ورقة بحثية: المشروع الوطني الفلسطيني أزمة قيادة

محمود عزالدين

باحث فلسطيني


ورقة بحثية مقدمة للمؤتمر العلمي الأول في السجون بالتعاون مع مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية

بعنوان: المشروع الوطني الفلسطيني "أزمة قيادة"
إعداد: محمود عزالدين


المقدمة 


       الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:   

هذه دراسة بعنوان " المشروع الوطني الفلسطيني – أزمة قيادة " أردت من خلالها: دق ناقوس الخطر، وتبيين مدى بعد وانحراف القيادات الفلسطينية الحالية – بشكل عام – عن النموذج المثالي للقيادة الوطنية المخلصة الفعالة، ورغم انني لا اتجاهل – ولا يمكنني ان اتجاهل – قادة مخلصين أوفياء، " فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ".. ولا أتجاهل – كذلك – الظروف المحلية والإقليمية والدولية القاهرة التي تكبل أيدي القادة والساسة الفلسطينيين، وتجعل خياراتهم صعبة ومحدودة.

إلا أن القيادة تبقى – مع ذلك كله – تتحمل مسؤولية كبيرة عن حجم الفشل والإخفاقات والانتكاسات التي مر بها المشروع الوطني الفلسطيني.   

وبما أن خيار الاستسلام للقوة الباغية المعتدية غير واردٍ في حسابات الشعب والنخب الفلسطينية؛ فإن على القيادة التي تصدرت بإرادتها لحمل العبء وتولي المسؤولية أن تؤدي الواجب الذي عليها بكل اخلاص وأمانه واقتدار، أو تتنحى جانبًا وتسلم الراية لغيرها. 

وقد اخترت هذا الموضوع لأهميته وحساسيته ولأن هذه القضية تمسّ كل فلسطيني وكل مسلم وكل عربي وكل حر أبي.

وقد عمدت في هذه الدراسة إلى أسلوب تحري مواطن الضعف والخلل، وكشفها وتبيين خطرها وضررها.   

إيمانا مني أن بالإمكان تقديم أفضل بكثير مما كان، وأن الشعب الوفي الأبي وقضيته المقدسة العادلة تستحق منا جهدا أكبر وأداءً أفضل، والله معنا ولن يترنا أعمالنا.. والنصر حتما لنا، إن أحسنا الأخذ بالأسباب، واستغرقنا جهدنا وبذلنا وسعنا وغيرنا ما بأنفسنا، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. 


الفصل الأول: القيادة والقائد


مفهوم القيادة: 

القيادة لغة:القيادة مصدر القائد والقود نقيض السوق.  

يقود الدابة من أمامها، ويسوقها من خلفها والانقياد: الخضوع 

وفي حديث على: قريش قادة ذاده، أي يقودون الجيوش وكل مستطيل من الأرض قائد. ([1])

القيادة اصطلاحا: 

قيل هي: تحريك الناس نحو الهدف ([2]) وقيل هي: توجيه سلوك الآخرين ([3])

وقيل هي: فن معاملة الطبيعة البشرية ([4]) وقيل هي: عملية تحريك مجموعة من الناس باتجاه محدد ومخطط وذلك بتحفيزهم على العمل باختيارهم. ([5])

وإذا تسنى لنا تعريف القائد قلنا: هو شخص يمتلك قدرات مميزة تمكنه من التأثير في جماعة من الناس، وضمان طاعتهم وإقناعهم أنه قادر على تحقيق آمالهم، وعلاج مشكلاتهم. 

والحقيقة أنه لا يوجد تعريف محدد متفق عليه للقيادة والقائد؛ ولعل ذلك يعود لتعدد أشكال وأنواع ومستويات القيادة وتعدد المدارس الفكرية والسياسية، وعدم اتفاقها على صفات محددة للقائد.   


أهمية القيادة 

القيادة تعبير طبيعي عن حاجات الفرد والجماعة، ومع وجود القيادة يقل الخلاف، وتجتمع الكلمة يقول الشاعر العربي:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم      ولا حياة إذا جهالهم سادوا 

       

والقائد في كل أمة هو الراس المدبر لها الذي يتخذ القرارات نيابة عنها، ولا نبالغ إن قلنا إن شخصية وطبيعة ومصير أي جماعه، يحدده قائدها يقول يون تزو: " القائد هو المتحكم في أقدار الشعب فهو الرجل الذي يعتمد عليه إذا ما كانت الأمة ستعيش في سلام أم في خطر" ([6])

       كم من قائد عظيم جلب لأمته نصرا كان يراه الجميع مستحيلا، وكم من قائد فاشل عابث مستهتر أحال نصرًا محققا هزيمة نكراء وجلب على أمته خزيا وعارًا وذلا وصغارا.   

