قراءة تحليلية :
يكشف تقرير وول ستريت جورنال عن إدخال آلاف أجهزة “ستارلينك” إلى إيران بعد موجة الاحتجاجات الأخيرة، في خطوة قُدِّمت بوصفها دعمًا لـ“حرية الإنترنت”. غير أن القراءة المتأنية تشير إلى ما هو أبعد من البعد التقني؛ نحن أمام نمط جديد من التدخل غير المباشر، تُستخدم فيه البنية التحتية الرقمية كأداة ضغط سياسي داخل دولة خصم.
أولًا: من العقوبات إلى هندسة المجال العام
لطالما اعتمدت واشنطن على العقوبات والضغط الدبلوماسي لاحتواء طهران. اليوم، يبدو أنها تنتقل إلى مستوى أعمق: محاولة إعادة تشكيل المجال العام الإيراني عبر تمكين اتصال مستقل عن سيطرة الدولة. إدخال أجهزة اتصال فضائي لا يعني فقط تجاوز الحجب، بل يعني خلق فضاء معلوماتي موازٍ، خارج قبضة النظام. السؤال هنا ليس تقنيًا، بل سيادي: هل يمكن فصل “حرية الإنترنت” عن سياق الصراع الجيوسياسي؟
ثانيًا: ازدواجية الخطاب الأمريكي
في الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن تفضيلها للمسار الدبلوماسي في الملف النووي، تكشف هذه الخطوة عن مسار موازٍ يستهدف البنية الداخلية للنظام. هذه الازدواجية — تفاوض علني وضغط تقني سري — تعكس استراتيجية “العصا المخفية”، لكنها تطرح أيضًا إشكالية أخلاقية: كيف يمكن الحديث عن تسوية متوازنة بينما تُفعَّل أدوات اختراق داخلي في الوقت ذاته؟
ثالثًا: حرية أم أداة صراع؟
الجدل داخل الإدارة الأمريكية بين تمويل شبكات VPN ودعم ستارلينك يكشف أن المسألة ليست مساعدة إنسانية صِرفة. فـVPN يوفّر حماية نسبية للمستخدمين، بينما ستارلينك يخلق اتصالًا مباشرًا قد يسهل تتبعه ميدانيًا. بذلك، تتحول “المساعدة” إلى ساحة اختبار لمعادلة المخاطر: من يتحمل كلفة الانكشاف؟ الناشط الإيراني، أم صانع القرار الأمريكي البعيد جغرافيًا؟
رابعًا: الرهان على الداخل الإيراني
الافتراض الضمني في هذه السياسة هو أن الاحتجاجات المتكررة تمثل لحظة هشاشة تاريخية للنظام. غير أن التجربة الإيرانية تُظهر أن النظام يمتلك خبرة طويلة في احتواء الغضب الشعبي، مستندًا إلى جهاز أمني متماسك وشبكات اجتماعية–اقتصادية معقدة. بل إن أي انكشاف لدعم خارجي قد يمنحه مبررًا إضافيًا لتشديد القمع تحت شعار “مواجهة الحرب الناعمة”.
خامسًا: مخاطر الانزلاق الإقليمي
توسيع ساحة الصراع إلى المجال الرقمي–الفضائي لا يجري في فراغ. فطهران قد تعتبر إدخال هذه الأجهزة اعتداءً على سيادتها، ما يفتح الباب لردود غير متماثلة في ساحات أخرى. وهنا تتقاطع التكنولوجيا مع الأمن الإقليمي، ويصبح الاتصال الفضائي عنصرًا في معادلة الردع.
سادسًا: إشكالية الانتقائية الأمريكية
تطرح هذه الخطوة سؤالًا أوسع حول معايير السياسة الأمريكية: لماذا تُفعّل أدوات “تحرير الاتصال” في إيران، بينما تُغضّ الطرف في سياقات أخرى؟ هذا الانتقاء يعزز الانطباع بأن “حرية الإنترنت” ليست قيمة كونية بقدر ما هي أداة ظرفية في صراع محدد.
خلاصة نقدية
قضية ستارلينك في إيران تكشف أن الصراع الأمريكي–الإيراني لم يعد محصورًا في تخصيب اليورانيوم أو العقوبات الاقتصادية، بل امتد إلى السيادة الرقمية وإدارة المجال المعلوماتي. غير أن الرهان على التكنولوجيا كرافعة للتغيير السياسي يظل محفوفًا بالمخاطر: فهو قد يفتح نوافذ تواصل، لكنه قد يعمّق أيضًا سردية “المؤامرة الخارجية” التي يتغذى عليها النظام.
وبين خطاب “المساعدة في الطريق” وواقع الحسابات الجيوسياسية، تبقى الحقيقة أن الناشط الإيراني هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فالتكنولوجيا قد تكون أداة تمكين، لكنها في سياق صراع مفتوح قد تتحول أيضًا إلى عبء أمني. السؤال الاستراتيجي الأهم ليس ما إذا كانت الأجهزة قد دخلت، بل ما إذا كان استخدامها سيقود إلى تحوّل سياسي مستدام، أم إلى دورة جديدة من التصعيد والقمع.