يشير التقرير المنشور في معاريف ,11-2-2026, إلى سيناريو بالغ الدلالة: إذا سقطت طهران، فأنقرة قد تكون التالية. هذه الصياغة ليست مجرد عنوان صحفي مثير، بل تعكس ذهنية استراتيجية متداولة في بعض الدوائر الإسرائيلية، ترى أن الصراع مع إيران ليس معركة منفصلة، بل حلقة في مشروع أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
أولًا: من “الملف النووي” إلى “الهندسة الجيوسياسية”
التحليل الإسرائيلي يتجاوز النقاش التقليدي حول البرنامج النووي الإيراني، ليطرح تصورًا أشمل: إسقاط إيران أو إضعافها جذريًا سيخلق فراغًا استراتيجيًا في قلب الإقليم. هذا الفراغ، بحسب القراءة ذاتها، قد يفتح الباب أمام إعادة توزيع موازين القوى، سواء في الخليج أو في المشرق أو حتى في شرق المتوسط.
لكن الإشارة إلى تركيا، وتحديدًا إلى حكم رجب طيب أردوغان، تكشف عن بُعد أعمق. فأنقرة، خلال العقدين الماضيين، تحولت إلى فاعل إقليمي مستقل، يتبنى سياسات خارجية متعددة المسارات، ويمارس دورًا موازنًا بين الغرب وروسيا والصين، فضلًا عن حضوره المؤثر في ملفات سوريا وليبيا وشرق المتوسط وغزة. من هذا المنظور، يُفهم إدراج تركيا في سياق “التهديد التالي” كجزء من تصور إسرائيلي يعتبر القوى الإقليمية الصاعدة منافسًا طويل الأمد.
ثانيًا: الفجوة الإسرائيلية–الأمريكية
يلمح التقرير إلى تباين متزايد بين حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة دونالد ترامب بشأن مستوى المخاطرة المقبول في مواجهة إيران.
إسرائيل تميل إلى منطق الحسم العسكري، باعتباره يعيد تثبيت الردع ويمنع تحوّل إيران إلى قوة نووية كامنة. أما واشنطن، فتقيس الأمر بمعايير أوسع: استقرار سوق الطاقة، كلفة التضخم الداخلي، الحسابات الانتخابية، وتجنب حرب إقليمية مفتوحة قد تستنزف مواردها.
هذه الفجوة ليست خلافًا تكتيكيًا، بل تعكس اختلافًا في تعريف “التهديد المركزي”. بالنسبة لتل أبيب، إيران تمثل تحديًا وجوديًا بعيد المدى. أما بالنسبة لواشنطن، فهي تهديد يمكن احتواؤه ضمن شبكة ردع وعقوبات وضغوط متعددة المستويات.
ثالثًا: العامل الروسي–الصيني وإعادة تموضع النظام الدولي
التقرير يبرز مناورات روسية–صينية متزامنة مع تصاعد الحديث عن ضربة محتملة لإيران. هذه الإشارة تعكس تحولًا مهمًا: الشرق الأوسط لم يعد ساحة نفوذ أمريكي شبه حصري، بل مسرحًا لتنافس متعدد الأقطاب.
موسكو وبكين لا تسعيان إلى حرب مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنهما توظفان الحضور العسكري والرسائل الرمزية لتأكيد أن طهران ليست معزولة. بالنسبة للصين، تمثل إيران عقدة أساسية في أمن الطاقة ومبادرة “الحزام والطريق”. وبالنسبة لروسيا، تشكل شريكًا في موازنة النفوذ الغربي في آسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط.
من هنا، فإن أي ضربة واسعة لإيران لن تكون مجرد مواجهة ثنائية، بل اختبارًا لتوازنات النظام الدولي الجديد.
رابعًا: معضلة الطاقة والاقتصاد العالمي
أحد أهم عناصر التقدير يتعلق بمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس صادرات النفط العالمية. إغلاقه – ولو جزئيًا – سيعني صدمة فورية للأسواق. كذلك فإن استهداف منشآت خليجية أو إيرانية قد يسحب ملايين البراميل من السوق، ما يدفع الأسعار إلى مستويات قد تتجاوز 100 دولار للبرميل.
الانعكاس لن يكون إقليميًا فحسب؛ أوروبا وآسيا ستتأثران مباشرة، بينما ستواجه الولايات المتحدة ضغوطًا تضخمية داخلية. هذا البعد الاقتصادي يشكل أحد أهم كوابح القرار العسكري الأمريكي، ويجعل خيار الحرب الشاملة محفوفًا بكلفة عالمية مرتفعة.
خامسًا: تركيا بين الاستهداف والردع
الإيحاء بأن أنقرة قد تكون “التالية” في حال سقوط طهران يحمل أبعادًا رمزية أكثر منه عملية. تركيا عضو في حلف الناتو، واقتصادها متشابك مع الاتحاد الأوروبي، وتمتلك قدرات عسكرية وصناعية متنامية.
لكن الرسالة الأهم تكمن في الإشارة إلى هشاشات داخلية محتملة – مثل الانقسام السياسي بين المدن الكبرى والحزب الحاكم – بوصفها نقاط ضغط يمكن استثمارها.
في هذا السياق، يمكن قراءة الخطاب الإسرائيلي كجزء من معركة سرديات: تصوير التحالفات الإقليمية غير المنسجمة مع الرؤية الإسرائيلية كتهديدات قابلة للتفكيك أو الاحتواء.
سادسًا: بين خيارين متطرفين
التقرير يطرح سيناريوهين: استسلام إيراني كامل أو حرب إقليمية شاملة. غير أن الواقع الاستراتيجي يميل عادة إلى المساحات الرمادية: تصعيد محدود، عمليات نوعية، اتفاقات مرحلية، أو إعادة تموضع سياسي دون مواجهة مفتوحة.
تاريخ الصراعات الإقليمية يُظهر أن الفاعلين الكبار يفضلون إدارة التوتر بدل الانزلاق إلى حافة الهاوية، خاصة حين تكون الكلفة الاقتصادية والسياسية مرتفعة.
خلاصة تقديرية
يخلص مركز حضارات إلى أن الحديث عن “أنقرة التالية” يعكس تصورًا إسرائيليًا يرى في إضعاف إيران فرصة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. إلا أن تعقيد المشهد الدولي، وتشابك المصالح الاقتصادية، وتعدد مراكز القوة، تجعل من سيناريو الحرب الشاملة خيارًا بالغ المخاطر لجميع الأطراف.
الشرق الأوسط يقف اليوم على مفترق طرق بين منطق الردع المتبادل ومنطق المغامرة الاستراتيجية. وفي ظل تعدد الفاعلين الدوليين وتداخل الاقتصاد بالأمن، فإن أي خطوة غير محسوبة قد تتحول من عملية محدودة إلى إعادة رسم قسرية لخرائط الإقليم.
يبقى السؤال المفتوح: هل ستنتصر حسابات البراغماتية الدولية، أم أن منطق كسر التوازن سيدفع المنطقة نحو طور جديد من عدم اليقين؟