وحال الأمة الإسلامية والعربي – اليوم- يعني عن المقال، فكل ما تعانيه أمتنا لا يخفى على أحد هو بما كسبت أيدي حكامها، وزعمائها، الذين استمرأوا الذل والمهانة، واستطابوا الضعف والاستكانة واستلذوا طعم الغدر والخيانة. 

ولا خير في قوم تذل كرامهم      ويعظم فيهم نذلهم ويسود 

يقول الشيخ محمد الغزالي "رحمه الله ": " عندما يوضع راس فارغ على كيان كبير فلا بد ان يفرض عليه تفاهته وأثرته وفراغه. ([7])


أهمية القيادة للقضية الفلسطينية

       أهمية القائد والقيادة للقضية الفلسطينية تنبع من كون القضية الفلسطينية تجابه من الاعداء والاخطار والتهديدات والمؤامرات ما لا تجابهه قضية أخرى ومن كون المهام الملقاة على كاهل نظرائه في أي مكان في العالم وعليه فان الشعب الفلسطيني في أمسّ الحاجة لقيادة حكيمة ملهمة، صاحبة نظرة ثاقبة ورؤيا مرشدة وهمة عالية، تنقذه فترده السلامة وتجنبه العنت والأخطار.   


الزعيم الملهم والقائد الاستثنائي 

ومن أبرز صفاته: 

1. الشجاعة والإخلاص والإيمان المطلق بقضيته المقدسة: 

       يقول مونتغمري: "إن الميزة الأولى للقائد الذي ننشده هي أن يكون مخلصا إخلاصا عميقا وعظيما حقيقيا، والإخلاص الذي أعنيه هو النوع الذي ينبعث من القائد دون تكلف، فهو فيه بالطبيعة، وهو لا يسلك إلا أن يكون مخلصا." ([8])

               أما الشجاعة فإنها تظهر في القائد بثباته وجرأته عند تضعضع وضعف وتردد الآخرين تمامًا كما تجسدت بقوة في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين.. " لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.([9])

2. الإرادة الحديدة: 

       حالات الاحباط والياس والقنوط والاستكانة، لا ينبغي أن تعرف طريقها إلى قلب القائد؛ لأنها إن تسربت إلى قلبه فسرعان ما تتسرب إلى قلوب جنوده وأتباعه، وعامة الشعب وهذا أسرع طريق الفشل والهزيمة.
"وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ"([10])

4. الرؤية المرشدة الواضحة:   

       الرؤية هي: صورة ذهنية تصف الحالة المستقبلية المرغوبة انها القدرة على الرؤية إلى ما بعد الواقع. ([11])

ولا بد للقائد أن يكون صاحب رؤية وأن يمتلك القدرة والجرأة في عرض رؤياه، وتوضيح صورة المستقبل المنشود للجماهير حتى يعلم الناس إلى أين يتجهون ولأي غاية يضحون، والأمل هو السبيل الوحيد لإدخال القناعة والرضا في أذهان الجماهير، وهو وحده ما يشجعها على الثورة والتضحية والصبر، والقائد – كما يقول نابليون – هو "بائع الأمل" وكلما كانت الرؤية واضحة ومثالية وممكنه كلما كان الأمل قويا محفزا.

5. الثقة المطلقة بالنفس:   

       وهذه الثقة هي التي تمكن القائد من عرض أفكاره وطرح رؤيته بكل جراه دون تردد والقائد الذي لا يمتلك ثقة مطلقة بنفسه يكون عرضة لتقديم التنازلات تلو التنازلات، ولا شيء يعزز الثقة بالنفس كالقدرة المستمرة على الابداع والإنجاز.   

6. القدرة على كسب ولاء مجموعة من المساعدين الاكفاء والاحتفاظ به:

      وهذه الصفة من أهم الصفات، ذلك أنك لن تجد شخصا كاملا يتقن كل شيء، وبالتالي فإن وجود المساعدين الأكفاء حول القائد يعني ضم قوتهم إلى قوته، وعلمهم إلى علمه، وخبرتهم إلى خبرته وعقلهم إلى عقله؛ فيكون العمل بروح الفريق وعقل الفريق وحكمة الفريق لا الفرد. 

