع إسرائيل، وأقل من ذلك كمحاولة للانسحاب من المعسكر البراغماتي. 


والواقع أنه بعد الاجتماع الذي عقد في اسطنبول، ذهب عضوا فتح البارزان جبريل الرجوب وروهي فتوش أولاً إلى الدوحة ومن هناك إلى القاهرة، بعد أن أعربت مصر عن خيبة أملها من محاولة استبعادها من الحوار الفلسطيني الداخلي. 


وكان الغرض منها هو توضيح أن دور مصر في الحوار كان آمناً، ولكن هذه مبادرة فلسطينية داخلية. وعلى أية حال، يبدو أن فتح لن تقطع صلاتها بالمخيم البراغماتي، وأن حماس تبذل جهوداً للاقتراب من هذا المخيم منذ بعض الوقت، وإن لم تحقق نجاحاً. 


وعلاوة على ذلك، هناك بالفعل بوادر على التلكأ من جانب المنتديات التي من المفترض أن تجتمع وتوافق على استمرار عملية المصالحة، ويعتقد بعض الفلسطينيين أنهم ينتظرون نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية.. ويأمل أبو مازن أن يتم انتخاب بايدن وأن ينأى بنفسه عن تحركات ترامب - التي قد تجعل عملية المصالحة غير ضرورية.


  • جواب لا يمكن تجاوزها


يواجه النظام الفلسطيني واحدة من أدنى اللحظات في تاريخه.. فقد الفلسطينيون حق النقض (الفيتو) على سنوات عملية أوسلو فيما يتعلق بالتطبيع بين إسرائيل والعالم العربي، والقدرة على التأثير على السياسة الأمريكية تجاه الصراع وحلوله المحتملة، فضلاً عن الدعم المالي الأمريكي. 


فهي في أزمة اقتصادية عميقة؛ فقدوا دعم المعسكر العربي البراغماتي وتركوا بدعم من المعسكر الراديكالي، بقيادة تركيا وقطر وإيران؛ وهناك تآكل كبير في ثقة الجمهور في قيادة السلطة الفلسطينية. 


وقد حدث كل هذا في الوقت الذي تنقسم فيه الساحة الفلسطينية بين كيانين مستقلين ومتنافسين، يمثلان وجهات نظر واستراتيجيات عمل عالمية مختلفة.


تشعر قيادتي فتح وحماس بأن هذه حالة طارئة، لكن ضيقهما مختلف.. وكما ترى حماس، فإن تراجع وضع القضية الفلسطينية والنظام الفلسطيني نفسه هو الدليل النهائي على فشل الاستراتيجية التفاوضية التي يقودها أبو مازن، وعلى صحة نهجها - استمرار الكفاح المسلح ضد إسرائيل. ومن هذا، تستمد قيادة حماس أن الوقت قد حان لإزالة الهيمنة التاريخية لحركة فتح والاستفادة من هذا التطور لتحقيق الهدف الاستراتيجي للمنظمة وهو السيطرة على النظام الفلسطيني.


إن قيادة حماس، التي يرأسها إسماعيل هنية وصالح العاروري - الخصمان السياسيان أنفسهم - تعطي الأولوية للتقارب مع المحور التركي القطري ومن إيران، وهي مستعدة لتعزيز المصالحة مع فتح، ولكن بشكل طبيعي وفق شروطها الخاصة. 


ومع ذلك، فإن أجندتهم لا تتطابق مع أجندة يحيى سنوار، زعيم حماس في قطاع غزة، الذي يفضل الاعتماد على مصر.. السنوار يركز على الجانب المحلي; يسعى إلى تحسين الواقع الإنساني في قطاع غزة وتعزيز تمسك حماس بالمنطقة كعنصر سيادي طويل الأمد، واهتمامه بالأحداث في الضفة الغربية محدود.. بالمقابل إن أجندة هنية والعاروري أوسع بكثير.


وبالنسبة لقيادة حماس، فإن الاستعداد لتعزيز المصالحة مع فتح يشكل نقطة انطلاق لتعزيز هدفها الاستراتيجي ـ تولي السيطرة على النظام الفلسطيني.. وتعتقد أن المصالحة بالنسبة لحركة فتح هي مجرد منبر للإبقاء على السيطرة؛ وترى أن من الضروري أن تكون المصالحة بمثابة وسيلة لتحقيق السلام. 


بالنسبة لحماس، المصالحة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كانت شريكاً في بؤرة السلطة في النظام الفلسطيني.