7. الواقعية:   

       يجب على القائد أن يكون واقعيا يعي تماما حجم القوة التي يمتلكها، والتي يمكن أن يمتلكها وقوة خصومه، وما يمكن أن يحققه ومالا يمكن تحقيقه، وثقة القائد الزائدة في نفسه وانبهاره بما في يديه من قوة قد يوصله – أحيانا- إلى جنون العظمة فيقدم على أعمال غير محسوبة، من شأنها التسبب بنتائج وعواقب كارثية عليه وعلى شعبه وقضيته.

وأمثلة ذلك من تاريخ القضية الفلسطينية والأقطار العربية كثير.

8. العملية:  

       ونعني بها أن يهتم القائد بتحقيق أفضل النتائج وأن يسلك أصوب السبل الموصلة للهدف المنشود والغاية المقصودة.   

ومن أخطر ما تمر به الثورات والحركات الجماهيرية هو تحولها إلى حركات كلامية شعاراتية لا تحسن العمل والإتقان "تسمع جعجعة ولا ترى طحينا". 

       وإنك لترى كثيرا من القادة الفلسطينيين – من كافة الفصائل – يشغلون أنفسهم ومن حولهم ويستفرغون طاقاتهم وجهدهم في قضايا هامشية وصراعات جانبية تستنزف الإمكانات والموارد والوقت، ولا تخدم الأهداف الأصلية للثورة حتى أصبح العمل الجاد من أجل تحقيق الأهداف والصراع المباشر مع الأعداء هو الاستثناء.

9. أن يكون خطيبًا مفوهًا:  

       يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إن من البيان لسحرا" ([12])

وحتى يكون القائد قادرًا على سحر الجماهير بشخصيته، وقوة أفكاره، لا بد أن يكون خطيبا مفوها يجمع بين قوة الخطاب، وخطاب القوة، وتجلى هذا النموذج بوضوح في شخص الشيخ عز الدين القسام فكان الخطيب الثائر والثائر الخطيب.

       يقول سيشرون:" من الاكيد أن لا شيء يبدو لي أجمل من القدرة على شد انتباه الناس المجتمعين بواسطة الكلام وكذا استمالة الاذكياء، وجر الإرادات في كل اتجاه حسب ما يريده المتكلم.. أي شيء أمتع للنفس والأذن من خطاب محلى مزين بحكمة الأفكار ونبل التعابير بأي قوة أكثر من تلك التي تكبح انفعالات الشعب؟" ([13])

10. أن يكون جيد الحدس والتخمين:  

يقول هنري فايول: جوهر الإدارة هو قوة التنبؤ قبل حدوث الأشياء. ([14])

بُعد النظر واستشراف المستقبل من أهم صفات القائد الموهوب التي لا تكتسب؛ وإنما تولد مع القائد وتوجد عنده بالفطرة؛ لكنها يمكن أن تغنى. 

11. أن يكون مثالا يحتذى به التزامه بقيم المجتمع وأخلاقه:  

يظل القائد محبوبًا، مهابًا، موقرًا ما استقام على قيم المجتمع وأخلاقه فإذا ما انحرف انصرف الناس عن حبه وتوقيره، وفتح على نفسه أفواه الخلق بالذم والشتم، والطعن واللعن.. وعلى القائد أن يعلم أنه إذا ما انحرف شبرا انحرف الناس خلفه مترا، وإذا ما انحرف باعًا انحرفوا هم ذراعًا. 

12. أن يجسد دور "الاب القائد" المهتم بعياله:  

       في ساعات الضيق والحرج تحن الجماهير إلى السلطة الأبوية وتشعر بالافتقار إلى الزعيم "الأب" الذي يعيش همها ويشعر شعورها، الذي يبذل لها رفده ويستفرغ مهمها جهده، والذي تعتمد عليه في إخراجها من كل مأزق يقع فيه، تماما كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه "لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" ([15]).

يقول سون تزو: "انظر إلى جنودك كما لو كانوا أطفالك، وهم سيتبعونك وقتها إلى مهالك الوديان العميقة، وانظر إليهم كما لو كانوا أحب أبنائك إليك وهم سيبقون معك حتى يلقوا حتفهم." ([16])


حاجة القضية الفلسطينية لزعيم ملهم وقائد استثنائي

  ما أكثر القادة حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل.   

فمنهم من اهمته نفسه، وأهله، ومنهم من أهمته جماعته وحزبه، ومنهم من أهمه ماله ومركزه، ومنهم من سقطت همته، وضعفت عزيمته، ومنهم موهوب غير مخلص، ومخلص غير موهوب.. ومنهم.. ومنهم.   

    أما الشعب فيريد قائدًا استثنائيًا، وزعيمًا ملهمًا يجسد صدق المبدأ، وعدالة وقداسة القضية وتحدي القوة، ويعبر عن النقمة المخزونة في صدور الجماهير، ويلهب حماسهم ويبعث في نفسوهم الأمل في مستقبل أفضل. 

    الشعب يريد قائدا يكون " قوام كل مائل، وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف، ونصفت كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف... كالراعي الشفيق على أبله، والحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، وكالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغارًا ويعلمهم كبارًا، يكسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد وفاته.. وكالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرها ووضعته كرها، وربته طفلا، تسهر لسهره وتسكن لسكونه وترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته. ([17])

       الشعب الفلسطيني محتاج اليوم ومتشوق لزعيم ملهم -والمسرح جاهز، والظروف مواتية-؛ لظهور هذا القائد الموهوب، فهل تتوافق الفصائل الفلسطينية، وتجمع أمرها على قائد صاحب تاريخ وطني مشرف، يتجرد من أي انتماء حزبي، ويعمل لصالح وطنه وأمته بهمة وعزيمة وإخلاص؟ 

       آن للحركات الفلسطينية أن تدرك أهمية ذلك، وأن تدرك كذلك أن من طبائع العامة الميل والانجذاب للقائد الكاريزماتي الموهوب، أكثر من الميل والانجذاب للحركات والأحزاب: فعليها أن تلبي رغبة الجماهير وتشبع حاجاتها. 



الفصل الثاني: المستويات القيادية


المستوى الأول: القيادة العليا. 

المستوى الثاني: القيادة الوسطى.

المستوى الثالث: القيادة الميدانية.

أولاً: القيادة العليا

مهامها

1. تحدد الأهداف: بأنواعها المختلفة الاستراتيجية والتكتيكية بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى، وترتيبها تصاعديا حسب الأولوية. 

2. التخطيط: من خلال تحديد الوسائل والإمكانات، وترتيب الأهداف، وتحديد عناصر القوة والضعف، والاستعانة بالخبرات.

  ويعرف التخطيط بأنه: "تحديد الأهداف ورسم السياسات العامة ووسائل تنفيذها في برنامج زمني معين." ([18])

3. صنع القرارات:

مفهوم القرار: هو الاختيار المدرك بين البدائل المتاحة في موقف معين؛ لتحقيق هدف محدد فإذا لم يكن ثمة بدائل وإنما نحن أمام أمر واحد لا بديل عنه، فإنا نخرج عن مجال اتخاذ القرار. ([19])

4. الاهتمام بحاجات الجماهير، والإحساس بمشاعرها؛ فالقيادة إنما وجدت لخدمتها، وتحقيق آمالها.

5. ضبط ومراقبة العلاقات الداخلية ويندرج ضمن ذلك تنسيق العمل بين أذرع وأجهزة الحركة المختلفة، والإشراف وتيسير الأمور.

6. متابعة العلاقات الخارجية: القيادة العليا مسؤولة عن رسم السياسات الخارجية، وتعيين الممثلين والمندوبين، وعقد الاتفاقات، وبناء التحالفات، ومتابعة مختلف النشاطات.

7. متابعة الشئون المالية: تقع على عاتق القيادة العليا متابعة عمل اللجنة المالية، والقيادة العليا هي التي ترسم السياسة المالية للحركة، والتي تحدد مصادر الدخل وجهات التمويل وحدود وأوجه الصرف، والنشاط الاستثماري، وتقرر الموازنة السنوية، وتتحرى ضمان الشفافية والنزاهة وكفاءة العاملين في الحقل المالي. 

وتتمثل القيادة العليا في الفصائل الفلسطينية بـ: اللجنة المركزية عند فتح والجبهتين الشعبية والديموقراطية والمكتب السياسي عند حماس والجهاد الإسلامي. 