وهذا هو أساس مطالبتها بإجراء انتخابات فورية لرئاسة السلطة الفلسطينية والمجلس التشريعي الفلسطيني والمجلس الوطني الفلسطيني..


الهدف هو دخول حماس في إطار منظمة التحرير الفلسطينية والتمثيل الصحيح في مؤسساتها.. هذه المطالب كانت ولا تزال سكيناً في حلق فتح وقيادة السلطة الفلسطينية..


وتريد فتح من جانبها إجراء انتخابات على مراحل (في الماضي كانت تطالب بإخضاع القوة العسكرية لحماس للسلطة الفلسطينية، وليس من الواضح ما إذا كان هذا المطلب لا يزال قائماً).. وتعارض فتح والسلطة الفلسطينية تشكيل حكومة وحدة وطنية من أجل التحضير للانتخابات، ويطالب كل منهما بأن تكون الحكومة العاملة مسؤولة عن جميع الاستعدادات اللازمة.


إن قيادة حماس مقتنعة بأنه في الانتخابات المتزامنة للرئاسة الفلسطينية والمجلس التشريعي والمجلس الوطني، فإن المنظمة سوف تحقق مكاسب كبيرة، بل وقد تهزم فتح وتفوز بالسيطرة على النظام برمته. 


ومن ثم فإن الانتخابات الحرة والمشرفة التي تؤدي إلى فوز شرعي لحماس سوف توطّد مكانتها في الداخل وفي نظر القيادة، وتجبر المجتمع الدولي على الاعتراف بالمنظمة، مما يمكنها من الخروج من عزلتها الدولية الحالية.


وحتى لو كانوا يرغبون في الاندماج في منظمة التحرير الفلسطينية، فليس من المرجح أن تتمكن قيادة حماس (هنية و العاروري ) من إجبار عناصر السلطة في قطاع غزة على التخلي عن أصولهم العسكرية، لأن هذه هي بوليصة التأمين الخاصة بهم وأساس حكم حماس في القطاع. 


وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من بيان عام 2017 الصادر في عهد زعيم حماس السابق خالد مشعل، تنفي حماس المنطق الذي استرشد به اتفاق أوسلو – العملية السياسية مع إسرائيل، وعلى عكس السلطة الفلسطينية، يدعم الكفاح المسلح حول صراع شعبي سلمي. 


فالبنية التحتية العسكرية ليست ضرورية لوجود حماس فحسب، بل هي أيضاً وسيلة لتحقيق استراتيجيتها وترسيخ مطالبتها بالاعتراف بها كزعيمة للكفاح المسلح.. وأكثر ما يمكن أن توافق عليه قيادة حماس في الوقت الراهن هو تمكين السلطة الفلسطينية من العودة إلى غزة وقبول الإدارة المدنية للمنطقة.. لكن هذا الحل الوسط قد يتحول إلى منحدر زلق يقود الساحة الفلسطينية إلى "واقع لبناني"، وهو أمر يخشى أبو مازن، وبالتالي ليس من المرجح أن يقبله.


تعمل حماس في واقع جدلي – اتصالات غير مباشرة مع إسرائيل مع عدم الاعتراف بشرعية إسرائيل واستمرار الكفاح المسلح.. في نظر المنظمة، هذا نضال تاريخي لن يتقرر في هذا الجيل، ويتطلب المثابرة والتصميم حتى النصر النهائي، حتى لو كانت هناك بعض التنازلات على طول الطريق.. ويمكن تفسير الاتصالات الحالية مع فتح بشأن المصالحة المحتملة على أنها تعبير عن هذا النهج.


  • الاستنتاج والأهمية بالنسبة لإسرائيل


وعلى الرغم من الوضع الاستراتيجي غير المُتَرَد للنظام الفلسطيني، لا يزال من السابق لأوانه تحديد ما إذا كانت الاستجابة للتحدي ستكون إعادة تنظيم تستند إلى العلاقات بين فتح وحماس. 


إن أساس الشرعية ومصدر القوة الذي قامت به فتح، من خلال السلطة الفلسطينية، وقبل كل شيء رؤيتها - دولة فلسطينية مستقلة تقوم على حدود عام 1967 مع عاصمتها في القدس الشرقية، كما تم التفاوض عليها في محادثات مع إسرائيل على أساس مبادرة السلام العربية والقرارات الدولية ذات الصلة - قد تعرضت لضربات قاسية من الولايات المتحدة والدول العربية.