وسنلقي الضوء فيما يأتي على واقع القيادة العليا لفصائل العمل الوطني والإسلامي؛ لنرى مدى قربها أو أغراضها عن النموذج التالي: 

1. تحديد وترتيب الأهداف: 

إن سلمنا الأهداف الاستراتيجية للفصائل الفلسطينية معلومة وواضحة؛ فإن الأهداف المرحلية والتكتيكية غير واضحة للجماهير، ولا حتى لكوادر هذه الفصائل، والمتابع للاجتماعات الدورية والطارئة للقيادات العليا لكافة الفصائل الفلسطينية يجد أنها تخصص عادة لمعالجة المشكلات الداخلية والأحداث الطارئة، أما مسألة تحديد الأهداف، ودراستها، وترتيبها، ووضع آليات وجداول زمنية؛ لتحقيقها فنادراً ما يحدث وإن حدثت فلا تتم المتابعة، والسمة الغالبة على نشاط "القيادات العليا" هي الإنهاك والانشغال بالأحداث الطارئة التي لكثرتها وتلاحقها لا تدع لهذه القيادة فسحة للالتفات لغيرها .. لكن وكما يقول فرانكلين روزفلت: "هناك وقت يجب أن تختار فيه بحزم المسار الذي ستتبعه وإلا فستتخذ الأحداث العاصفة القرارات بدلاً منها" ([20])

2. التخطيط:

      كلنا يعلم القول المشهور: إذا فشلت أن تخطط فقد خططت للفشل ويمكننا القول بألم: أننا أمة لا تحسن قيادتها مسؤولية الفشل، وعدم النجاح؛ لأنها المسؤولة عن التخطيط، وعن متابعة التنفيذ فإما أن القيادة لا تخطط، وإما أنها لا تحسن التخطيط، وعندما ينجح غيرنا، ونفشل نحن تكون العلة فينا، وهنا تجب المحاسبة، ويجب التقييم والتقويم، أما التعلق بذريعة الظروف القاهرة وتعقيدات الواقع فإن أبشع قناع للقائد هو قناع الذرائع. 

فإذا لم تكن الأمور معقدة والصعاب جمة في حاجة الشعب للقيادة، القيادة الناجحة هي التي تحقق الإنجازات في أعقد الظروف وأصعب الأوقات. 

     التخطيط فالفشل المتلاحق، وعدم النجاح في إنجاز المهمات، لا بد من أن يعود إما للفشل في التخطيط أو التنفيذ أو لظرف طارئ وعندما يتكرر الفشل ويكون هو السمة السائدة فيكون علينا أن نستعيد فرضية "الظرف الطارئ الخارج عن الإدارة" فلا يبقى أمامنا إلا أن نحمل القيادة العليا مسؤولية الفشل وعدم النجاح؛ لأنها المسؤولة عن التخطيط وعن متابعة التنفيذ، فإما أن القيادة لا تخطط، وإما أنها لا تحسن التخطيط، وعندما ينجح غيرنا ونفشل نحن تكون العلة فينا وهنا تجب المحاسبة ويجب التقييم والتقويم أما التعلق بذريعة الظروف القاهرة وتعقيدات الواقع فإن أبشع قناع للقائد هو قناع الذرائع. 

فإذا لم تكن الأمور معقدة والصعاب جمة في حاجة الشعب للقيادة، القيادة الناجحة هي التي تحقق الإنجازات في أعقد الظروف وأصعب الأوقات.

3. صنع القرارات:

      معظم القرارات المصيرية والاستراتيجية في تاريخ القضية الفلسطينية، اتخذها قائد أو فرد، أو اتخذت على أضيق نطاق قيادي، وإذا ما رأى القائد أو القيادة المنفذة حاجة للحصول على موافقة أو مصادقة هيئة تنظيمية أو تشريعية ما على قرارها، فلا أسهل من ذلك؛ لأن هذه الهيئات صنعت على عين القائد فلا يمكنها الخروج عن أمره ولا معارضة رأيه هكذا اتخذت قرارات "الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية، واتفاقية أوسلو، وتغيير بنود الميثاق الوطني الفلسطيني، وبينما أنا أكتب هذه الأسطر تناقلت وسائل الإعلام خبر إعلان قيادة السلطة عن إعادة التنسيق الأمني مع الاحتلال" 

مَن اتخذ هذا القرار؟ وما آلية اتخاذه؟ لا نعلم؛ لكن الذي نعلمه أن قرار وقف التنسيق الأمني اتخذ من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، والمجلس المركزي، ومركزية حركة فتح، وفي اجتماع الأمناء العامين للفصائل.. ثم فجأة يلقى بآراء هؤلاء جميعًا عرض الحائط، ويتخذ فرداً واحدًا قرار آخر. 

       أما صناعة القرارات عند قيادة حركة حماس فيبدو لي أن هذه القيادة قد بدأت في الآونة الأخيرة تنحرف شيئاً فشيئاً نحو نموذج "م.ت" حيث أصبحت معظم القرارات تتخذ في أضيق نطاق؛ فآراء قيادات وكوادر الحركة في قطاعات الضفة الغربية والسجون والقدس.. لا تؤخذ ضمن آلية تضمن التعبير الصريح والحقيقي والشامل؛ وإنما تؤخذ بصورة اعتبارية رمزية، ولم تعد الحركة تستعين بآراء الخبراء وأصحاب الرأي من أصدقاء وأنصار الحركة والقضية -وهم كثر- فحجرت واسعاً، وبدأنا نلتمس اتساع حالة التذمر لدى جماهير وأعضاء الحركة من مسألة تفرد بعض قيادتها بالقرار، وحرف الحركة تارة يمنة وتارة شمالاً. 

4. الاهتمام بحاجات الجماهير ومراعاة مصالحها والاحساس بمشاعرها:

إن الذي يشارك في حصار شعبه، ويشد على يد من يحاصره، ويصف مقاومه أبطال شعبه إرهاباً، لا يمكن أن يكون عنده أدنى إحساس بمشاعر وآلام ومعاناة شعبه، وإن القيادة الرسمية "الفلسطينية" منبتة عن واقع الجماهير، وغير عابئة بمشاعرها، أو حاجاتها، مقدمة مصالحها الشخصية على مصالح الشعب والجماهير. 

       إن هذه القيادة ما انفكت توجه الطعنات تلو الطعنات، لصدر وظهر الشعب الفلسطيني المكلوم: تمزق وحدته تقتل روح المقاومة والعزة والكرامة في نفوس أبنائه، تلاحق المقاومين وتجرم بطولاتهم، تعطل دور المساجد، أو تمنع الدعاة والمصلين من أداء دورهم، تفسد وسائل الإعلام، وتفسد المجتمع وتنشر الرذائل؛ حتى بدأت تطفو على السطح ظواهر حقيقية مقلقة، أبرزه ظاهرة الاقتتال الداخلي والاقتتال العائلي بالأسلحة النارية وارتفاع نسبة الجريمة بشكل مهول.

ومعلوم أنه عندما يصعد المدى الثوري، فإن معدل الجرائم لينخفض وعندما ينخفض المدى الثوري وتسكن المقاومة، فإن معدل الجرائم والاقتتال الداخلي يرتفع ... وبما أن القيادة المتنفذة في "م.ت" وحركة فتح تعمل جاهدة لإخماد روح المقاومة والثورة، فإنها من حيث تدري أو لا تدري تفتح الباب على مصراعيه أمام ما تسميه (بالفلتان الأمني)، أما حركات المقاومة فعليها أن تدرك أنها تشترك بشكل جزئي؛ لأنها تتحمل المسؤولية بتسليمها بالأمر الواقع في الضفة الغربية، وعدم قدرتها على تفعيل المقاومة، فإنه عندما يرتفع صوت المقاومة تنخفض كل الأصوات النشاز، وعندما تنتشر الحماسة وروح الثورة والمقاومة بين الناس يتحول حتى الرجال الكسالى والتافهين إلى مقاومين نشطين .. حجار الشوارع -حينها- يمكن أن تتحول إلى جمار الزاوية! هذا ما عشناه حقيقة وواقعاً في الانتفاضتين الأولى والثانية.. 

5. مراقبة وضبط العلاقات الداخلية: 

ويندرج ضمن ذلك تنسيق العمل بين أذرع وأجهزة الحركة المختلفة والإشراف وتيسير الأمور.