ومن ناحية أخرى، ترى قيادة حماس في هذه الأزمة فرصة لتعزيز وضع المنظمة، بالضرورة على حساب فتح والسلطة الفلسطينية.. تدرك حماس ضعف النضال غير الموحد، لكن وضعها أسهل من وضع فتح. 


ونظراً لضعف منافسها، فإنه لا مصلحة لها في أن تصبح أكثر مرونة.. وهذا يعني فرص أقل للمصالحة بين المعسكرين.. ومع ذلك، فإن النظام الفلسطيني سيتغير بالضرورة إذا تقاعد أبو مازن من الحياة العامة، أو اختار بدلاً من ذلك، الشراكة مع «حماس» من أجل صياغة استراتيجية مشتركة من شأنها أن تزيد من ثقل البطاقة الفلسطينية على الساحتي الإقليمية والدولية، وتحديداً تجاه إسرائيل. 


وفي الوقت الحالي، يُكسب الوقت، على أمل أن تحل نتائج الانتخابات الأمريكية محل الرئيس ترامب، عدو المصالح الفلسطينية.. ولا يزال أبو مازن يفضل المسار السياسي مع إسرائيل على المصالحة مع حماس، الأمر الذي سيمهد الطريق لمنظمة في منافسة على رئاسة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.. ويتناقض تطور هذا الاتجاه مع المصالح الإسرائيلية.


وترغب إسرائيل من جانبها في الحفاظ على وجود السلطة الفلسطينية المستقرة العاملة، التي يمكنها أن تستند إليها في الأمن والتنسيق المدني، وضمان واقع اقتصادي أفضل وأكثر استقراراً في الضفة الغربية، وتعزيز الهدوء الأمني في قطاع غزة من خلال حكم فعال من حماس وضبط النفس العسكري. 


ويعتقد البعض في إسرائيل أنه من الممكن منع الاحتمال الضئيل بأن تتوصل «فتح» و«حماس» إلى ترتيب وتقسيم للسلطات، من خلال دمج السلطة الفلسطينية في اتفاقات التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج، ومن خلال إخراج خطة ترامب من جدول الأعمال. 


ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تحسين الوضع السياسي والاقتصادي للسلطة الفلسطينية بشكل كبير، ولكن بما أن عودة السلطة الفلسطينية إلى الحكومة في قطاع غزة أمر مستبعد جداً ولا سبيل إلى إعادتها إلى طاولة المفاوضات طالما بقيت خطة ترامب على جدول الأعمال، يجب على إسرائيل أن تأتي بمقترحات سياسية جديدة ومرحبا / أو تواصل التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل مختلف، طالما أن ذلك ممكن أو ذي صلة.


وفي هذا الإطار، سيكون من الجيد لإسرائيل أن تحاول تجديد التنسيق الأمني والاقتصادي والمدني مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ومنع تحصن «حماس» في المنطقة.. وفي الوقت نفسه، يجب عليها أن تعمل على تحسين الحالة الإنسانية في قطاع غزة وتحقيق استقرارها، مع تحسين الحالة الأمنية وتثبيتها أيضا من خلال الاستعداد للتوصل إلى ترتيب أوسع نطاقا وأكثر أهمية مع مصادر الطاقة ذات الصلة في القطاع. 


كما سيسهل الهدوء الأمني إجراء مناقشة عملية حول تجديد المحادثات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بدعم من الإمارات العربية المتحدة، استناداً إلى خطة ترامب المعدلة التي تستجيب لكل من المطالب الفلسطينية والتوقعات الإسرائيلية، واستناداً إلى المبادرة العربية. 


وعلى الرغم من أن فرص التوصل إلى تسوية دائمة تبدو ضئيلة في الوقت الحاضر، فإن تجديد العملية السياسية من شأنه أن يتيح تجديد الأمن والتنسيق المدني، ويحسن الحالة الأمنية والاقتصادية القائمة، وربما يسمح للأطراف بالتوصل إلى اتفاقات أكثر محدودية تلبي على الأقل بعض المطالب والتوقعات. 


ومن شأن تجديد العملية السياسية أن يعزز السلطة الفلسطينية ويجعل من الصعب على حماس وفتح توحيد صفوفهما وصياغة استراتيجية عدائية مشتركة ضد إسرائيل، وهو ما يتعارض بطبيعته مع هدف التوصل إلى حل تفاوضي للصراع.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020