6. متابعة العلاقات الخارجية: 

القيادة العليا مسؤولة عن رسم السياسات الخارجية، وتعيين الممثلين والمندوبين وعقد الاتفاقات وبناء التحالفات ومتابعة مختلف النشاطات 

7. متابعة الشئون المالية: 

قضايا الفساد المالي لقيادات سابقة وحالية في "م.ت" المرفوعة أمام القضاء كثيرة والمسكوت عليها كثيرة أيضاً، ومسألة ابتزاز قيادة "م.ت" مالياً من قبل المحتلين وأمريكا، والدول المانحة والدول العربية أيضاً معروفة ومعلومة، ولا تستدعي منا تقديم شواهد ووثائق عليها.

أما حركة حماس فإن معظم قيادتها مشهود لهم بالنزاهة وعفة اليد، ومع ذلك لا يخلو الأمر من وجود حالات فساد مالي هنا وهناك، لكن المطمئن أنها تكون على نطاق ضيق وتواجه عند كشفها بحزم وصرامة؛ لكن سوء إدارة المال العام تقع أحيانا كثيرا بحسن نية، أو استهتار وهذا يستدعي رقابة مالية أكثر صرامة وترشيدا في النفقات.   

أما ابتزاز الحركة ماليا فلا شك أنه واقع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهنا على الحركة أن تحافظ على شعرة معاوية في الحدود التي يمكن أن تذهب إليها في مجاملة الأصدقاء، والتي لا يمكن تجاوزها وتخطيها. 

وللتخفيف من الأزمة المالية التي تعاني منها الحركة فإن كثيرا من الخبراء الاقتصادين نصحوا الحركة بإقامة مشاريع اقتصادية استثمارية في الدول الصديقة المستقرة أمنيا واقتصاديا بأسماء 

رجال أعمال فلسطينيين وغير فلسطينيين مشهود لهم بالأمانة والكفاءة والاستفادة من عائدات هذه الشركات والمؤسسات.   

ومع ذلك لا يمكن لأحد أن يزعم أن بيده حلولا سحريا للأزمات المالية التي تعاني منها الحركة فستبقى المعاناة ما بقي الكفاح والنضال.

المظاهر السلبية عند أعضاء القيادات العليا 

يتفق معظم كوادر الحركة الأسيرة من مختلف الفصائل على وجود جملة من المظاهر السلبية عند كثير من أعضاء القيادات العليا وهي:   

تجذر حالة الصراع على المنصب والمكانة والزعامة. 

ربط كثير منهم علاقتهم بالكوادر التنظيمية، وما يمنح لها من مواقع وصلاحيات بدرجة ولائها وتبعياتها لهم لاعتبارات الكفاءة والجدارة.

تملك الموقع التنظيمي واعتباره كما لو كان إقطاعا خاصا به، والتصرف بالأموال والاتباع كما يحلو له.  

الميل الى التفرد في اتخاذ القرار، وتضييق صدورهم بالرأي المخالف. 

لا يشعرون بوجود التزامات أخلاقية عليهم أمام عناصر الحركة وجماهير الشعب. 

تعاملهم مع كوادر الحركة الفعالة كأفراد وأعداد وليس كقيمة إنسانية وطنية معتبرة مكرمة.  

لكن يحسب لكثير من هذه القيادات:   

أنها تمارس عملها في ظروف صعبة معقدة، وأنهم في أغلب الأحيان مضطرون للتخلي عن ممارسة حياتهم الطبيعية مع أسرهم والمخاطرة بأرواحهم من أجل قضيتهم المقدسة، ووددت لو أن أمامي متسع فأعرض نماذج مثالية رائعة من سير قادة عظماء قدموا أرواحهم وأموالهم في سبيل دينهم وقضيتهم.. لهم في أعناقنا يد سلفت ودين مستحق. 

ثانيا: القيادة الوسطى 

تمثل القيادة الوسطى حلقة الوصل بين القيادتين العليا والميدانية، وحتى تكون هذه القيادة فعالة فلا بد أن يجمع أفرادها بين صفات القيادة العليا، وصفات من القيادة الميدانية، عليهم أن يأخذوا من القيادة العليا صفات:

الإخلاص والأمانة.          

العمل بروح الفريق. 

علو الهمة وقوة الإرادة. 

الحكمة في الحكم على الأمور. 

اتقان العمل وأدائه على أحسن وجه. 

إجادة إدارة الأزمات.

إجادة فن التعامل مع الآخرين. 

ترتيب العمل وتنظيم الوقت.

ومن القيادة الميدانية صفات:   

الشخصية الكاريزمية القوية المحبوبة.

امتلاك روح المبادرة والفاعلية.

الشجاعة والجرأة.

الهمة العالية.

يضاف إلى ذلك صفتان غاية في الأهمية، هما:   

المعرفة الدقيقة بالطبيعة الجغرافية والأمنية والسياسية والاقتصادية لساحة الصراع، فكثيرا ما تسبب جهل " القيادة الوسطى " خاصة إذا كانت مقيمة خارج الوطن– بطبيعة ساحة الصراع بإحراجات شديدة لها، عندما كانت تقدم مقترحات وتوصيات "مضحكة" لا تتناسب مع الواقع.  

الشعور بالمسئولية، وإبداء الاهتمام والحرص على سلامة وأمن الاتباع الذين هم تحت مسؤوليتها، والحقيقة المرة أننا في سجون الاحتلال قد ضقنا ذرعا بالتصرفات اللامسئولة للقيادات الوسطى الذين لا يقيمون أدنى اعتبار أو اهتمام بأمن وسلامة من يتواصلون معهم، فيبددون الأموال والطاقات مرات تلو مرات ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون! ولا من يحاسبهم ولا من يكف أيديهم!

الأمراض التي تصيب القيادات الوسطى 

من أخطر الأمراض التي تصيب القيادات الوسطى:   

الروتين القاتل. 

فقدان الروح والإبداع.

الجمود.

ضعف الحماسة وهبوط الهمة.

الحرص على تملق القيادة العليا لكسب ودها ورضاها، وفي ذلك يتنافس كثير من المتنافسين. 

أزمة القيادات الوسطى 

عادة ما يتم اختيار وتعيين اعضائها من قبل القيادات العليا بناء على الولاء والطاعة والكفاءة والمقدرة، فينتج عن ذلك ضعف في الاداء وفشل في تنفيذ المهمات.. ولطالما شكلت " القيادة الوسطى " عبئا على القيادات الميدانية وتسببت لها بخسائر فادحة في الانفس والأموال. 

في بعض الأحيان كانت القيادة الوسطى تقع بين المطرقة والسندان بين القيادتين العليا والميدانية كل يلومها ويحملها مسئولية الإخفاق، وكثيرا ما لا تجد استجابة أو تفاعلا من القيادة العليا، برغم رجاحة ما تعرضه من أفكار ومطالب.  


لقراءة بقية الورقة البحثية: بعنوان: المشروع الوطني الفلسطيني "أزمة قيادة"

.....................................................

([1]) لسان العرب، ابن منظور، (532- 35/ (7 دار الحديث.

([2]) صناعة القائد، طارق سويدان وفيصل عمر باشر ميل، ص 40.

([3]) القيادة وفعاليتها في ضوء الإسلام، د. أحمد ماهر البقري، ص 20. 

([4]) المرجع السابق، ص .26

([5]) التدريب القيادي، د. هشام الطالب، ص .52

([6])فن العرب، سون تزو – ترجمة رؤوف شبايك، ص 19.

([7]) محمد الغزالي، الاسلام والطاقات المعطلة، ص .39

([8]) مونتغمري، السبيل إلى القيادة، ترجمة حسن مصطفى، ص 21.

([9]) الأحزاب، 21.

([10]) آل عمران، 146

([11]) صناعة القائد، سويدان وفيصل باشر ميل، ص 69.

([12]) البخاري     7/ 19

([13]) بلاغة الخطاب السياسي، إعداد وتنسيق محمد مش يال، ص35.

([14]) صناعة القائد، سويدان وفيصل باشر ميل، ص 71.

([15]) التوبة 128.

([16]) سون تزو، فن الحرب، ترجمة رؤوف شبايك،  ص 60.

([17]) الأندلسي ابن عبد ربه، العقد الفريد، 1/ 33 – 34، مقتبس من رسالة الحسن البصري التي بعثها لعمر بن عبد العزيز ولي الخلافة.   

([18]) القيادة وفعاليتها في ضوء الإسلام، د. أحمد ماهر البقري 

([19]) المصدر السابق، ص 89

([20]) جون آدير، اتخاذ القرارات وحل المشكلات، ص٢٠.

([21]) جاسم سلطان، قواعد في الممارسة السياسية، ص 58-59.

([22]) شوقي – قصيدة نهج البردة 

([23]) البخاري رقم149

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020